من لقاء الجالية إلى منبر الأمم المتحدة.. زيارة الشرع إلى نيويورك تفتح ملفات السوريين في الداخل والخارج
وصل الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك على رأس وفد رسمي يضم وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ووزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، وعدداً من المسؤولين، للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في زيارة تتضمن إلقاء كلمة سوريا، وعقد مباحثات مع قادة ومسؤولين دوليين، ولقاء أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة.
وحملت الساعات الأولى من الزيارة مسارين متوازيين، أولهما سياسي ودبلوماسي يرتبط بمشاركة سوريا في أكبر تجمع سنوي لقادة العالم، والثاني سوري داخلي ظهر خلف كواليس الزيارة، عندما جلس الرئيس الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني الجالية السورية في الولايات المتحدة، واستمعا إلى أسئلة وملفات امتدت من الصحة النفسية والتعليم والإعلام إلى قضايا اقتصادية وسياسية واجتماعية.
لقاء يتجاوز البروتوكول
ووصف مشاركون في لقاء الجالية الأجواء بأنها دافئة وودية، وقالوا إن الحاضرين طرحوا أسئلة مباشرة على الرئيس الشرع تناولت ملفات متعددة، من بينها واقع الصحة النفسية للسوريين، والملف اللبناني، والتعليم، والصحافة الرسمية، إلى جانب قضايا مرتبطة برجال أعمال وشخصيات ارتبطت بمرحلة نظام الأسد البائد.
وأشار أحد المشاركين إلى أنه طرح خلال الجلسة ضرورة وجود استراتيجية وطنية للصحة النفسية، وقال إن الرئيس استمع إلى الطرح وأجاب عنه، في وقت أظهرت فيه شهادات متداولة من داخل اللقاء اتساع القضايا التي حملها السوريون في الولايات المتحدة معهم إلى الجلسة.
وعكست انطباعات نشرها حاضرون تنوع المشاركين في اللقاء دينياً واجتماعياً ومهنياً، إذ تحدثوا عن وجود مسلمين ومسيحيين وعلويين ودروز، إلى جانب سياسيين واقتصاديين وأصحاب أعمال وصحفيين وكتاب وأطباء وغيرهم، وهي شهادات تعبر عن رؤية أصحابها لأجواء الاجتماع وطبيعة الحضور.
ووصف مشاركون استقبال الرئيس بالتصفيق والهتافات، وربطوا المشهد بسنوات الغربة والحنين إلى سوريا، فيما عبر آخرون عن رغبتهم في المساهمة بإعادة بناء البلاد والاستفادة من إمكانات السوريين وخبراتهم المتراكمة في الولايات المتحدة.
السوريون في الخارج وملفات الداخل
ويمنح لقاء الجالية الزيارة بعداً يتجاوز جدول الاجتماعات السياسية، فملايين السوريين الذين غادروا البلاد خلال سنوات الحرب في سوريا راكموا خبرات علمية ومهنية واقتصادية في دول الاغتراب، ويطرح انتقال البلاد إلى مرحلة جديدة أسئلة حول شكل علاقتهم بالدولة، ودورهم في الاستثمار وإعادة الإعمار ونقل الخبرات، إضافة إلى معالجة الملفات التي تعيق عودة من يرغب منهم.
وتكشف طبيعة الأسئلة المطروحة في نيويورك أن اهتمامات السوريين في الخارج ما تزال مرتبطة بتفاصيل الداخل، من الخدمات والتعليم والصحة إلى الإعلام والاقتصاد والعلاقة مع دول الجوار، وهو ما يجعل مثل هذه اللقاءات مساحة للاستماع إلى قضايا قد لا تظهر بالقدر نفسه في الاجتماعات الدبلوماسية الرسمية.
عام ثانٍ على منبر الأمم المتحدة
وتأتي مشاركة الرئيس الشرع هذا العام بعد مشاركته في الدورة الثمانين للجمعية العامة عام 2025، فيما أكدت الرئاسة السورية أنه سيلقي مجدداً كلمة الجمهورية العربية السورية أمام الجمعية خلال الدورة الحالية.
يمنح الخطاب المرتقب فرصة لعرض رؤية الحكومة السورية أمام الدول الأعضاء بشأن الملفات الداخلية والإقليمية، ولا سيما إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والعلاقات الخارجية والأمن والاستقرار، بالتزامن مع استمرار دمشق في توسيع اتصالاتها الدولية، ومن بينها الاتصالات الأخيرة بين وزير الخارجية أسعد الشيباني ونظيره الأمريكي ماركو روبيو بشأن العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
ويحمل وجود وزير الطوارئ رائد الصالح ضمن الوفد ملفاً إنسانياً إضافياً، إذ أعلن الصالح أنه سيطرح في نيويورك رؤية تتعلق بسوريا دون مخيمات، والجهود المرتبطة بالعودة الآمنة والطوعية والمستدامة للسوريين إلى منازلهم ومناطقهم.
مسار دبلوماسي يعاد تشكيله
وشهدت السياسة الخارجية السورية منذ سقوط نظام الأسد البائد تغيراً في طبيعة الاتصالات والعلاقات الإقليمية والدولية، وتولى أسعد الشيباني وزارة الخارجية والمغتربين في كانون الأول/ديسمبر 2024، قبل أن تبدأ دمشق سلسلة تحركات وزيارات واتصالات هدفت، وفق الخطاب الرسمي السوري، إلى توسيع علاقاتها وإعادة بناء حضورها الخارجي.
وأصبحت المشاركة في الجمعية العامة جزءاً من هذا المسار، إذ انتقلت الدبلوماسية السورية خلال المرحلة الجديدة من معالجة آثار سنوات العزلة والعقوبات إلى محاولة بناء شراكات سياسية واقتصادية، بينما يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً أيضاً بقدرته على جذب الاستثمار والمساهمة في التعافي الاقتصادي وتحسين الظروف التي يعيشها السوريون في الداخل.
نيويورك بين صورتين لسوريا
ويجمع المشهد في نيويورك بين صورتين متكاملتين للزيارة، الأولى تظهر داخل مقر الأمم المتحدة، حيث تتحرك الدولة عبر الخطابات والاجتماعات واللقاءات مع المسؤولين الدوليين، والثانية ظهرت في قاعة جمعت الرئيس بأبناء الجالية، حيث انتقلت الأسئلة من السياسة الخارجية إلى تفاصيل حياة السوريين وهمومهم.
ويضع ذلك الخطاب المرتقب للرئيس أحمد الشرع أمام متابعة سورية واسعة، ليس فقط لما سيحمله من رسائل إلى المجتمع الدولي، وإنما لما سيقدمه بشأن أولويات سوريا في المرحلة المقبلة، بينما أظهر لقاء الجالية أن السوريين في الخارج يريدون بدورهم مساحة في النقاش حول مستقبل البلاد، وأن الملفات الداخلية تبقى حاضرة حتى عندما يكون المشهد على بعد آلاف الكيلومترات من دمشق.