لماذا تختلف أرقام الفقر في سوريا؟.. د. محمد حلاج يشرح ما وراء نسب الـ90 وال67 بالمئة
لماذا تختلف أرقام الفقر في سوريا؟.. د. محمد حلاج يشرح ما وراء نسب الـ90 وال67 بالمئة
● مجتمع ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦

لماذا تختلف أرقام الفقر في سوريا؟.. د. محمد حلاج يشرح ما وراء نسب الـ90 وال67 بالمئة

تتعدد الأرقام المتداولة حول نسبة الفقر في سوريا بصورة تثير تساؤلات حول حقيقة الواقع المعيشي للسوريين، فبين تقديرات تتحدث عن وصول الفقر إلى نحو 90 بالمئة، وأخرى تضع النسبة عند حدود 65 أو 67 بالمئة، قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقضاً كبيراً، أو أن البلاد شهدت تحسناً سريعاً في مستويات المعيشة. 


قراءة هذه الأرقام بعيداً عن السنوات والمنهجيات وخطوط الفقر التي استندت إليها قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة، وهو ما يوضحه الدكتور محمد حلاج من خلال تفكيك دلالات كل نسبة وشرح الفوارق بين المقاييس المستخدمة.


أوضح الدكتور محمد حلاج أن تعدد الأرقام المتداولة حول نسب الفقر في سوريا، والتي تتراوح في بعض التقديرات بين 65 و67 بالمئة، وتصل في تقديرات أخرى إلى نحو 90 بالمئة، لا يعني بالضرورة وجود تناقض بينها، إذ يرتبط كل رقم بالسنة التي جرى القياس خلالها، وتعريف الفقر المستخدم، وخط الفقر المعتمد، والمنهجية التي بني عليها التقدير.

وأشار حلاج في منشور مطول على صفحته على "فيسبوك" إلى أن نقل هذه النسب بصورة منفردة، من دون شرح المنهجية التي تقف خلف كل منها، قد يؤدي إلى تكوين صورة غير دقيقة عن الواقع المعيشي، ولا سيما عند التعامل معها كما لو أنها تقيس المؤشر نفسه خلال فترة زمنية واحدة.

90% لا تتعارض بالضرورة مع 66%
وبيّن حلاج أن التقديرات الخاصة بعام 2024 وضعت نسبة الفقر العام في سوريا عند نحو 90 بالمئة، في حين قدرت الفقر المدقع بنحو 66 بالمئة خلال العام نفسه، موضحاً أن هذه النسب تستند إلى تحليلات للبيانات الاقتصادية وليست ناتجة عن مسح وطني جديد للفقر.

وأوضح أن الفقر العام يشمل شريحة واسعة من السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر المستخدم في القياس، بينما يعبر الفقر المدقع عن مستوى أشد من الحرمان ويُقاس وفق خط فقر أكثر انخفاضاً، ولذلك فإن نسبتي 90 و66 بالمئة تقيسان مستويين مختلفين ولا تمثلان تقديرين متعارضين للمؤشر نفسه.

من أين جاءت نسبة 67%؟
ولفت حلاج إلى أن نسبة 67 بالمئة الواردة في تقارير أحدث ترتبط بمقياس مختلف، إذ تشير إلى نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط 3.65 دولار يومياً، في حين يعيش ربع السكان على الأقل تحت خط 2.15 دولار يومياً.

وشدد على أن رقمي 2.15 و3.65 دولار لا ينبغي فهمهما باعتبارهما دخلاً نقدياً يومياً يحصل عليه الفرد ويمكن مقارنته مباشرة بالراتب، وإنما يمثلان خطي فقر دوليين كانا مستخدمين ضمن القياسات القائمة على تعادل القوة الشرائية لعام 2017، بهدف إتاحة المقارنة بين البلدان مع أخذ اختلاف الأسعار والقوة الشرائية بالحسبان.

وبالتالي، بحسب حلاج، لا يصح أخذ دخل شخص بالليرة السورية وتحويله ببساطة إلى الدولار وتقسيمه على أيام الشهر، ثم مقارنته مباشرة بخط 2.15 أو 3.65 دولار للوصول إلى نتيجة حول وقوعه تحت خط الفقر.

خطوط الفقر تغيرت أيضاً
وأشار حلاج إلى أن خطوط الفقر الدولية نفسها شهدت تحديثاً في حزيران 2025، بعد الانتقال إلى بيانات تعادل القوة الشرائية لعام 2021، ليرتفع خط الفقر المدقع العالمي من 2.15 إلى 3 دولارات يومياً، فيما ارتفع الخط المستخدم للدول ذات الدخل المتوسط الأدنى من 3.65 إلى 4.20 دولارات يومياً.

