إهمال الصحة النفسية وانعكاساته اليومية: كيف يساهم الوعي في الحد من التأثيرات؟
إهمال الصحة النفسية وانعكاساته اليومية: كيف يساهم الوعي في الحد من التأثيرات؟
● مجتمع ١٩ يوليو ٢٠٢٦

إهمال الصحة النفسية وانعكاساته اليومية: كيف يساهم الوعي في الحد من التأثيرات؟

في السنوات الأخيرة، لم تعد الضغوط النفسية مسألة فردية معزولة، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها كثيرون بصمت، ورغم ذلك، ما زال الحديث عن الصحة النفسية في مجتمعاتنا محاطاً بالتردد أو التجاهل، وكأن ما لا يُرى لا يستحق الاهتمام، فبين ضغوط المعيشة، والعادات الاجتماعية، وضعف الوعي، يجد الفرد نفسه أحياناً أمام معاناة حقيقية لا يملك الأدوات لفهمها أو التعبير عنها.

الصحة النفسية بين الوصمة الاجتماعية وضعف الوعي اليومي

في هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية راما كريّم، الحاصلة على شهادة الماجستير في الإرشاد النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن كثيراً من الناس لا يزالون ينظرون إلى الصحة النفسية على أنها رفاهية وليست ضرورة، لأن الألم النفسي مخفي وأقل وضوحاً من الألم الجسدي الذي تشير إليه الفحوصات الطبية بشكل واضح ودقيق، مما يجعل الأفراد يعتقدون أنها مجرد وهم أو فترة عابرة، على عكس الألم الجسدي.

وأشارت إلى أن صعوبة الوضع الاقتصادي والمعيشي في مجتمعنا تسهم أيضاً في هذا التصور، حيث تُعطى الأولوية للغذاء والسكن والتعليم أكثر من الاحتياجات النفسية، ونوهت إلى أنه بحسب هرم ماسلو الذي يرتب الاحتياجات البشرية ضمن مستويات، نجد أن الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والراحة والمسكن تحتل المكانة الأولى وتسبق الاحتياجات الاجتماعية والنفسية كالشعور بالانتماء والتقدير، لذلك يُنظر إلى الخدمات النفسية على أنها خدمات تكميلية وليست أساسية.

وبيّنت أن هناك عوامل اجتماعية وثقافية تساهم في إهمال الصحة النفسية، من أبرزها الوصمة الاجتماعية التي ترافق طالبي الخدمات النفسية، حيث يُطلق عليهم ألقاب مثل "المجنون" أو "المختل"، مما يدفع الأفراد إلى تجاهل أو إنكار معاناتهم النفسية.

ولفتت إلى أن التنشئة الأسرية تلعب دوراً في ذلك، خاصة حين تُفرض على الذكور قيود تمنعهم من التعبير عن مشاعرهم، ويُنظر إلى إظهار الحزن أو الخوف على أنه ضعف، من خلال عبارات مثل "أنت رجل والرجل لا يبكي"، ما يؤدي إلى ترسيخ فكرة أن التعبير عن الصعوبات النفسية يتنافى مع مفاهيم القوة والرجولة.

وذكرت أن الافتقار إلى التثقيف النفسي في المجتمع يؤدي إلى تفسير الأعراض النفسية المبهمة على أنها سحر أو عمل موجه ضد الفرد، فيلجأ البعض إلى المشعوذين والدجالين، مما يُدخلهم في دوامة أكثر خطورة من عدم التعامل مع هذه الأعراض من الأساس.

وتحدثت عن تأثير تجاهل الصحة النفسية على حياة الفرد اليومية وعلاقاته، مؤكدة أنه لا يقل أهمية عن إهمال جرح عميق ينزف، إذ يتفاقم ويزداد سوءاً كلما طال إهماله، وأوضحت أن ذلك ينعكس على تراجع الأداء الوظيفي والإنتاجية في العمل أو الدراسة، وحتى في إنجاز المهام اليومية البسيطة، إضافة إلى الميل للعزلة والحد من العلاقات الاجتماعية بسبب اضطرابات المزاج، وقد يتطور الأمر ليأخذ شكل أمراض جسدية مثل القولون العصبي والقرحة المعدية والصداع وغيرها.

وأكدت وجود مؤشرات مبكرة تدل على أن الشخص يحتاج إلى دعم نفسي لكنه يتجاهلها، مثل اضطرابات النوم بالزيادة أو النقصان، وفقدان المتعة حتى بالأنشطة التي كانت ممتعة سابقاً، والعزلة والتهرب من التجمعات والمناسبات، وسرعة الاستثارة والانفعال المبالغ فيه تجاه المواقف البسيطة، إلى جانب شعور مستمر بالتعب والخمول لا يزول حتى بعد ساعات من النوم.

وشددت على أن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً حول العلاج النفسي هو الاعتقاد بأن الأدوية النفسية تسبب الإدمان أو تدمر الدماغ، موضحة أن الحقيقة هي أن هذه الأدوية آمنة إذا تم تناولها تحت إشراف طبي، وتهدف إلى إعادة توازن كيمياء الدماغ وليست مخدراً. 


وأفادت بأن هناك مفهوماً خاطئاً آخر يتمثل في الاعتقاد بأن مسؤولية العلاج النفسي تقع بالكامل على عاتق المرشد أو المعالج، بينما في الواقع هو رحلة تفاعلية تساعد الأفراد على فهم مشاعرهم واكتشاف الحلول المناسبة لهم.

وأضافت أنه يمكن تغيير نظرة المجتمع تجاه الصحة النفسية من خلال جهود موجهة وتراكمية تبدأ منذ سن المدرسة، عبر دمج مفاهيم الذكاء العاطفي وإدارة المشاعر في المناهج الدراسية. وأشارت إلى أهمية الحديث عن الصعوبات النفسية بشكل عفوي داخل الأسرة، تماماً كما يتم تبادل الحديث حول الصعوبات اليومية أو الآلام الجسدية، لما لذلك من دور في مساعدة الفرد منذ الطفولة على فهم احتياجاته النفسية والتعامل معها.

ولفتت لـ "شام" إلى أن الأسرة تُعد خط الدفاع الأول، وتلعب دوراً مزدوجاً في تعزيز أو إهمال الصحة النفسية، حيث يمكنها أن توفر بيئة آمنة ومساحة للتعبير عن المشاعر من حزن وخوف وضعف، في حين أن بعض البيئات الأسرية التي تميل إلى النقد المستمر أو التمييز بين الأبناء وكبت المشاعر قد تسهم في إضعاف الصحة النفسية.

وبيّنت أن هناك خطوات بسيطة يمكن لأي شخص البدء بها للاهتمام بصحته النفسية، من خلال تبني عادات يومية مثل وضع حدود واضحة وتعلم قول "لا" للعلاقات المستنزفة، وقضاء وقت مع الذات بالتأمل والامتنان، واعتماد روتين يومي مريح من حيث تنظيم النوم والطعام والأنشطة، إضافة إلى التواصل مع أشخاص موثوقين وداعمين يراعون ما يمر به الفرد من صعوبات.


تُعدّ الصحة النفسية أحد الجوانب المرتبطة بحياة الفرد اليومية، وتتأثر بعدد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما أن مستوى الوعي بها يختلف من بيئة إلى أخرى، وهو ما ينعكس على طريقة التعامل معها، ويُظهر تناول هذا الموضوع أهمية فهم أبعاده المختلفة، ودور كل من الفرد والأسرة والمجتمع في التعامل مع التحديات المرتبطة به.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