التسرب المدرسي يهدد مستقبل الأطفال في سوريا.. أكاديمي يوضح الأسباب والحلول
التسرب المدرسي يهدد مستقبل الأطفال في سوريا.. أكاديمي يوضح الأسباب والحلول
● مجتمع ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦

التسرب المدرسي يهدد مستقبل الأطفال في سوريا.. أكاديمي يوضح الأسباب والحلول

تواجه أسر سورية صعوبات متزايدة في ضمان استمرار أطفالها بالتعليم، نتيجة تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والمستلزمات المدرسية، ما يدفع بعض الأطفال إلى العمل لمساعدة أسرهم، ويزيد احتمالات انقطاعهم عن الدراسة.

وتتداخل العوامل الاقتصادية مع مشكلات تربوية واجتماعية، تشمل ضعف التحصيل الدراسي والتنمر وآثار النزوح وعدم الاستقرار، فيما تمتد انعكاسات التسرب إلى الصحة النفسية للأطفال وفرصهم المستقبلية، وقدرتهم على الاندماج في المجتمع وسوق العمل.

وتبرز الحاجة إلى تدخلات مبكرة تحدد الأطفال المهددين بالتسرب، وتعالج الأسباب التي تعيق استمرارهم في التعليم، من خلال التعاون بين المدارس والأسر والجهات الحكومية والمؤسسات المجتمعية.

الظروف المعيشية في مقدمة أسباب التسرب

قال الدكتور عبد الحي المحمود، نائب عميد كلية التربية الثانية بجامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التسرب المدرسي ينتج عن تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وتربوية، تتصدرها الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع تكاليف النقل واللباس والقرطاسية والمستلزمات التعليمية.

وأوضح أن بعض الأسر تجد نفسها مضطرة إلى المفاضلة بين استمرار الطفل في المدرسة ومساهمته في تأمين الاحتياجات الأساسية، مثل الطعام والإيجار ومصاريف بقية أفراد الأسرة.

وأشار إلى أن عمل الأطفال قد يتحول تدريجياً إلى سبب مباشر للانقطاع عن الدراسة، خصوصاً عندما يقضي الطفل ساعات طويلة في العمل، ويعود مرهقاً وغير قادر على متابعة واجباته ودروسه.

وأضاف أن الأسباب لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، إذ تشمل ضعف التحصيل الدراسي وتكرار الرسوب وصعوبة المناهج والتنمر، إلى جانب نقص الدعم النفسي والتربوي وآثار النزوح وعدم الاستقرار.

وأكد المحمود أن التسرب لا ينبغي التعامل معه باعتباره قراراً فردياً يتخذه الطفل أو نتيجة لإهمال الأسرة، وإنما بوصفه مؤشراً على مشكلات متداخلة تتطلب معالجة أسبابها.

مؤشرات مبكرة تكشف خطر الانقطاع

أوضح المحمود أن خطر التسرب قد يظهر من خلال سلوكيات وتغيرات يلاحظها المعلمون داخل المدرسة، أبرزها تكرار الغياب والتأخر عن الدوام، والتراجع المفاجئ في التحصيل الدراسي، وعدم إنجاز الواجبات.

وتشمل المؤشرات أيضاً الإرهاق وضعف التركيز والمشاركة الصفية، وعدم امتلاك المستلزمات المدرسية، أو حديث الطالب المتكرر عن العمل ومساعدة أسرته.

وأشار إلى أن غياب الطفل في أيام محددة قد يرتبط باضطراره إلى العمل، فيما قد تعكس بعض حالات التأخر والغياب عجز الأسرة عن تأمين أجور النقل أو تكاليف الدراسة.

وأكد أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة أن الطفل سيتسرب من المدرسة، لكنها تستدعي التدخل المبكر والتواصل معه ومع أسرته لفهم الظروف التي تؤثر في انتظامه الدراسي.

ولفت إلى أن بعض الأطفال يتحملون مسؤوليات أسرية إضافية، مثل رعاية إخوتهم في غياب أحد الوالدين، ما ينعكس على قدرتهم على الالتزام بالدوام المدرسي.

