تعنيف الأطفال عبر المقاطع المصورة… أبعاد قانونية واجتماعية
انتشرت في الآونة الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة توثّق قيام تعرض أطفال للضرب بشكل مبرح وبأسلوب مستفز، ما أثار موجة غضب واسعة بين المستخدمين.
ويظهر في بعض هذه المقاطع تعمّد الأب ارتكاب هذا الفعل بهدف استفزاز الأم المطلقة أو التي غادرت المنزل لأسباب عائلية، في محاولة للضغط عليها نفسياً ومعاقبتها، الأمر الذي دفع ناشطين إلى الدعوة لوقف مثل هذه الممارسات، ومحاسبة الجناة، والعمل على حماية الأطفال.
وفي ظل استمرار تداول هذه المقاطع، تتزايد المخاوف من تداعياتها على الأطفال، سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية، ما يطرح تساؤلات حول الأبعاد القانونية لهذه الأفعال، وحدود المسؤولية المترتبة عليها، في وقت تتواصل فيه الدعوات لوضع حد لمثل هذه الممارسات.
تعنيف الأطفال… جريمة يعاقب عليها القانون
وقال باسل محمد موسى، محامٍ أستاذ لدى نقابة المحامين بدمشق، وباحث مهتم في قضايا الحماية القانونية الرقمية، في حديث لـ شبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة تصوير تعنيف الأطفال ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تُعد من أخطر الجرائم المستحدثة، كونها تدمج بين الأذى الجسدي المباشر والانتهاك النفسي المستدام عبر الفضاء الرقمي.
وأضاف أن التوصيف القانوني لهذه الجريمة ينظر إلى هذه الأفعال بوصفها "جرائم مركبة"، حيث يتم التكييف القانوني بناءً على ركنين: الجرم المادي، وهو اعتداء على السلامة الجسدية وفق قانون العقوبات، والجرم المعلوماتي، وهو انتهاك حرمة الحياة الخاصة واستغلال القاصرين لإنتاج محتوى يمس كرامتهم وفق قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية.
وفيما يتعلق بالمرجعية التشريعية والمواد المستند إليها، أشار إلى قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021، وتحديداً المادة (42) التي تضمن حق الطفل في الحماية من كافة أشكال العنف، والمادة (53) التي تحظر استغلال الطفل في أعمال تضر بسلامته النفسية أو تسيء لكرامته.
وتحدث موسى عن قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، ولا سيما المادة (21) المتعلقة بانتهاك الخصوصية، مع تشديد العقوبة وجوباً إذا كان المجني عليه قاصراً، إلى جانب قانون العقوبات العام، ولا سيما المواد (540 وما بعدها) المتعلقة بجرائم الإيذاء والضرب.
وذكر أن العقوبات المترتبة، عندما يكون الجاني هو "الأب"، تتمثل وفق القوانين السورية النافذة بحزمة من العقوبات المشددة، تشمل عقوبة الإساءة والإهمال، وهي الحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وغرامة تصل إلى مليون ليرة، مع تشديد العقوبة بموجب المادة (64) من قانون حقوق الطفل، لكون الفاعل هو "ولي أمر".
وأشار إلى عقوبة الاستغلال الرقمي، وهي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وغرامة تصل إلى ثلاثة ملايين ليرة، بموجب المادة (68) من ذات القانون، لتسبب الفاعل بأذى معنوي ونفسي عبر النشر، بالإضافة إلى التدابير الاحترازية، حيث يحق للقضاء، حمايةً لمصلحة الطفل الفضلى، اتخاذ تدابير استثنائية تشمل إسقاط الولاية أو تقييدها، ونقل الطفل إلى بيئة آمنة بموجب المادة (51).
وبين لـ "شام" أن المسارات القانونية المتاحة للأم تشمل المسار الجزائي، من خلال تقديم شكوى رسمية أمام النيابة العامة أو "فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية"، والمسار الشرعي، عبر رفع دعوى "إسقاط ولاية" بصفة مستعجلة، استناداً إلى ثبوت عدم أمانة الولي على المحضون وتشكيله خطراً على حياته وكرامته.
إجراءات قانونية للأم ومسؤولية المجتمع في حماية الأطفال
وبالنسبة لمسؤولية المتابعين والجمهور، أكد باسل محمد موسى أن "إعادة النشر" (Share) تساهم في تخليد الجريمة، لافتاً إلى أن الدور القانوني للمواطن يتمثل في التوثيق، من خلال أخذ لقطة شاشة (Screenshot) للحدث، والتبليغ عبر إرسال الوثائق إلى الجهات المختصة (إدارة الأمن الجنائي - مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية)، حيث تتحرك النيابة العامة بناءً على "الحق العام" نظراً لخطورة الجرم.
ووجّه رسالة إلى الأهالي بضرورة التذكير دائماً بأن الولاية على الطفل هي "أمانة شرعية وقانونية" وليست سلطة مطلقة، وأن القانون السوري الحديث بات يحاسب على "الأذى النفسي" بذات الحزم الذي يحاسب به على "الأذى الجسدي"، وأن حماية الطفل مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون نصاً قانونياً.
تعنيف الأطفال… انعكاس خلل مجتمعي وتحذيرات من تداعيات نفسية بعيدة المدى
وقال فادي النايف، عامل دعم النفسي بالمشفى الجراحي التخصصي في إدلب، في تصريح سابق لـ شام، إن تكرار انتشار مقاطع تعنيف الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس وجود خلل عميق في منظومة القيم الأسرية والاجتماعية، وضعفاً في الوعي بأساليب التربية السليمة، إضافة إلى غياب الردع القانوني أو ضعف تطبيقه على أرض الواقع.
وأضاف أن هذه المقاطع تكشف عن تطبيع خطير مع العنف داخل المجتمع، وتحويل معاناة الطفل إلى أداة للانتقام أو الاستعراض أو ما يُسمّى خطأً بـ“التأديب”، مشيراً إلى أن استمرار هذه الظاهرة يشكّل تهديداً حقيقياً للسلام الاجتماعي على المدى البعيد، وقد يساهم في نشوء جيل يعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية، ويكون أكثر ميلاً إلى العنف أو الانعزال أو حتى الانخراط في سلوكيات منحرفة مستقبلاً.
واقترح مجموعة من الحلول للحد من ظاهرة تعنيف الأطفال، تبدأ بتفعيل القوانين وتطبيقها بحزم لحماية الطفل دون تهاون، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأساليب التربية الإيجابية عبر الإعلام والمدارس ودور العبادة ومنظمات المجتمع المدني.
كما تشمل الحلول توفير خطوط دعم وإبلاغ سرية لحماية الأطفال المعنَّفين، وتأهيل الأهل نفسياً وتربوياً، لا سيما في البيئات المتضررة من الفقر أو النزاعات، عبر ورش عمل وندوات وحوارات.
ووجّه النايف رسالة للآباء والأمهات قائلاً: "الأطفال ليسوا ممتلكات أو أدوات لتفريغ الغضب أو وسيلة للانتقام من الخلافات، بل هم أمانة في أعناقكم، وما تُزرعونه اليوم في نفوس الأبناء سيترجم غداً سلوكاً
ومواقف".
واختتم حديثه مؤكداً أن التربية ليست ضرباً أو إهانة، بل احتواء وقدوة وحوار، مشدداً على أن جرح النفس أعمق أثراً وأطول بقاءً من جرح الجسد، وأن حماية الأطفال ليست ترفاً أخلاقياً، بل مسؤولية جماعية لبناء مجتمع سليم وآمن.