أكثر من عمل لتأمين المعيشة.. دخل إضافي يستنزف الصحة ووقت الأسرة
دفعت الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة بعض العاملين إلى البحث عن أكثر من مصدر للدخل لتغطية احتياجات أسرهم، فتحولت ساعات ما بعد الوظيفة الأساسية لدى البعض إلى دوام ثانٍ، يمتد أحياناً حتى المساء على حساب النوم والراحة والوقت المخصص للعائلة.
وبين الوظيفة الأساسية والعمل الإضافي والالتزامات المنزلية، يجد هؤلاء أنفسهم أمام أيام طويلة تتداخل فيها المسؤوليات، فيما يصبح تأمين متطلبات المعيشة سبباً مباشراً لتقليص مساحات الراحة والحياة الاجتماعية.
ورغم أن العمل الإضافي يوفر مورداً مالياً تحتاج إليه الأسرة، إلا أن استمرار هذا النمط لفترات طويلة يطرح تحديات تتعلق بالصحة النفسية والجسدية، والقدرة على التوفيق بين متطلبات العمل والعلاقات الأسرية والاجتماعية.
من المدرسة إلى عمل ثانٍ
روى مالك العبد الله، وهو معلم يعمل أيضاً في تمديد الكهرباء المنزلية، تجربته لشبكة شام الإخبارية، وقال إنه اضطر إلى الجمع بين العملين بسبب عدم كفاية راتبه لتغطية الاحتياجات الضرورية، مشيراً إلى أن ذلك انعكس على صحته النفسية والجسدية.
وقال العبد الله: «اضطررت إلى الجمع بين العملين بسبب عدم كفاية راتبي لتغطية الاحتياجات الضرورية، في حين أتأثر صحياً بالعملين على المستويين النفسي والجسدي، فالوقوف الطويل سبب لي ديسكاً».
ويبدأ يوم العبد الله باكراً بالذهاب إلى المدرسة، قبل أن يعود لتناول وجبة الغداء سريعاً ثم ينتقل إلى عمله الآخر، ليستمر يومه في كثير من الأحيان إلى ما بعد المساء.
وأدى هذا النمط، وفق تجربته، إلى تقليص الوقت الذي يستطيع تخصيصه للراحة وأطفاله، إذ يقضي معظم يومه بين المدرسة والعمل الآخر، بينما يتراكم التعب الجسدي مع استمرار ساعات العمل الطويلة.
وربط العبد الله حاجته إلى الدخل الإضافي بالظروف التي تواجهها أسرته بعد العودة من النزوح، وقال: «للضرورة أحكامها، فنحن نعيش في ظروف معيشية قاسية، وخاصة بعد العودة إلى منازلنا المهدمة عقب انتهاء رحلة النزوح، والتي تحتاج إلى الكثير من المال، غير أن قدوم الشتاء بات قريباً على الأبواب».
نساء أمام مسؤوليات متداخلة
ولا تقتصر تجربة الجمع بين أكثر من عمل على الرجال، إذ تواجه بعض النساء العاملات ضغوطاً إضافية مع تداخل العمل الأساسي والعمل الإضافي ومسؤوليات الأسرة والمنزل.
وروت رنا المحمد، وهو اسم مستعار لمعلمة تعمل في مدرسة وتقدم دروساً خصوصية للطلاب، تجربتها لشبكة شام الإخبارية، وقالت إن الحاجة إلى أكثر من مصدر للدخل أصبحت واقعاً لدى أسر عديدة لتغطية متطلبات المنزل.
وأضافت: «العديد من الأسر باتت بحاجة إلى أكثر من مصدر دخل لتتمكن من تأمين احتياجاتها وأعباء المنزل، ودفع أجرة المنزل وفواتير الكهرباء والهاتف وغيرها».
وتسبب تراكم المهام، وفق المحمد، بضغط نفسي وشعور بالاحتراق الوظيفي في بعض الأحيان، كما جعل تخصيص الوقت للأسرة أكثر صعوبة، خاصة مع الجمع بين العمل وتربية الأطفال والقيام بأعمال المنزل.
وأشارت إلى أن المرأة التي تضطر إلى العمل في أكثر من مجال قد تواجه صعوبة في توزيع وقتها بين العمل والأطفال والزوج والأهل والأصدقاء، ما قد يؤدي إلى تقلص دائرة العلاقات الاجتماعية والمساحات المخصصة للحياة الشخصية.
وساعدها تنظيم الوقت على ترتيب أولوياتها والاستفادة بصورة أفضل من الساعات المتاحة، فيما أصبحت أيام العطل فرصة للراحة أو قضاء بعض الوقت مع الأطفال والخروج واللعب معهم، رغم محدودية هذه المساحة.
إجهاد يتراكم مع الوقت
قال الاختصاصي في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي والمدرب في مجال الإرشاد والمشورة النفسية ماهر قصّار، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العمل في أكثر من مهنة والتنقل المستمر بين أدوار متعددة، مع تقليص مساحات الراحة، لا يمثل مجرد جهد بدني عابر، وإنما قد يتحول إلى حالة من الإجهاد التراكمي تؤثر في التوازن النفسي وجودة الحياة.
وأوضح قصّار أن الانتقال المستمر بين بيئات ومسؤوليات مختلفة يفرض على الشخص تغيير أدواره بصورة متكررة، وهو ما يعرف بـ«التحول المستمر في أدوار الذات»، ويؤدي إلى استنزاف الطاقة النفسية والذهنية.
وأضاف أن طول ساعات العمل وتراجع فترات النوم والراحة والترويح عن النفس قد يبقي الجسم والجهاز العصبي في حالة استنفار لفترات طويلة، ويقلل قدرة الشخص على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل واحتياجاته الجسدية والنفسية.
من التعب إلى الاحتراق النفسي
وأشار قصّار إلى أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى الإنهاك أو الاحتراق النفسي، حيث لا يعود التعب مجرد إرهاق جسدي يمكن تجاوزه بالنوم، وإنما قد يتحول إلى شعور مستمر بالإجهاد وفقدان الشغف وتراجع القدرة على العطاء.
ولفت إلى إمكانية ظهور اضطرابات القلق والتوتر المزمن، وما وصفه بـ«قلق الإنجاز»، حيث يعيش الشخص في حالة مستمرة من الخوف من التقصير في أحد أدواره أو عدم القدرة على الوفاء بإحدى مسؤولياته.
وبين أن التأثير قد يمتد أيضاً إلى التركيز والذاكرة القريبة والقدرة على اتخاذ القرارات، فيما قد تصبح استجابة الشخص أكثر حدة تجاه المواقف البسيطة، أو تظهر لديه مشاعر الحزن والابتعاد عن الآخرين والميل إلى العزلة.
ساعات أطول لا تعني إنتاجية أكبر
نوه قصّار إلى أن تحقيق قدر من التوازن بين العمل والحياة الأسرية والاجتماعية يبدأ من الاعتدال، مؤكداً أن زيادة ساعات العمل لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاجية، وأن نوعية الحضور والقدرة على التركيز قد تكون أكثر أهمية من امتداد ساعات العمل لفترات طويلة.
وأشار إلى أهمية وضع حدود بين الأدوار المختلفة، بحيث يحاول الشخص عند الانتقال من العمل إلى المنزل أن يكون حاضراً مع أسرته خلال الوقت المتاح، حتى عندما تكون هذه المساحة محدودة.
كما شدد على أهمية حماية الحد الأدنى من أوقات الراحة، سواء كانت أسبوعية أو شهرية أو سنوية، وتخصيص جزء منها لنشاط أسري ثابت قدر الإمكان، بما يساعد على منع العمل من الاستحواذ الكامل على الحياة الشخصية.
الراحة ليست رفاهية
لفت قصّار إلى أن من أبرز الخطوات التي تساعد من يضطر إلى الجمع بين أكثر من عمل إعادة النظر إلى الراحة باعتبارها حاجة أساسية وليست رفاهية، موضحاً أن النوم والاسترخاء يمنحان الجسم والنفس فرصة لاستعادة القدرة على الاستمرار.
وأشار إلى أهمية امتلاك مهارة الرفض وقول «لا» لبعض الالتزامات الجانبية التي تستهلك الوقت والجهد دون فائدة حقيقية، بما يساعد الشخص على إدراك حدوده الشخصية والمهنية وعدم تحميل نفسه مسؤوليات إضافية تفوق قدرته.
ونصح كذلك بإيجاد مساحة للتعبير والتفريغ النفسي الآمن، سواء عبر الحديث مع شخص موثوق أو الكتابة أو الرسم أو ممارسة نشاط يساعد على الاسترخاء وخفض مستويات التوتر.
وشدد قصّار على أهمية طلب الدعم عند الحاجة، معتبراً أن الاستعانة بالمشورة أو المساعدة النفسية المتخصصة عند الشعور بتفاقم الضغوط قد تساعد على تجنب الوصول إلى مراحل متقدمة من الاحتراق النفسي أو الوظيفي.
دخل إضافي بثمن يومي
تعكس تجربتا مالك ورنا جانباً من الضغوط التي يعيشها من يضطرون إلى الجمع بين أكثر من عمل، إذ يوفر العمل الإضافي دخلاً تحتاج إليه الأسرة، لكنه يستهلك في المقابل جزءاً من الوقت المخصص للنوم والراحة والعلاقات الأسرية والاجتماعية.
وبين الحاجة إلى تأمين متطلبات المعيشة والحفاظ على الصحة والاستقرار الأسري، تصبح إدارة الوقت وحماية فترات الراحة أكثر أهمية بالنسبة لمن لا يملكون خيار الاكتفاء بعمل واحد، فيما يبقى التحدي قائماً في تحقيق قدر من التوازن بين الحاجة إلى زيادة الدخل والقدرة الجسدية والنفسية على الاستمرار.