وشدد على أن دور المدرسة يجب أن يتجاوز تسجيل الغياب إلى البحث عن أسبابه، ومساعدة الطالب قبل أن يتحول الانقطاع المتكرر إلى تسرب دائم.

آثار تعليمية ونفسية تمتد إلى المستقبل

بيّن المحمود أن التسرب المدرسي يؤدي إلى اتساع الفجوات المعرفية وضعف مهارات القراءة والكتابة والحساب، ما يجعل العودة إلى التعليم أكثر صعوبة كلما طالت مدة الانقطاع.

وأوضح أن الطفل الذي ينتقل مبكراً إلى سوق العمل قد يفقد القدرة على تخصيص الوقت اللازم للدراسة، خصوصاً إذا أصبح دخله جزءاً من الموارد التي تعتمد عليها الأسرة.

أما على المستوى النفسي، فقد يعاني الطفل المتسرب من الإحباط أو الشعور بالدونية مقارنة بأقرانه الذين يواصلون تعليمهم، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بالعمل المبكر وتحمل مسؤوليات تفوق عمره.

وأشار إلى أن بعض الأعمال الشاقة أو غير الملائمة للأطفال قد تعرضهم للاستغلال، وتؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي، وتحرمهم من فرص التعلم والتفاعل الطبيعي مع أقرانهم.

وعلى الصعيد الاجتماعي، حذر المحمود من أن التسرب قد يسهم في استمرار الفقر بين الأجيال، نتيجة محدودية الفرص المهنية المتاحة لمن لم يحصلوا على تعليم كافٍ، واضطرارهم إلى العمل في مهن منخفضة الأجر أو غير مستقرة.

وأكد أن الانقطاع عن الدراسة لا يعني بالضرورة فشل الطفل مستقبلاً، لكنه يقلص خياراته ويزيد التحديات التي قد يواجهها خلال حياته.

وأضاف أن حماية حق الأطفال في التعليم تكتسب أهمية خاصة في سوريا، نظراً إلى حاجة المجتمع إلى جيل متعلم يمتلك المهارات اللازمة للمساهمة في إعادة بناء المؤسسات والاقتصاد.

كيف تتدخل المدرسة قبل حدوث التسرب؟

أكد المحمود أن التدخل المبكر يمثل خطوة أساسية للحد من التسرب، ويبدأ برصد الغياب المتكرر والتراجع الدراسي، والتواصل مع الأسرة لتحديد الأسباب بعيداً عن اللوم أو التهديد والعقوبات.

وأوضح أن التعامل مع الطالب المهدد بالتسرب يجب أن يراعي ظروفه الاجتماعية والاقتصادية، وأن يركز على مساعدته بدلاً من اعتبار مشكلته مخالفة انضباطية.

وأشار إلى إمكانية إحالة الأسر التي تواجه صعوبات مالية إلى برامج المساعدة المتاحة، والعمل على تأمين المستلزمات المدرسية أو دعم تكاليف النقل عندما تكون سبباً في الغياب.

أما في حالات ضعف التحصيل، فدعا إلى توفير حصص استدراكية ومتابعة فردية تساعد الطلاب على تعويض الفاقد التعليمي وتجاوز الصعوبات التي تواجههم.

وشدد على أهمية إنشاء سجلات مدرسية للطلاب المهددين بالتسرب، وتكليف أحد أعضاء الكادر التربوي بمتابعة أوضاعهم والتواصل المستمر مع أسرهم.

كما دعا إلى توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين يعانون القلق أو الإحباط أو التنمر، بما يساعدهم على استعادة الثقة بأنفسهم وتحسين ارتباطهم بالمدرسة.

عمل الأطفال يفرض تحديات إضافية

أوضح المحمود أن إعادة الأطفال العاملين إلى المدارس تتطلب معالجة الظروف الاقتصادية التي دفعتهم إلى العمل، بالتوازي مع حمايتهم من الأعمال الخطرة والاستغلالية.

