آثار الانتهاكات لا تنتهي بانتهاء الحدث.. أين يبدأ جبر الضرر؟
آثار الانتهاكات لا تنتهي بانتهاء الحدث.. أين يبدأ جبر الضرر؟
● مجتمع ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦

آثار الانتهاكات لا تنتهي بانتهاء الحدث.. أين يبدأ جبر الضرر؟

لا تنتهي آثار الانتهاكات والتجارب الصادمة بانتهاء الحدث الذي تسبب بها، إذ قد تستمر انعكاساتها النفسية والاجتماعية سنوات طويلة، وتؤثر في شعور الضحايا بالأمان، وثقتهم بأنفسهم وبالمحيط من حولهم، وقدرتهم على استعادة حياتهم وعلاقاتهم وأدوارهم الاجتماعية.

وفي المجتمعات الخارجة من سنوات طويلة من الأزمات والانتهاكات، يبرز جبر الضرر بوصفه مساراً يتجاوز التعويض عن الخسائر المادية أو إعادة الحقوق، ليشمل الاعتراف بمعاناة الضحايا ورد الاعتبار وتوفير بيئة تساعدهم على التعافي النفسي والاجتماعي، مع مراعاة أن احتياجات المتضررين تختلف من شخص إلى آخر، وأن التعافي لا يتحقق بإجراء واحد أو خلال مدة زمنية محددة.

وفي هذا السياق، قالت الاختصاصية النفسية سدرة حسن الأحمد، المختصة في مجال الدعم النفسي الاجتماعي وحماية الطفل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأحداث الصادمة قد تنتهي، لكن آثارها النفسية والاجتماعية يمكن أن تستمر لسنوات، وتنعكس على شعور الأفراد بالأمان وثقتهم بأنفسهم وبمن حولهم.

جبر الضرر أبعد من التعويض المادي

أوضحت الأحمد أن مفهوم جبر الضرر لا يقتصر على معالجة الخسائر المادية، وإنما يمتد إلى دعم مسار التعافي النفسي والاجتماعي، من خلال الاعتراف بالمعاناة واحترام الكرامة الإنسانية وتوفير بيئة آمنة تعزز قدرة الأفراد على استعادة توازنهم ومواصلة حياتهم.

وأشارت إلى أن جبر الضرر، من هذا المنظور، يمكن أن يشكل أحد العناصر الداعمة للتعافي الفردي والمجتمعي عندما يُصمم بطريقة تراعي الاحتياجات النفسية والاجتماعية للمتضررين، بما يساعد على بناء المرونة النفسية وتعزيز التماسك المجتمعي والقدرة على مواجهة الآثار طويلة الأمد للأزمات.

ولا يعني ذلك أن إجراءات جبر الضرر قادرة على محو التجربة الصادمة أو إنهاء آثارها بصورة تلقائية، وإنما يمكنها توفير ظروف أكثر ملاءمة للتعامل معها، ولا سيما عندما يشعر الضحية بأن معاناته جرى الاعتراف بها وأن احتياجاته وحقوقه لم تُهمَل.

ماذا يحدث عندما يغيب جبر الضرر؟

بيّنت الأحمد أن غياب جبر الضرر قد يسهم في استمرار بعض الآثار النفسية والاجتماعية المرتبطة بالتجارب الصادمة، خاصة عندما يشعر الأشخاص بأن ما تعرضوا له لم يحظَ بالاعتراف أو الاهتمام الكافي.

وقد يظهر ذلك، بحسب الأحمد، في استمرار مشاعر الحزن والقلق وفقدان الثقة أو الإحساس بعدم الأمان، وهي انعكاسات يمكن أن تؤثر في جودة حياة الشخص وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على التكيف مع الضغوط.

ولفتت في الوقت نفسه إلى ضرورة عدم تعميم استجابة واحدة على جميع الضحايا، إذ تختلف التأثيرات من شخص إلى آخر تبعاً لطبيعة التجربة التي مر بها، والدعم الأسري والاجتماعي المتاح، والموارد النفسية التي يمتلكها، إلى جانب الظروف المحيطة به بعد انتهاء الحدث الصادم.

