"السليقة".. طقس شعبي يرافق بزوغ الأسنان ويحافظ على دفء العادات في البيوت السورية
يُعدّ إعداد "سليقة" القمح بمناسبة بزوغ أسنان الطفل واحدة من العادات الشعبية الموروثة التي تحافظ عليها العديد من العائلات في سوريا، حيث تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، وتحرص على إحيائها لما تحمله من رمزية اجتماعية وارتباط بالمناسبات العائلية، لتبقى حاضرة كطقس بسيط يجمع بين الفرح والتقاليد داخل البيوت.
فما إن تلاحظ الأم أو الجدة بزوغ أول سن لدى طفلها، حتى تبادر إلى تجهيز القمح وأدوات الطهو، وتبدأ بإعداد "السليقة"، لتُوزَّع على الجيران والأقارب، في مشهد يعكس روح المشاركة والفرح بهذه المناسبة العائلية البسيطة.
تحدثت نادية عبد الحي، 50 عاماً، من قرية حتان في منطقة حارم بريف إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، عن تقليد إعداد "السليقة"، مشيرةً إلى أنه من العادات الشعبية التي لا تزال كثير من الأسر تحرص على إحيائها عند بزوغ أسنان الطفل.
وأضافت أن سليقة القمح التي تُحضَّر خصيصاً لهذه المناسبة تُعرف باسم "السنونية"، وفي مناطق أخرى تُسمّى "السنينية"، منوهةً إلى أنها تعلّمتها من أمها وجدتها، ونقلتها بدورها إلى بناتها، وما تزال العائلة متمسكة بها حتى اليوم، لارتباطها بالعادات والتقاليد التي يحرص المجتمع على الحفاظ عليها.
وتحدثت عن طريقة التحضير، التي تبدأ بإحضار الحنطة، مشيرةً إلى أن منطقتهم تشتهر بالحنطة السوادية المنتجة محلياً، كما يُضاف الحمص إلى المكونات، حيث تُغسل الحنطة وتُنقّى جيداً، ثم تُسلق في وعاء كبير مع الحمص، دون إضافة أي مكونات أخرى باستثناء الماء.
وأشارت إلى أنه بعد نضجها وتفتّح حبات الحنطة، تُوزّع "السليقة" في أطباق كرتونية أو زجاجية بحسب المتاح، ثم تُزيَّن بقطع من الحلوى، قبل إرسالها إلى الجيران، الذين يعيدون الأطباق محمّلة بهدية للطفل، بحسب الإمكانيات المادية، كالنقود أو الملابس أو الألعاب أو غيرها من الأشياء الرمزية، مؤكدةً أن الصحن لا يعود فارغاً.
ونوّهت نادية عبد الحي إلى أنها تفضّل إقامة حفلة بسيطة في المنزل بهذه المناسبة، حيث تُحضَّر بعض الزينة وتُعلّق على الجدران، من بينها أشكال على هيئة سن، كما تُجهَّز سفرة توضع عليها أطباق "السليقة" بشكل منسّق إلى جانب الفواكه والحلوى، ويُجلس الطفل في وسطها، مع تشغيل الأغاني ومشاركة الأطفال أجواء الاحتفال.
وذكرت أن من الأغاني التي تُردَّد في هذه المناسبة: “سِنّو سِنّو سِنّو، بَعِّدوا الخبز عنّو، طلع سِنّو طلع سِنّو، خبّوا الخبز عنّو”، مضيفةً أن أجواء الاحتفال تمتلئ بالفرح، خاصة بين الأطفال.
لا تقتصر عادة إعداد "السليقة" على إدلب، بل تنتشر في مناطق سورية عدة، مع اختلافات بسيطة في طريقة التحضير أو شكل الاحتفال من منطقة إلى أخرى، ففي بعض المناطق الريفية، يُجلس الطفل على قطعة قماش في ساحة المنزل، وتُرش حوله حبات من القمح المسلوق الذي أعدّته العائلة بهذه المناسبة، ليكون للطيور نصيب منها كما أفراد العائلة.
وشهدت هذه العادة تراجعاً لدى بعض العائلات خلال السنوات الماضية، خاصة مع نزوح كثيرين إلى خارج مناطقهم أو إلى المخيمات، وفقدانهم أراضيهم الزراعية، إلى جانب الظروف القاسية وانشغال الناس بتأمين متطلبات الحياة، ما حدّ من قدرتهم على الاستمرار بالقيام بها.
كما تؤكد نساء التقينا بهنّ أن استمرار هذه العادات لا يرتبط بالقدرة المادية فقط، بل يتأثر أيضاً بالحالة النفسية داخل الأسرة، إذ تدفع الضغوط اليومية والظروف الصعبة بعض العائلات إلى التخلي عنها أو تأجيلها، خاصة في ظل انشغالها بتأمين متطلبات الحياة، أو بسبب حالات فقد أو حزن تمر بها الأسرة تحول دون إحيائها.
ويرى باحثون اجتماعيون أن هذه العادات تمثّل جزءاً من الهوية الثقافية للمجتمع، إذ تسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الأفراد، وتمنح المناسبات العائلية بعداً جماعياً، كما أن استمرارها، رغم التحديات، يعكس حاجة الناس إلى الحفاظ على مظاهر الفرح البسيطة، خاصة أنها وسيلة للتخفيف من ضغوط الحياة اليومية.
وتحمل عادة إعداد "السليقة" عند بزوغ أسنان الأطفال في سوريا العديد من الدلالات، أبرزها التمسك بالتراث، إذ يعكس استمرارها حرص العائلات على الحفاظ على العادات الموروثة ونقلها بين الأجيال، كما تجسّد قيم التكافل والروابط الاجتماعية، خاصة مع توزيعها على الجيران، ما يعزز روح المشاركة، إضافة إلى أنها تعبّر عن تقدير الأسرة للتفاصيل الصغيرة في حياة الطفل وتحويلها إلى لحظة فرح جماعي.