وأشار إلى أن بعض الأسر تعتمد على دخل الطفل لتغطية جزء من احتياجاتها اليومية، ما يجعل إعادته إلى التعليم دون توفير مساندة اقتصادية للأسرة خطوة قد لا تحقق الاستمرار المطلوب.

وأكد ضرورة ربط جهود مكافحة عمل الأطفال ببرامج دعم اجتماعي واقتصادي تساعد الأسر على الاستغناء تدريجياً عن دخل أبنائها.

ولفت إلى أن الاكتفاء بمنع الطفل من العمل دون معالجة احتياجات أسرته قد يؤدي إلى استمرار المشكلة أو انتقالها إلى أشكال أخرى من العمل والانقطاع الدراسي.

التحديات تتجاوز إمكانات المدارس

تحدث المحمود عن تحديات إضافية تواجه جهود الحد من التسرب، تشمل محدودية إمكانات بعض المدارس وازدحام الصفوف والفجوات التعليمية الناتجة عن سنوات الانقطاع وعدم الاستقرار.

وأشار إلى أن صعوبة الوصول إلى المدارس في بعض المناطق، وارتفاع تكاليف النقل والمستلزمات، يزيدان الأعباء على الأسر محدودة الدخل.

وأوضح أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعاون المؤسسات التعليمية مع الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية ومؤسسات المجتمع المدني، لتوفير تدخلات تستجيب للاحتياجات الفعلية للطلاب.

ودعا إلى توسيع برامج الدعم الاجتماعي للأسر الأكثر احتياجاً، وتأمين الحقائب والقرطاسية واللباس المدرسي، ودعم النقل وإعادة تأهيل المدارس.

كما أكد أهمية توفير برامج تعليم تعويضي للأطفال المنقطعين، بما يساعدهم على العودة إلى الدراسة وفق مستوياتهم التعليمية واحتياجاتهم.

مسؤولية مشتركة لحماية حق الأطفال في التعليم

شدد المحمود على أن معالجة التسرب المدرسي تحتاج إلى توزيع واضح للأدوار بين المدارس والأسر والجهات المعنية، مع مراعاة الظروف الخاصة بكل طفل.

وأوضح أن المؤسسات التعليمية مطالبة بتقديم الدعم للطلاب المتعثرين ومراعاة الفروق الفردية بينهم، فيما يمكن للمبادرات المجتمعية والجهات الخيرية المساهمة في تخفيف الأعباء المالية عن الأسر.

وأكد أهمية تقديم المساعدات وفق آليات تحفظ كرامة المستفيدين، وتضمن وصول الدعم إلى الأطفال الأكثر عرضة لخطر الانقطاع.

كما دعا إلى إنشاء قاعدة بيانات محدثة ترصد حالات الغياب والتسرب وأسبابها، بما يساعد على تحديد المناطق والفئات الأكثر احتياجاً، وتوجيه الموارد والتدخلات بصورة أكثر فاعلية.

وأشار إلى أن معالجة التسرب تتطلب الجمع بين الدعم الاقتصادي والتربوي والنفسي، مع متابعة الأطفال بعد عودتهم إلى المدرسة للتأكد من قدرتهم على الاستمرار.

العودة إلى المدرسة لا تكفي وحدها

أكد المحمود أن نجاح جهود مكافحة التسرب لا يقاس بعدد الأطفال الذين يعودون إلى مقاعد الدراسة فقط، وإنما بقدرتهم على مواصلة التعليم دون أن تدفعهم الظروف المعيشية إلى الانقطاع مجدداً.

وأوضح أن معالجة الأسباب المرتبطة بالفقر والعمل المبكر وضعف التحصيل الدراسي تمثل شرطاً أساسياً لضمان استقرار الأطفال في مدارسهم.

وشدد في ختام حديثه لشبكة شام الإخبارية على أن إعادة الطفل إلى المدرسة دون توفير احتياجاته الأساسية قد تجعله معرضاً للتسرب مرة أخرى، قائلاً: «فإذا أعدناه إلى المدرسة وبقي جائعاً أو عاجزاً عن تأمين مستلزماته أو مضطراً إلى العمل بعد الدوام، فإن احتمال انقطاعه مجدداً سيظل قائماً».

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