 استعادة الأمان والكرامة

أوضحت الأحمد أن جبر الضرر يمكن، من الناحية النفسية والاجتماعية، أن يسهم في تهيئة بيئة داعمة للتعافي عندما يتضمن إجراءات تعزز شعور الأشخاص بأن ما تعرضوا له جرى الاعتراف به، وأن احتياجاتهم تؤخذ بعين الاعتبار.

وأضافت أن جبر الضرر، رغم عدم قدرته على محو آثار التجارب الصادمة، قد يساعد في استعادة الشعور بالأمان والكرامة، ويخفف من الإحساس بالعزلة أو التهميش، ولا سيما عندما يقترن بخدمات الدعم النفسي والاجتماعي وإعادة دمج المتضررين في مجتمعاتهم.

كما يمكن لهذا المسار، وفق الأحمد، أن يعزز شعور الأفراد بالتمكين، ويساعدهم على استعادة الإحساس بقدرتهم على التأثير في حياتهم واتخاذ قراراتهم، وهو جانب مهم في عملية التعافي النفسي.

وأكدت أن شعور الشخص بأن احتياجاته مسموعة، وأنه يُعامل باحترام وتُراعى تجربته، يمكن أن يعزز قدرته على التكيف واستعادة ثقته بنفسه وبالبيئة المحيطة.

التعافي لا يسير بجدول زمني واحد

ذكرت الأحمد أن التعافي النفسي عملية تدريجية ومعقدة تختلف بين الأشخاص، ولا يمكن اختزالها في تدخل واحد أو تحديد إطار زمني ثابت لإنجازها، إذ تتداخل فيها مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية.

ويأتي الشعور بالأمان الجسدي والنفسي في مقدمة ركائز التعافي، إذ يصعب على الشخص استعادة توازنه في حال استمرار مصادر التهديد أو عدم الاستقرار.

كما يشكل الدعم الأسري والمجتمعي عاملاً مهماً في هذا المسار، إذ يساعد وجود أشخاص يقدمون التفهم والاحتواء ويمنحون المتضرر مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره على الحد من الشعور بالعزلة وتعزيز الإحساس بالانتماء.

وأفادت الأحمد بأن استعادة الروتين اليومي والعودة إلى التعليم أو العمل وممارسة الأدوار الاجتماعية يمكن أن تساعد تدريجياً على استعادة الشعور بالاستقرار والقدرة على مواصلة الحياة، إلى جانب أهمية توفير خدمات دعم نفسي واجتماعي متاحة وسهلة الوصول وتراعي اختلاف الاحتياجات.

لماذا يمثل الاعتراف بالانتهاكات أهمية نفسية؟
نوهت الأحمد بأن الاعتراف بمعاناة الأشخاص وما تعرضوا له يمكن أن يحمل قيمة نفسية مهمة، لأنه يساعد على تقليل الشعور بالتجاهل أو العزلة، ويعزز الإحساس بأن التجربة التي مروا بها جرى أخذها على محمل الجد.

وأضافت أن رد الاعتبار يمكن أن يسهم كذلك في استعادة الشعور بالكرامة والانتماء وتعزيز الثقة بالبيئة المحيطة، لكنه لا يشكل بمفرده علاجاً لكل الآثار التي خلفتها التجربة.

وشددت على أن تأثير هذه الإجراءات يختلف بين الأفراد، ولا يمكن افتراض أنها تحقق التعافي النفسي تلقائياً، إذ يحتاج كثير من الأشخاص إلى أشكال متعددة ومتكاملة من الدعم تتناسب مع تجاربهم واحتياجاتهم وظروفهم.

