ذكرى اغتيال أديب الشيشكلي.. رئيس سوري أنهى حكمه بالاستقالة وقُتل في منفاه بالبرازيل
يصادف اليوم 27 أيلول/سبتمبر ذكرى اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي عام 1964 في البرازيل، بعد عشر سنوات على مغادرته سوريا وانتهاء حكمه، في ختام مسيرة عسكرية وسياسية ارتبطت بمرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ البلاد، شهدت سلسلة من الانقلابات وتصاعد دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.
وشكل الشيشكلي واحداً من أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية السورية خلال النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي، إذ انتقل من صفوف الجيش إلى مركز القرار السياسي، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية، ثم يغادر السلطة والبلاد تحت ضغط المعارضة والتحركات العسكرية المناهضة لحكمه.
من حماة إلى المؤسسة العسكرية
ولد أديب بن حسن الشيشكلي في مدينة حماة عام 1909، وتلقى تعليمه فيها قبل أن يتجه إلى الحياة العسكرية، ويلتحق بالكلية العسكرية، ليبدأ مسيرة داخل المؤسسة العسكرية السورية في مرحلة شهدت تحولات متسارعة سبقت الاستقلال وأعقبته.
وشارك الشيشكلي في حرب فلسطين عام 1948، قبل أن يعود إلى سوريا في مرحلة كانت فيها البلاد تواجه حالة من عدم الاستقرار السياسي، وتنامياً واضحاً لدور الجيش في إدارة الصراع على السلطة.
صعود في زمن الانقلابات
برز اسم الشيشكلي بقوة خلال عام 1949، الذي شهد سلسلة من الانقلابات العسكرية في سوريا، قبل أن يقود في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه تحركاً عسكرياً أطاح بنفوذ سامي الحناوي، ليصبح بعدها أحد أبرز مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية.
وتوسع نفوذه خلال السنوات التالية، وفي عام 1951 دخل في مواجهة جديدة مع السلطة السياسية، انتهت باستقالة الرئيس هاشم الأتاسي، لتدخل البلاد مرحلة أصبح فيها الشيشكلي صاحب النفوذ الأبرز في إدارة شؤون الدولة.
ومنذ تلك المرحلة، أخذ دوره يتحول تدريجياً من قائد عسكري مؤثر في القرار السياسي إلى الحاكم الفعلي للبلاد، قبل انتقاله لاحقاً إلى رئاسة الجمهورية بصورة رسمية.
الرئاسة وحركة التحرير العربي
أسس الشيشكلي «حركة التحرير العربي» عام 1952، في محاولة لبناء إطار سياسي يساند مشروعه في الحكم، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية عام 1953.
واتسمت تلك المرحلة بمحاولة تركيز السلطة وإعادة تنظيم الحياة السياسية والإدارية، في مقابل تضييق المجال أمام القوى والأحزاب المعارضة، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الخلافات بين حكم الشيشكلي وعدد من القوى والشخصيات السياسية السورية.
ومع اتساع المعارضة، ازدادت حدة المواجهة السياسية، وبدأت الاحتجاجات والتحركات المناهضة للحكم تتوسع في عدد من المناطق، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من التوتر الداخلي.
جبل العرب.. الفصل الأكثر جدلاً
شكل الصدام في جبل العرب أحد أكثر فصول حكم الشيشكلي إثارة للجدل، بعد تحول الخلاف مع القوى المناهضة له في المنطقة إلى مواجهة عسكرية استخدمت خلالها القوات الحكومية القوة ضد معارضيه.
وخلفت المواجهات ضحايا وأضراراً، وبقيت أحداث جبل العرب لاحقاً واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بإرث الشيشكلي، كما ارتبطت بها روايات تناولت الدافع وراء اغتياله بعد سنوات من مغادرته سوريا.
ومثلت تلك الأحداث جزءاً من حالة الاحتقان السياسي التي أخذت تتوسع خلال المرحلة الأخيرة من حكمه، بالتزامن مع تنامي المعارضة السياسية والعسكرية في مناطق أخرى من البلاد.
المعارضة تتسع ونهاية الحكم
واجه الشيشكلي في الأشهر الأخيرة من حكمه معارضة متزايدة ضمت شخصيات وقوى سياسية وعسكرية، بالتزامن مع احتجاجات واضطرابات شهدتها البلاد، قبل أن تتطور الأزمة إلى تحرك عسكري ضده في شباط/فبراير 1954.
ومع اتساع التحرك، اختار الشيشكلي الاستقالة من رئاسة الجمهورية ومغادرة سوريا، لتنتهي بذلك تجربته في الحكم دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة بين القوات الموالية له والقوى التي تحركت لإسقاطه.
وغادر الشيشكلي البلاد في شباط/فبراير 1954، وتنقل بعد ذلك بين عدد من الدول، قبل أن يستقر في نهاية المطاف في البرازيل، بعيداً عن المشهد السياسي السوري الذي كان أحد أبرز وجوهه خلال السنوات السابقة.
عشر سنوات في المنفى
أمضى الشيشكلي نحو عشر سنوات خارج سوريا بعد انتهاء حكمه، بينما واصلت البلاد خلال تلك الفترة المرور بتحولات سياسية متلاحقة، من عودة الحياة البرلمانية إلى الوحدة مع مصر عام 1958، ثم الانفصال عام 1961 والانقلابات التي أعقبت ذلك.
وبقي الرئيس الأسبق بعيداً عن السلطة السورية خلال سنوات منفاه، إلى أن انتهت حياته في البرازيل في 27 أيلول/سبتمبر 1964.
الاغتيال في البرازيل
اغتيل أديب الشيشكلي بإطلاق النار عليه في البرازيل على يد السوري نواف غزالة، بعد عقد كامل تقريباً على خروجه من سوريا.
وارتبطت دوافع عملية الاغتيال، وفق الروايات التاريخية المتداولة حول الحادثة، بأحداث جبل العرب خلال فترة حكم الشيشكلي وما خلفته المواجهات آنذاك من ضحايا، لتلاحقه بذلك إحدى أكثر محطات عهده جدلاً حتى منفاه في أمريكا الجنوبية.
وباغتياله، انتهت حياة شخصية لعبت دوراً بارزاً في واحدة من أكثر مراحل التاريخ السوري الحديث اضطراباً، وانتقلت خلال سنوات قليلة من المؤسسة العسكرية إلى قمة السلطة ثم إلى الاستقالة والمنفى.
إرث سياسي موضع جدل
بقيت تجربة أديب الشيشكلي موضع قراءات متباينة في التاريخ السياسي السوري، بين محاولاته لترسيخ سلطة مركزية في دولة حديثة الاستقلال، وبين طبيعة النظام السياسي الذي أقامه والصدامات التي شهدتها فترة حكمه مع خصومه السياسيين.
كما ارتبط اسمه بمرحلة أصبح فيها الجيش لاعباً أساسياً في الحياة السياسية السورية، بعدما توالت الانقلابات منذ عام 1949 وبدأت المؤسسة العسكرية تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل الحكومات والرئاسات ومسار السلطة.
وتعيد ذكرى اغتيال الشيشكلي في 27 أيلول/سبتمبر إلى الواجهة مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا بعد الاستقلال، انتهت تجربته فيها بالاستقالة ومغادرة البلاد عام 1954، قبل أن تنتهي حياته بالاغتيال في البرازيل بعد عشر سنوات، ويبقى اسمه مرتبطاً حتى اليوم بواحدة من أكثر مراحل السياسة السورية في القرن العشرين جدلاً.