بيان «إخوان سوريا» يثير سجالاً حول مستقبل الجماعة.. بين مطالبات بالحل والدفاع عن حقها في العمل السياسي
أثار البيان الأخير لمجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا سجالاً في أوساط كتاب وباحثين وصحفيين حول مستقبل الجماعة وموقعها في المشهد السياسي السوري، بعدما أكد البيان استمرارها بوصفها «جماعة وطنية مستقلة القرار»، في وقت كانت قد برزت خلال الفترة الماضية دعوات تطالبها بحل نفسها وإنهاء شكلها التنظيمي.
وتباينت المواقف التي أعقبت البيان بين من اعتبر استمرار الجماعة وممارسة نشاطها السياسي حقاً ينبغي احترامه في إطار التعددية، ومن رأى أن بقاءها يتطلب مراجعة عميقة لبنيتها وأدائها، فيما طرح آخرون تساؤلات حول العلاقة بين الانتماء التنظيمي والعمل داخل مؤسسات الدولة.
وجاء السجال في سياق نقاش أوسع حول شكل الحياة السياسية في المرحلة الجديدة، والقواعد التي ينبغي أن تنظم عمل الأحزاب والتيارات المختلفة وعلاقتها بمؤسسات الدولة، بما يجعل النقاش يتجاوز مصير جماعة بعينها إلى طبيعة المجال السياسي السوري مستقبلاً.
بيان يحسم خيار الاستمرار
وكان مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا قد أعلن، في بيان صدر في 27 أيلول 2026 عقب انعقاد دورته العادية الخامسة، مجموعة من المواقف المتعلقة بالمرحلة الحالية، تناولت التعددية السياسية والعدالة الانتقالية ومجلس الشعب وإعادة الإعمار والعلاقات الإقليمية.
وأكد المجلس تمسكه بوحدة سوريا أرضاً وشعباً وضمان حقوق المواطنة المتساوية، وقال إن الجماعة ستبقى «جماعة وطنية مستقلة القرار»، متمسكة بما وصفه بنهجها الإسلامي الوسطي، وتعمل على تعزيز الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية والفئوية وترسيخ السلم الأهلي والعيش المشترك من خلال الحوار مع مختلف القوى الوطنية.
ورحب المجلس بانطلاق أعمال مجلس الشعب، ودعا إلى إرساء التعددية السياسية المنظمة وإعداد دستور دائم يعبر عن تطلعات السوريين ويطرح للاستفتاء الشعبي، كما أكد أن بناء سوريا المستقرة يتطلب مشاركة جميع مكوناتها في الحياة السياسية والتنمية وبناء مؤسسات الدولة ضمن نظام تعددي يقوم على سيادة القانون وضمان الحريات السياسية وتنظيم العمل الحزبي.
وتناول البيان ملفات أخرى شملت الدعوة إلى إطلاق مسار للعدالة الانتقالية وكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وتحقيق المساءلة، إلى جانب دعم إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية، كما تطرق إلى مواقف الجماعة من إسرائيل وإيران وفلسطين ولبنان والعلاقات مع عدد من الدول العربية والإقليمية.
ماجد عبد النور: الاستمرار حق ولكن
رأى الصحفي ماجد عبد النور أن تمسك جماعة الإخوان المسلمين بالحفاظ على تنظيمها يبقى حقاً وقراراً يعود إليها، رغم اعتقاده بأن هذا الخيار قد يؤدي إلى استعداء محيط إقليمي ليست سوريا بحاجة إلى الدخول في خلافات معه.
وفي المقابل، أثار عبد النور قضية حضور المنتمين إلى الجماعة داخل مؤسسات الدولة، معتبراً أنه طالما تؤكد الجماعة استقلاليتها التنظيمية، فينبغي عليها سحب أتباعها من تلك المؤسسات، ورأى أن ما وصفه بـ«التغلغل الواضح» يتناقض مع جوهر الاستقلالية التي تتحدث عنها.
ويفصل هذا الطرح بين حق الجماعة في الاستمرار كتنظيم سياسي وبين قضية علاقتها بمؤسسات الدولة، وينقل جانباً من النقاش من سؤال «الحل أو البقاء» إلى ضرورة الفصل بين التنظيمات السياسية ومؤسسات الدولة ومنع تحول الأخيرة إلى مجال لنفوذ أي جماعة أو تيار.
أحمد أبازيد: لماذا يُطلب من الجماعة حل نفسها؟
اتخذ الكاتب والباحث أحمد أبازيد موقفاً مختلفاً، إذ رأى أن اللافت في القضية ليس تمسك الإخوان المسلمين بحقهم في العمل السياسي، وإنما المطالبة بحل الجماعة من الأساس.
وأشار إلى أن أحزاباً سورية قديمة أخرى ما تزال قائمة ولم تُطالب بحل نفسها، معتبراً أن حظر الحياة السياسية يعيد إنتاج نهج يفترض أن تتجاوزه سوريا في مرحلة تسعى إلى بناء دولة مختلفة عن المرحلة السابقة.
ورأى أبازيد أن مطالبة جماعة كانت محظورة ومعاقبة خلال حكم عائلة الأسد بحل نفسها بعد انتهاء تلك المرحلة تثير مفارقة سياسية، كما اعتبر أن الحق في العمل السياسي والمدني يمثل حقاً أساسياً لا ينبغي ربطه حصراً بصدور قانون للأحزاب.
