بشار الأسد ومسؤولون سابقون أمام أحكام الإعدام.. بين المسؤولية الجنائية والعدالة الانتقالية
أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، يوم الثلاثاء الماضي، 11 آب/أغسطس الجاري، أحكاماً بالإعدام بحق الإرهابي الفار بشار الأسد وعاطف نجيب وعدد من المسؤولين السابقين في نظام الأسد البائد، بعد إدانتهم بجرائم شملت القتل العمد والقصد والتعذيب المفضي إلى الموت، في قضية تتعلق بالجرائم المرتكبة بحق السوريين، ولا سيما خلال الاحتجاجات التي انطلقت من محافظة درعا.
وقال كمال إسماعيل، مدرب وباحث قانوني، ومؤسس فريق النخبة القانونية للاستشارات والتدريبات، في حديث لشبكة شام الإخبارية، على الأحكام الصادرة، قائلاً إن القانون السوري لا يتضمن، في قانون العقوبات رقم 148 لعام 1949، جريمة مستقلة بعنوان «الجرائم ضد الإنسانية» أو «الجرائم الدولية» كما هي معروفة في نظام روما الأساسي.
وأوضح أن المحاكم الوطنية تضطر، في مثل هذه القضايا، إلى تكييف الأفعال باعتبارها جرائم قتل وتعذيب وغيرها من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات.
وأضاف أنه إذا كان الحكم الأخير قد انتهى إلى عقوبة الإعدام، فلا يصح قانونياً القول إن الجريمة ضد الإنسانية بحد ذاتها يُعاقب عليها بالإعدام في القانون السوري، بل ينبغي تحديد الجريمة الوطنية المحددة التي أدين بها كل متهم، والنص العقابي الذي رتب عقوبتها.
وأشار إسماعيل إلى أن من أبرز النصوص ذات الصلة، المادة 533 من قانون العقوبات التي تعاقب القتل قصداً، والمادة 534 التي تشدد العقوبة في حالات معينة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، والمادة 535 التي تقرر الإعدام في حالات محددة من القتل العمد.
وبين أن هناك، قانونياً، مستويين في هذه المسألة، الأول هو التوصيف القانوني، إذ قد تشكل الأفعال، إذا ثبت أنها جزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، «جرائم ضد الإنسانية» وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي.
وأوضح أن المستوى الثاني يتمثل في الأساس العقابي الوطني، إذ لا تستطيع المحكمة السورية أن تفرض عقوبة لمجرد أن الفعل يوصف دولياً بأنه جريمة ضد الإنسانية، ما لم يكن هناك أساس قانوني وطني يجرم الفعل ويرتب عليه عقوبة، وفق مبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص».
وفيما يتعلق بأهمية حضور ذوي الضحايا والجهات القانونية والإنسانية في جلسات المحاكمة، قال كمال إسماعيل إن حضور ذوي الضحايا ومراقبين قانونيين وحقوقيين لا يعني، بحد ذاته، أن المحاكمة أصبحت عادلة، لكن له أهمية كبيرة في الشفافية والمساءلة وتوثيق الحقيقة.
ولفت إلى أن العدالة الجنائية الحديثة لا تنظر إلى القضية باعتبارها مجرد الدولة ضد المتهم، بل تعترف أيضاً بصالح الضحايا في معرفة الحقيقة، والمشاركة في الإجراءات وفق القانون، والحصول على المعلومات، وحماية الشهود، وجبر الضرر، وعدم طمس ما تعرضوا له.
ونوه إلى أن الحضور العلني للمحاكمة، متى كان متوافقاً مع مقتضيات حماية الشهود والخصوصية، يساعد في بناء الثقة العامة بالقضاء، لكن ينبغي الحذر من نقطة مهمة، ألا وهي توفير ضمانات الدفاع.
وأكد المدرب كمال في تصريح خاص لـ شام أن العدالة لا تكون عادلة لمجرد أن الضحايا حضروا، وإنما يجب أن تتوافر أيضاً للمتهم معرفة التهمة، والوقت والتسهيلات لإعداد الدفاع، والاستعانة بمحامٍ، ومواجهة الأدلة والشهود وفق القانون، وافتراض البراءة، واستقلال المحكمة وحيادها، وحق الطعن حيث يقرره القانون.
وذكر أن هذا مهم بصورة خاصة في المحاكمات الغيابية، إذ أثيرت بالفعل انتقادات بشأن مدى كفاية ضمانات الدفاع في بعض إجراءات القضية الحالية.
وفيما يتعلق بما إذا كانت الأحكام خطوة في مسار العدالة الانتقالية، أفاد بأن الأحكام يمكن أن تكون خطوة في مسار العدالة الانتقالية، لكنها لا تكفي وحدها لتشكيل عدالة انتقالية.
وأوضح أن العدالة الانتقالية ليست مجرد إصدار أحكام جنائية، بل هي منظومة تشمل عادة المساءلة الجنائية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر والتعويض، والإصلاح المؤسسي، وضمانات عدم التكرار، وحفظ الذاكرة والتوثيق، وإعادة الاعتبار للضحايا والمجتمعات المتضررة.
وأشار إلى أنه من هذه الزاوية، يمكن للحكم أن يؤدي وظيفة مهمة جداً بالنسبة إلى متهم فارّ، لأنه قد يُنشئ سجلاً قضائياً رسمياً يتضمن الوقائع التي ثبتت أمام المحكمة وسلسلة المسؤولية التي اعتمدتها، لكن لكي يتحول الحكم إلى إطار عدالة انتقالية حقيقي، ينبغي استكماله بعدة أمور.
وأكد إسماعيل أن أول هذه الأمور يتمثل في إنشاء إطار قانوني واضح للجرائم الدولية، إذ ينبغي أن تكون الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية، وأشكال المسؤولية عنها، منظمة بصورة واضحة في القانون السوري، بما ينسجم مع مبدأ الشرعية.
وشدد على أن الأمر الثاني هو ضمان استقلال القضاء، لأن العدالة الانتقالية تفقد جزءاً كبيراً من مشروعيتها إذا اعتُبرت مجرد عدالة المنتصر، ولفت إلى أن الأمر الثالث يتمثل في كشف الحقيقة، وليس فقط تحديد من قُتل، وإنما معرفة من أمر، ومن خطط، وكيف كانت تعمل المؤسسات، وما حجم الانتهاكات، ومن هم الضحايا.
وأشار إلى أن الأمر الرابع هو جبر الضرر، ويشمل التعويض، ورد الحقوق، وإعادة التأهيل، والتدابير الرمزية والمؤسسية بحسب طبيعة الضرر، وبين أن الأمر الخامس يتمثل في الإصلاح المؤسسي، خصوصاً المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية التي ثبت تورط عناصر منها في الانتهاكات.
وتبقى الأحكام الصادرة في هذه القضية مرتبطة بجملة من المسائل القانونية والإجرائية، في مقدمتها ضمانات المحاكمة، ومصير الأحكام الصادرة بحق المتهمين الفارين، وإمكانية تنفيذها، إلى جانب ما قد تثيره القضية من خطوات لاحقة على صعيد المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا، ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا.