بين الخوف الطبيعي والقلق لدى الأطفال… متى يتحول الشعور إلى عبء؟
يُعدّ الخوف لدى الأطفال استجابة طبيعية ترافق مراحل نموهم، إلا أن هذا الشعور قد يستمر أو يظهر بشكل مختلف في بعض الحالات، ما يدفع إلى التمييز بين الخوف العابر والقلق الذي ينعكس على سلوك الطفل وحياته اليومية، ومع تنوّع الظروف المحيطة، يبرز الاهتمام بفهم هذه الحالة وأسبابها وطرق التعامل معها داخل الأسرة.
وفي هذا السياق، أوضحت الأخصائية الاجتماعية الأسرية صفاء الصالح في حديث لشبكة شام الإخبارية، الفرق بين الخوف الطبيعي والقلق لدى الأطفال، إلى جانب العوامل التي تسهم في ظهورهما، وأبرز المؤشرات المرتبطة بهما، وسبل الدعم النفسي الممكنة داخل المنزل.
وقالت الأخصائية صفاء إن الخوف الطبيعي يُعد استجابة فطرية لموقف محدد، يظهر ويزول بانتهاء الحدث، ويكون متناسباً مع عمر الطفل، وأضافت أن القلق الذي يحتاج إلى تدخل يتمثل في خوف مستمر وغير مبرر، يؤثر على نوم الطفل وعلاقاته وتركيزه وأدائه المدرسي، وقد يظهر دون سبب واضح أو يستمر لفترات طويلة.
وأشارت إلى أن هناك أسباباً عدة تزيد من مستويات القلق والخوف لدى الأطفال، من بينها غياب الأمان أو التغيّرات المفاجئة في البيئة، والتعرض لمواقف صادمة أو مخيفة، إضافة إلى أساليب التربية القائمة على التهديد أو المقارنة أو النقد، فضلاً عن مشاهدة محتوى غير مناسب للعمر، وقلق الوالدين الذي قد ينتقل إلى الطفل بشكل غير مباشر.
ونوّهت إلى أن أعراض القلق لدى الأطفال تظهر على شكل سلوكي وجسدي، مبينة أن الأعراض السلوكية تشمل تجنب المواقف، والتعلّق الزائد بالأهل، والانسحاب، ونوبات البكاء، وصعوبة التركيز، ولفتت إلى أن الأعراض الجسدية تتجلى في الصداع، وآلام البطن، وتسارع نبضات القلب، واضطرابات النوم، والتوتر العضلي.
وبيّنت أن الواقع الصعب، مثل النزوح وفقدان الأمان، ينعكس بشكل مباشر على نفسية الطفل، حيث يخلق شعوراً دائماً بعدم الأمان، ويزيد من الحساسية تجاه الأصوات والمواقف، وقد يؤدي إلى قلق انفصالي وخوف من المستقبل وصعوبات في النوم وتراجع في التحصيل الدراسي، مؤكدة أن الطفل في هذه الظروف يحتاج إلى مضاعفة الدعم والاحتواء.
وأوضحت أن هناك حالات تستدعي طلب مساعدة مختص نفسي، منها استمرار القلق لأكثر من شهرين دون تحسن، أو تأثيره على الدراسة أو العلاقات أو النوم، أو ظهور نوبات هلع أو خوف شديد غير مبرر، إضافة إلى السلوكيات التجنبية التي تمنع الطفل من ممارسة حياته الطبيعية، أو عندما يصبح القلق أكبر من قدرة الأهل على التعامل معه.
وأكدت أن هناك أخطاء شائعة يقع فيها الأهل عند التعامل مع الطفل الخائف أو القلق، مثل السخرية من خوفه أو وصفه بالجبان، أو إجباره على مواجهة ما يخيفه دون تهيئة، أو تهديده بهدف ضبط السلوك، إلى جانب نقل قلق الأهل إليه عبر ردود فعل مبالغ فيها، أو تجاهل مشاعره والتقليل منها.
وشددت على أهمية دور الأهل في دعم أطفالهم نفسياً داخل المنزل، من خلال توفير بيئة آمنة وهادئة وروتين يومي ثابت، والإصغاء لمشاعر الطفل دون حكم أو نقد، وتدريبه على التنفس العميق والاسترخاء، واستخدام القصص العلاجية لشرح الخوف وطمأنته، وتعزيز ثقته بنفسه عبر الثناء على المحاولات وليس النتائج، مع تقليل تعرضه للمحتوى المخيف أو المثير للقلق.
وأفادت بأن القلق قد يخف مع الوقت إذا وجد الطفل دعماً وأماناً وتفهماً من الأهل، في حين أنه قد يتفاقم في حال تم تجاهله أو التعامل معه بأساليب خاطئة، أو إذا استمرت الظروف الضاغطة دون توفير احتواء نفسي مناسب.
وفي سياق متصل، يرى مختصون في علم النفس أن مشاعر الخوف والقلق لدى الأطفال ترتبط بقدرتهم على فهم ما يدور حولهم والتعامل معه، إذ قد يواجه الطفل صعوبة في تفسير بعض المواقف أو التعبير عنها، ما ينعكس على سلوكه واستجاباته اليومية.
ويشير المختصون إلى أن البيئة المحيطة تلعب دوراً مهماً في تشكيل هذه المشاعر، حيث تسهم الأجواء المستقرة والداعمة في تعزيز الطمأنينة، في حين قد تؤدي الضغوط أو التوترات المستمرة إلى زيادة القلق، ما يستدعي انتباهاً مبكراً للتغيرات السلوكية وطرق التعامل معها.
وفي المحصلة، يُظهر التمييز بين الخوف الطبيعي والقلق لدى الأطفال أهمية فهم طبيعة هذه المشاعر وحدودها، وما قد يرافقها من مؤشرات سلوكية وجسدية تنعكس على حياتهم اليومية، كما يسلّط ذلك الضوء على مجموعة من العوامل التي تسهم في ظهورها، إلى جانب الأساليب المتبعة في التعامل معها داخل الأسرة.
ويأتي هذا في إطار الإشارة إلى أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب متابعة مستمرة لمؤشرات الطفل وسلوكه، والانتباه لأي تغيرات قد تطرأ، بما يساعد على الحد من تأثيرها وضمان عدم انعكاسها بشكل أوسع على استقراره النفسي وحياته اليومية.