الحكومة السورية تكافح للبقاء خارج دائرة الحرب
الحكومة السورية تكافح للبقاء خارج دائرة الحرب
● سياسة ٤ أبريل ٢٠٢٦

حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تهدد سوريا وتضع حكومتها أمام ضغوط حدودية وأمنية متصاعدة

أفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن سوريا تواجه هجمات عابرة للحدود من مجموعات مسلحة شيعية في العراق ومن الجيش الإسرائيلي، في وقت تكافح فيه الحكومة السورية للبقاء خارج دائرة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

وقالت الصحيفة إن دمشق تسعى، بدل الانخراط في الصراع، إلى تقديم البلاد بوصفها مركز عبور للطاقة بالنسبة للدول المتضررة من إغلاق مضيق هرمز، بالتزامن مع إشارات أمريكية إلى أن الحرب، التي دخلت أسبوعها الخامس، مرشحة للاستمرار لأسابيع إضافية.

وأضافت الصحيفة أن سوريا أعلنت في وقت سابق من هذا الأسبوع اعتراض هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيّرة استهدف قواعد أمريكية سابقة قرب الحدود العراقية، في أحدث هجوم نُسب إلى مجموعات مسلحة شيعية.

وذكرت أن القوات السورية تعرضت الشهر الماضي لقصف مدفعي من ميليشيا حزب الله في لبنان المجاور، والتي انضمت، مثل الفصائل العراقية، إلى المواجهة دعماً لطهران خلال الشهر الماضي.

وفي الداخل السوري، أشارت فايننشال تايمز إلى أن مجموعة شيعية غامضة أعلنت مسؤوليتها عن عدة هجمات استهدفت أصولاً أمريكية وإسرائيلية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، موضحة أن هذه المجموعة تشكلت مطلع العام الجاري، وأعلنت أنها ستقاتل حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع.

ونقلت الصحيفة عن الرئيس السوري أحمد الشرع قوله، خلال فعالية استضافها مركز تشاتام هاوس البحثي في لندن هذا الأسبوع، إن السوريين “اكتفوا من الحرب”، مضيفاً أن البلاد “ليست مستعدة لخوض تجربة حرب أخرى”، في إشارة إلى مساعي دمشق لتجنب الانزلاق إلى مواجهة جديدة بعد سنوات الصراع الطويلة.

إسرائيل توسع غاراتها ودمشق تعزز الحدود

وقالت الصحيفة إن إسرائيل، التي تستخدم مواقع تحتلها في جنوب سوريا لشن هجمات على لبنان، نفذت أيضاً موجة غارات جوية على جنوب سوريا الشهر الماضي، عقب ما وصفته باشتباكات مزعومة بين قوات الأمن الحكومية ومسلحين دروز، في خطوة تهدد بتعميق الاضطراب الداخلي. وأضافت أن إسرائيل قالت، كما فعلت في تدخلات سابقة داخل سوريا، إنها تتحرك دفاعاً عن الأقلية الدرزية.

وفي المقابل، أكدت الصحيفة، نقلاً عن مسؤولين دفاعيين، أن دمشق أرسلت آلاف الجنود لتعزيز الحدود والحد من تدفق السلاح والمقاتلين. وأوضحت أن هذه التحركات أثارت مخاوف عميقة في لبنان والعراق، حيث ذهب مسؤولون حكوميون وجماعات موالية لإيران إلى التكهن بإمكانية تنفيذ القوات السورية توغلات عبر الحدود، غير أن مسؤولين سوريين ومحللين أكدوا، بحسب الصحيفة، أن هذه المخاوف لا تستند إلى معطيات واقعية.

ولفتت الصحيفة إلى أن المبعوث الأمريكي إلى سوريا نفى الشهر الماضي تقريراً نشرته وكالة رويترز تحدث عن ضغوط تمارسها واشنطن على دمشق لتنفيذ عمليات داخل لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله.

لكنها أضافت أن مسؤولين إقليميين وغربيين أبلغوا فايننشال تايمز بأن محادثات جدية جرت مع مسؤولين أمريكيين على مدى أشهر بشأن هذا الاحتمال، سواء قبل اندلاع الحرب أو خلالها.

ونقلت عن الباحث في الشأن السوري لدى مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، خضر خضور، قوله إن القوات المسلحة السورية لا تملك القدرة على تنفيذ تحرك من هذا النوع، مضيفاً أنها بالكاد تملك ما يكفي من القوات لتغطية أراضيها.

سوريا الجديدة تحاول تثبيت الحياد بعد سنوات الحرب

ورأت الصحيفة أن موقع دمشق الإقليمي انقلب بعد أربعة عشر عاماً من الحرب المدمرة التي وضعت سوريا في قلب اضطرابات المشرق. فبينما أصبحت دول الجوار أكثر انخراطاً في تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بقيت سوريا، وفق محللين، بمنأى نسبياً عن آثارها المباشرة، وهي تحاول لملمة أوضاعها تحت قيادتها الجديدة.