لا توجد استجابة واحدة تناسب الجميع

وفيما يتعلق بتصميم برامج جبر الضرر، أوضحت الأحمد ضرورة الانطلاق من حقيقة أن احتياجات المتضررين ليست متشابهة، إذ تختلف الاحتياجات النفسية والاجتماعية للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، كما تختلف تبعاً لطبيعة الانتهاك أو التجربة التي مر بها الشخص.

ورأت أن البرامج الأكثر قدرة على الاستجابة لهذه الاختلافات هي التي تنطلق من تقييم حقيقي للاحتياجات، وتوفر خدمات دعم نفسي واجتماعي سهلة الوصول، مع ضمان الخصوصية والسرية واحترام كرامة الأشخاص.

كما شددت على أهمية إشراك المتضررين، كلما أمكن، في تحديد احتياجاتهم وأولوياتهم وإبداء آرائهم بشأن الخدمات المقدمة إليهم، لما لذلك من دور في تعزيز شعورهم بالتمكين وجعل التدخلات أكثر ارتباطاً بواقعهم.

تكامل النفسي والاجتماعي والصحي والقانوني

بيّنت الأحمد أن التنسيق بين الجوانب النفسية والاجتماعية والصحية والقانونية يعزز شمولية برامج جبر الضرر، ويساعد على جعل الاستجابة أكثر ملاءمة لاحتياجات المتضررين، بدلاً من التعامل مع كل جانب بمعزل عن الآخر.

وأكدت أهمية اعتماد نهج يراعي آثار الصدمات النفسية، بحيث تقدم الخدمات بطريقة تحترم تجارب الأشخاص ولا تعرضهم لممارسات قد تعيد استحضار التجربة الصادمة أو تزيد من معاناتهم.

ولا يقل عن ذلك أهمية، بحسب الأحمد، ضمان استمرارية الدعم والمتابعة، لأن التعافي النفسي غالباً ما يكون مساراً طويلاً يحتاج إلى استجابة مرنة ومتدرجة تتكيف مع تغير احتياجات الشخص بمرور الوقت، بدلاً من الاكتفاء بتدخلات مؤقتة وقصيرة الأمد.

من تعافي الإنسان إلى تعافي المجتمع

أكدت الأحمد أن التعافي النفسي والاجتماعي يتطلب تكامل الجهود بين القطاعات المختلفة، وألا تبقى خدمات الدعم محصورة ضمن تدخلات منفصلة، بل تصبح أكثر حضوراً وقرباً من الناس في المدارس والجامعات والمؤسسات الصحية والدوائر الحكومية ومؤسسات المجتمع.

وأضافت أن توسيع الوصول إلى هذه الخدمات واستدامتها يزيد فرص التعافي ويساعد الأفراد والمجتمعات على استعادة التوازن والتعامل بصورة أفضل مع الآثار الممتدة للتجارب الصادمة.

وترى الأحمد أن التعافي المجتمعي يبدأ من الإنسان، ومن معالجة الآثار التي خلفتها التجارب السابقة، قبل الانتقال إلى إعادة بناء بقية البنى في المجتمع، معتبرة أن الاستثمار في تعافي الأفراد يشكل أساساً لبناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة آثار الأزمات مستقبلاً.

وفي المحصلة، لا يرتبط التعافي النفسي بمرحلة زمنية محددة، كما لا تسير احتياجات الضحايا وذويهم على وتيرة واحدة، وإنما تتداخل في مساره عوامل الأمان والدعم الأسري والمجتمعي والخدمات النفسية والاجتماعية، إلى جانب الاعتراف بالانتهاكات ورد الاعتبار وجبر الضرر.

ومن هنا، لا يكتمل جبر الضرر بمجرد تقديم تعويض أو خدمة منفردة، بل يتطلب مساراً يضع الإنسان وكرامته واحتياجاته في مركز الاستجابة، ويوفر له مساحة آمنة لاستعادة حياته ودوره وثقته بالمجتمع. فمعالجة آثار الانتهاك لا تغير ما حدث، لكنها قد تساعد المتضرر على ألا يبقى أسير آثاره لسنوات قادمة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