ووسع أبازيد النقاش ليشمل مختلف الاتجاهات السياسية، معتبراً أن المبدأ ينبغي أن يكون واحداً تجاه الإسلاميين والقوميين والاشتراكيين والشيوعيين والليبراليين والسلفيين وغيرهم، من خلال إتاحة العمل السياسي ضمن إطار وطني تعددي وتنافسي وسلمي، بدلاً من المطالبة بإقصاء تيار بعينه.
عبد الرحمن الحاج: البقاء حق والمراجعة مطلوبة
بدوره، أشار الباحث عبد الرحمن الحاج إلى أن جماعة الإخوان المسلمين كانت قد ناقشت خلال اجتماع مجلس الشورى في العام السابق إمكانية حلها، قبل أن يأتي اجتماعها الأخير ليؤكد خيار الاستمرار والتوجه نحو المشاركة السياسية بصورة أكثر فاعلية خلال المرحلة المقبلة.
ورأى الحاج أن استمرار الجماعة يمثل حقاً طبيعياً، وأن قرارها قد يكون صائباً، لكنه ربط قدرتها على النجاح بإجراء مراجعة جذرية لأدائها وهيكليتها.
ويقدم هذا الموقف مقاربة لا تتوقف عند حق الجماعة في البقاء أو الدعوة إلى حلها، وإنما تطرح سؤالاً حول الشكل الذي يمكن أن يستمر به التنظيم ومدى قدرته على مراجعة تجربته وبنيته وآليات عمله بما يتناسب مع الواقع السياسي السوري الجديد.
وثيقة سابقة حول العيش المشترك
ولم يكن بيان مجلس الشورى أول محاولة من الجماعة لتقديم رؤيتها للمرحلة الجديدة، إذ سبق أن طرحت «وثيقة العيش المشترك في سورية»، التي تضمنت رؤية فكرية وسياسية واجتماعية ركزت على بناء مجتمع سوري موحد وإرساء قواعد التعايش بين مختلف المكونات الدينية والعرقية والثقافية على أساس المواطنة المتساوية واحترام الكرامة الإنسانية.
وعاد بيانها الأخير إلى التأكيد على عدد من هذه المفاهيم، ولا سيما المواطنة المتساوية والوحدة الوطنية ونبذ الطائفية والفئوية والسلم الأهلي والعيش المشترك، إلى جانب الدعوة إلى التعددية السياسية وتنظيم العمل الحزبي.
دعوة سابقة للحل
وكان النقاش حول مستقبل الجماعة قد برز بصورة واضحة في وقت سابق، عندما دعا أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس أحمد الشرع للشؤون الإعلامية، جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى حل نفسها، معتبراً أن استمرارها بصيغتها التنظيمية القائمة لا يخدم الواقع السوري الجديد.
وأثارت الدعوة حينها سجالاً بين مؤيدين لحل الجماعة وبين من رفضوا أن تتحول المطالبة إلى استثناء سياسي لتنظيم بعينه، فيما أعاد بيان مجلس الشورى الأخير القضية إلى الواجهة بعد أن جاء موقف الجماعة واضحاً لناحية التمسك باستمرارها.
من بقاء الجماعة إلى علاقتها بالدولة
أظهر النقاش الذي أعقب البيان أن الخلاف لا يقتصر على سؤال ما إذا كان ينبغي لجماعة الإخوان المسلمين أن تستمر أو تحل نفسها، بل يمتد إلى طبيعة مشاركتها السياسية وشكل تنظيمها وعلاقتها بمؤسسات الدولة.
فالدفاع عن حق أي جماعة أو حزب في النشاط السياسي يختلف عن النقاش المتعلق بوجود نفوذ تنظيمي داخل مؤسسات الدولة، وهي مسألة أثارها عبد النور بصورة مباشرة، بينما ركز أبازيد على ضرورة ضمان الحق في التنظيم والعمل السياسي لجميع الاتجاهات، وذهب الحاج إلى ضرورة أن تبدأ الجماعة نفسها بمراجعة بنيتها وأدائها إذا أرادت الحضور بفاعلية في المرحلة المقبلة.
ويضع ذلك ثلاثة مستويات مختلفة للنقاش أمام الجماعة: حقها في الاحتفاظ بتنظيمها، وشكل هذا التنظيم ومدى حاجته إلى المراجعة، والقواعد التي تضبط العلاقة بين أعضائه ومؤسسات الدولة.
سجال يتجاوز «الإخوان»
وبذلك، فتح بيان مجلس الشورى نقاشاً يتجاوز جماعة الإخوان المسلمين نفسها إلى سؤال أوسع حول طبيعة الحياة السياسية التي ستتشكل في سوريا، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستقوم على تعددية تسمح لمختلف الاتجاهات بالتنظيم والمنافسة السياسية ضمن قواعد واحدة، وكيف سيجري في المقابل ضمان استقلال مؤسسات الدولة عن الأحزاب والجماعات.
وبين الدعوة إلى حل الجماعة والدفاع عن حقها في الاستمرار والمطالبة بإعادة هيكلة بنيتها، بقيت المواقف المطروحة تعكس رؤى مختلفة لمستقبل العمل السياسي، فيما سيكون تحديد قواعد واضحة للعمل الحزبي والعلاقة بين التنظيمات ومؤسسات الدولة عاملاً أساسياً في نقل هذا السجال من المواقف المتعارضة إلى إطار سياسي وقانوني ينطبق على مختلف القوى والتيارات.