الرسوب الدراسي ليس نهاية المطاف: فهم الأسباب ودور الأهل في دعم الأبناء
عادةً ما يتلقى بعض الأهالي خبر رسوب ابنهم في المدرسة بصدمة ثقيلة، خصوصاً أنه سيضطر لإعادة السنة الدراسية مرة أخرى، ما يفتح الباب أمام مشاعر الإحباط والقلق على مستقبله، وفي الوقت ذاته، لا يكون وقع النتيجة أقل قسوة على الطالب نفسه، الذي قد يشعر بالفشل أو الخجل أو فقدان الثقة بقدراته، لا سيما إذا لم يجد تفهماً لما يمر به.
في مثل هذه الحالات، ينصح المختصون التربويون بعدم التوقف عند النتيجة بحد ذاتها، بل التوجه للبحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الرسوب، سواء كانت دراسية أو نفسية أو مرتبطة بالبيئة المحيطة، مؤكدين أن فهم المشكلة يعد الخطوة الأولى نحو معالجتها، كما أن دعم الأهل ومساندتهم يمكن أن يساعدا الطالب على تجاوز هذه المرحلة، والاستعداد بشكل أفضل للعام الدراسي المقبل، بما يعزز فرص نجاحه.
في هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية رهف قرنفل، العاملة ضمن منصة "نفسجي"، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الرسوب لدى الطلاب لا يحدث نتيجة سبب واحد فقط، بل غالباً ما يكون حصيلة تداخل عوامل نفسية وعضوية وبيئية متعددة، موضحة أن من أبرز هذه الأسباب صعوبات التعلم غير المشخصة، مثل عسر القراءة (الديسليكسيا) أو اضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة (ADHD).
وأضافت أن الفجوات المعرفية التراكمية تشكل سبباً مهماً أيضاً، إذ إن إهمال أساسيات المادة في سنوات دراسية سابقة يجعل استيعاب المفاهيم اللاحقة أمراً بالغ الصعوبة، إلى جانب الأزمات النفسية مثل القلق المفرط من الامتحانات أو الاكتئاب أو تدني تقدير الذات، فضلاً عن غياب التنظيم لدى الطالب وافتقاده لمهارات إدارة الوقت واستراتيجيات الدراسة الفعالة.
وأشارت إلى أن البيئة الأسرية تلعب الدور الأكبر في تشكيل عقلية الطالب وتحصيله الدراسي، باعتبار أن المنزل هو البيئة النفسية الأولى للتعلم، مبينة أن الأمان العاطفي الناتج عن الاستقرار الأسري والابتعاد عن الخلافات يتيح للطفل توجيه طاقته الذهنية نحو الدراسة.
ونوهت إلى أهمية النمذجة السلوكية داخل الأسرة، حيث إن رؤية الوالدين يقرؤون أو يعملون على تطوير مهاراتهم تحفز الطفل بشكل تلقائي على تقليدهم، إضافة إلى أن التوقعات الواقعية التي تركز على بذل "أفضل جهد" بدلاً من السعي إلى "الكمال" تسهم في حماية الطفل من الإحباط المرتبط بالفشل.
وبينت أن الدعم اللوجستي الذي توفره الأسرة، مثل تأمين مكان هادئ للدراسة، وتقديم تغذية سليمة، وتنظيم ساعات النوم والتعرض للشاشات، يعد من العوامل الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر في قدرة الطالب على التحصيل.
ولفتت قرنفل إلى أن طريقة تعامل الأهل مع الرسوب تعد لحظة مفصلية في تحديد دافعية الطفل، حيث إن الرد العقابي القاسي يربط التعلم بالألم والخوف، ما قد يدفع الطفل إلى النفور من المدرسة أو اللجوء إلى الغش هرباً من العقاب.
وذكرت أن الإحباط واللوم المستمرين يؤديان إلى تدمير الدافعية الداخلية لدى الطفل، ويقنعانه بأنه "فاشل"، الأمر الذي قد يدفعه إلى التوقف عن المحاولة فيما يعرف بحالة "العجز المتعلم"، في حين أن الاحتواء والتوجيه يعززان ما يسمى "عقلية النمو"، حيث يدرك الطفل أن الذكاء قابل للتطور من خلال الجهد.
وتحدثت عن مجموعة من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأهل عند اكتشاف رسوب أبنائهم، من بينها الصراخ والتعنيف الجسدي أو اللفظي، والذي قد يخفف من غضب الأهل مؤقتاً، لكنه يزرع الخوف والعدائية في نفس الطفل.