وأكد أن هذا التحديث لا يجعل الخطين السابقين 2.15 و3.65 دولار «خاطئين»، إذ لا تزال بعض الدراسات والتقارير تستخدم معيار تعادل القوة الشرائية لعام 2017، ما يجعل معرفة سنة القياس والمعيار المستخدم أمراً أساسياً قبل إجراء أي مقارنة.

ماذا تقول أرقام 2022؟
واستعرض حلاج تقديرات تعود إلى عام 2022، وضعت نحو 69 بالمئة من السوريين تحت خط 3.65 دولار يومياً وفق معيار تعادل القوة الشرائية لعام 2017، فيما بلغت نسبة الفقر المدقع نحو 27 بالمئة وفق خط 2.15 دولار.

وأوضح أن مقارنة هذه النسب مباشرة بتقدير الفقر العام البالغ 90 بالمئة في عام 2024 تؤدي إلى استنتاج غير دقيق، لأن الرقمين لا يستندان إلى السنة نفسها ولا إلى خط الفقر ذاته ولا إلى المنهجية نفسها.

ومن هنا، لا تعني مقارنة نسبة 90 بالمئة بنسبة 67 بالمئة أن الفقر في سوريا انخفض بمقدار 23 نقطة مئوية، كما لا يمكن وضع نسب 69 و67 و90 بالمئة ضمن منحنى زمني واحد واعتبارها مؤشراً مباشراً على ارتفاع الفقر أو انخفاضه.

ماذا عن الوضع في 2026؟
وأكد حلاج أن المؤشرات المتعلقة بعام 2026 لا تعني انتهاء أزمة الفقر أو حدوث تحسن معيشي بالحجم الذي قد توحي به قراءة نسبة 67 بالمئة بمعزل عن سياقها، إذ لا تزال الأسر السورية تواجه ارتفاعاً في تكاليف المعيشة وضعفاً في القدرة الشرائية وعدم كفاية الدخول لتغطية الاحتياجات الأساسية.

وأشار إلى أن المعطيات الحديثة تتحدث عن استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة بمعدلات تفوق نمو الدخول خلال 2026، مع تقديرات تفيد بأن الأجور لا تغطي سوى نحو ثلث الاحتياجات الأساسية.

أرقام صحيحة.. لكن لكل منها سياقه
وخلص حلاج إلى أن الإشكالية الأساسية ليست بالضرورة في صحة الأرقام المتداولة، وإنما في الطريقة التي تُستخدم بها، إذ يمكن أن تكون عدة نسب صحيحة في الوقت نفسه، لكنها تقيس مفاهيم مختلفة أو تستند إلى سنوات وخطوط فقر ومنهجيات مختلفة.

فالتقدير البالغ 90 بالمئة يتعلق بالفقر العام في سوريا خلال عام 2024، بينما يشير رقم 66 بالمئة إلى الفقر المدقع وفق التقديرات الخاصة بالعام نفسه، في حين يرتبط رقم 67 بالمئة بخط 3.65 دولار وفق معيار تعادل القوة الشرائية لعام 2017، ويعود تقدير 69 بالمئة إلى عام 2022 باستخدام الخط ذاته، مقابل 27 بالمئة تحت خط 2.15 دولار في ذلك العام.

أما خطا 2.15 و3.65 دولار، فهما مرتبطان بالمقاييس القائمة على تعادل القوة الشرائية لعام 2017، قبل تحديثهما إلى 3 دولارات و4.20 دولارات على التوالي وفق معيار تعادل القوة الشرائية لعام 2021.

ويضع هذا التفريق النقاش حول الفقر في سوريا في سياقه الأدق، إذ لا تكفي معرفة النسبة وحدها للحكم على تحسن الوضع المعيشي أو تراجعه، بل ينبغي أولاً معرفة ما الذي يقيسه الرقم، ولأي سنة، وبأي خط فقر، ووفق أي منهجية.


وتكشف قراءة حلاج للأرقام أن النقاش حول الفقر في سوريا لا يمكن اختزاله بنسبة واحدة، ولا يمكن اعتبار اختلاف التقديرات دليلاً تلقائياً على تحسن الوضع المعيشي أو تدهوره. فلكل رقم سياقه الزمني ومنهجيته وخط الفقر الذي يستند إليه، فيما تبقى القضية الأساسية مرتبطة بقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف القدرة الشرائية.

ومن هنا، تصبح الدقة في عرض مؤشرات الفقر ضرورة تتجاوز الجدل حول الأرقام، لأن المقارنة السليمة تحتاج إلى مؤشرات موحدة وقابلة للمقارنة عبر الزمن. وبين نسبة 90 بالمئة و67 بالمئة وغيرها من التقديرات، يبقى السؤال الأهم ليس أي رقم هو الصحيح؟، بل ماذا يقيس كل رقم، وكيف ينعكس ذلك فعلياً على حياة السوريين؟

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