ونقلت عن الباحث في الشأن السوري لدى تشاتام هاوس، حيد حيد، قوله إن البلاد كانت لأكثر من عقد الساحة المركزية التي دارت فيها المنافسات الإقليمية والدولية، لكنها أعادت اليوم تموضعها بوصفها طرفاً محايداً.

ومع ذلك، أوضحت الصحيفة أن عملية الانتقال منذ تولي أحمد الشرع السلطة في كانون الأول 2024 شابتها حالة من عدم الاستقرار وأعمال عنف متفرقة، إلا أن الرئيس السوري أحمد الشرع عمل على إعادة تموضع سوريا بعيداً عن وضعها السابق كدولة منبوذة على الساحة الدولية.

وأضافت أن الشرع عمّق علاقات دمشق مع الدول العربية، بما في ذلك لبنان والعراق، رغم بقاء توترات مرتبطة بعلاقاته السابقة مع تنظيم القاعدة، كما وسّع تواصله مع واشنطن والدول الأوروبية.

وفي معرض رده هذا الأسبوع على سؤال بشأن ما إذا كانت سوريا ستبقى على الحياد في النزاع مع إيران، قال الرئيس السوري أحمد الشرع، وفق ما نقلت الصحيفة، إن بلاده تريد علاقات مثالية مع كامل المنطقة، ومع لبنان والعراق وتركيا والسعودية، وكذلك مع القوى الدولية مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، مضيفاً أن سوريا مؤهلة لبدء شبكة علاقات استراتيجية.

وأشارت الصحيفة إلى أن إيران تبقى من الدول التي لا تقيم دمشق معها علاقات دبلوماسية رسمية، باعتبارها حليفاً لرئيس النظام السوري البائد بشار الأسد الذي أطاح به أحمد الشرع في عام 2024.

ونقلت عن الرئيس السوري أحمد الشرع قوله إن سوريا ستبقى خارج أي صراع ما لم تتعرض هي نفسها للاستهداف من أي طرف، مضيفاً أن دمشق لا تريد أن تكون ساحة حرب، إلا أن الواقع، بحسب وصفه، لم يعد تحكمه “عقول حكيمة”، وأن الوضع بات متقلباً وعشوائياً.

دمشق تروّج لدورها كممر للطاقة والاتصالات

وقالت فايننشال تايمز إن الرئيس السوري أحمد الشرع سعى أيضاً إلى استثمار حالة الفوضى الإقليمية عبر طرح سوريا بوصفها ممراً للطاقة والاتصالات بين أوروبا والخليج وآسيا. وذكرت أنه عرض في ألمانيا هذا الأسبوع على الشركات الألمانية بلاده ومساراتها البرية كبديل آمن للتخفيف من اضطرابات سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة الناجمة عن الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز.

ونقلت عنه قوله أمام رؤساء شركات ألمانية في برلين إن سوريا تستطيع أن تؤدي دور “الملاذ الآمن”، وأن تضمن أمن سلاسل التوريد بحكم موقعها الاستراتيجي، إلى جانب تأمين إمدادات الطاقة عبر ساحل البحر المتوسط. وأضاف، بحسب الصحيفة، أن أي اضطراب في البحر الأحمر أو مضيق هرمز يعزز دور سوريا المحتمل بوصفها طريقاً بديلاً آمناً.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التوجه يأتي بعد جهود استمرت عاماً كاملاً لاستقطاب استثمارات كبيرة في قطاع الطاقة السوري، بدعم أمريكي، حيث نجحت دمشق في تأمين استثمارات بمليارات الدولارات للمساعدة في إنعاش هذا القطاع المتعثر.

وفي هذا السياق، ذكرت أن العراق بدأ هذا الأسبوع تصدير الوقود براً عبر المسارات السورية، مع تسبب إغلاق المضيق في خنق صادراته، مضيفة أن بغداد قالت إن الكميات ستتوسع تدريجياً، لكنها ستواجه قيوداً مرتبطة بضعف البنية التحتية التي تضررت بفعل سنوات الحرب والإهمال، فضلاً عن التحديات الأمنية.

وختمت الصحيفة بالإشارة إلى أن استمرار هجمات المجموعات المسلحة العراقية وتهديداتها لسوريا يثير مخاوف من احتمال جر البلاد بصورة أعمق إلى الصراع.

ونقلت مجدداً عن خضر خضور تساؤله عن المدة التي تستطيع فيها سوريا الحفاظ على حيادها، محذراً من أن إطالة أمد الحرب واتساع نطاقها يرفعان خطر امتدادها إلى الداخل السوري.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