وأوضحت أن المقارنة مع الآخرين، كقول "انظر إلى ابن عمك أو صديقك"، تؤدي إلى تدمير ثقة الطفل بنفسه وتزرع لديه مشاعر الغيرة والحقد، كما أن الحرمان المطلق والعشوائي من الأنشطة الترفيهية يولد ضغطاً نفسياً كبيراً ويحرم الطفل من وسائل تفريغ طاقته.
وأكدت لـ "شام" أن توجيه الإهانات إلى شخصية الطفل بدلاً من سلوكه، مثل وصفه بـ"الغبي"، ينعكس سلباً على صورته الذاتية، في حين ينبغي التركيز على النتيجة بوصفها "غير مرضية" والعمل على تحسينها، وشددت على أهمية اتباع خطة عملية للتعامل الإيجابي مع الرسوب، تبدأ بامتصاص الصدمة، من خلال فصل مشاعر الحب غير المشروط للطفل عن الاستياء من النتيجة، يلي ذلك عقد جلسة احتواء يتم فيها طمأنة الطفل والتأكيد على أن المشكلة يمكن حلها.
وأفادت بضرورة إجراء تحليل مشترك مع الطفل لمعرفة أسباب الرسوب، سواء كانت مرتبطة بصعوبة المادة أو ضيق الوقت أو الخوف، ثم وضع خطة دراسية واقعية تقوم على تقسيم المواد إلى أجزاء صغيرة وتحديد ساعات دراسة يومية ثابتة تتخللها فترات راحة، وأضافت أنه من المهم الاستعانة بالمختصين عند الحاجة، سواء أخصائي نفسي أو مدرس مختص بصعوبات التعلم، لضمان تقديم الدعم المناسب للطالب.
وبينت أن الرسوب يمكن أن يتحول إلى دافع إيجابي من خلال تعزيز مفهوم "المرونة النفسية"، عبر إعادة تعريف الفشل كحدث أو تجربة تعلم، وليس هوية ثابتة تعكس قدرات الطفل، ولفتت إلى أهمية التركيز على الإنجازات الصغيرة، مثل التزام الطفل بالخطة اليومية أو تحسنه في اختبار قصير، لما لذلك من دور في إعادة بناء ثقته بنفسه تدريجياً.
وذكرت أن هذه التجربة قد تسهم أيضاً في تعليم الطفل مهارة حل المشكلات، حيث يتعلم كيفية التعامل مع الأزمات بدلاً من الاستسلام لها، كما قد تكون فرصة لاكتشاف جوانب أخرى من شخصيته أو مواهبه، سواء كانت فنية أو رياضية أو تقنية، بما يدعم نموه وتفوقه بشكل عام.
يرى معلمون أن الرسوب لا ينبغي التعامل معه كنقطة نهاية، بل كمؤشر يحتاج إلى قراءة هادئة لما جرى داخل الصف وخارجه، ويؤكدون أن كثيراً من الطلاب الذين يتعثرون دراسياً لا يعانون بالضرورة من ضعف في القدرات، بل من غياب المتابعة اليومية أو عدم فهمهم لطريقة المذاكرة المناسبة لكل مادة، وهو ما يتراكم تدريجياً حتى يظهر في النتيجة النهائية.
ويشيرون إلى أن دور المدرسة لا يقتصر على التقييم، بل يمتد إلى مساعدة الطالب على استعادة توازنه، من خلال تبسيط المفاهيم التي تعثر فيها، وتشجيعه على طرح الأسئلة دون خوف، إضافة إلى بناء علاقة قائمة على الثقة بينه وبين المعلم، كما يلفتون إلى أهمية تعاون الأهل مع المدرسة، لأن معالجة المشكلة تتطلب جهداً مشتركاً يضع مصلحة الطالب في المقام الأول، ويمنحه فرصة حقيقية للعودة بشكل أقوى في العام التالي.
يبقى الرسوب تجربة صعبة لكنها ليست نهاية الطريق، بل محطة يمكن التوقف عندها لإعادة التقييم والتصحيح، وبين دور الأسرة، وجهود المدرسة، ودعم المختصين، تتشكل فرصة حقيقية لمساعدة الطالب على تجاوز هذه المرحلة بشكل أكثر وعياً ونضجاً، فالتعامل المتوازن مع هذه التجربة قد يصنع فارقاً ليس فقط في نتائجه الدراسية، بل في نظرته لنفسه وقدرته على مواجهة التحديات مستقبلاً.