من المكاشفة إلى الحلول.. السوريون يريدون أن يروا أثر الأرقام في حياتهم
كشف حضور وزير الطاقة محمد البشير أمام مجلس الشعب أمس جانباً مهماً من واقع أحد أكثر القطاعات التصاقاً بحياة السوريين، إذ وضعت الوزارة أمام المجلس والرأي العام أرقاماً واضحة حول الإنتاج والاستيراد والدعم والعجز والكلف، في جلسة جاءت أساساً لمناقشة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، قبل أن تتوسع لتشمل الكهرباء والمياه والتعدين.
ويُحسب للوزارة أنها اختارت لغة المكاشفة بدلاً من الاكتفاء بالوعود العامة، فالسوري من حقه أن يعرف أن البلاد تحتاج، وفق أرقام الوزير، إلى نحو 831 مليون دولار شهرياً لشراء النفط الخام والمشتقات، وأن الإنتاج المحلي يبلغ نحو 112 ألف برميل يومياً، مقابل فجوة تقدر بنحو 200 ألف برميل، وأن استيراد الغاز يفرض بدوره أعباء مالية كبيرة.
لكن المكاشفة، على أهميتها، تفتح الباب أمام المرحلة الأصعب، وهي تقديم الحلول، فالمواطن الذي استمع إلى أسباب ارتفاع الأسعار وواقع البنية التحتية وتكاليف الاستيراد يريد أن يعرف كيف ستنعكس الخطط المعلنة على دخله ومعيشته، ومتى يمكن تخفيف الأعباء عن الأسر محدودة الدخل، خصوصاً أن أعضاء في مجلس الشعب طالبوا بالفعل بزيادة الدعم المقدم للبنزين والمازوت ودعم النقل العام، وتوسيع الشريحة الأولى المدعومة من الكهرباء إن أمكن.
وتحتاج سوريا، وسط ظروفها الاقتصادية الصعبة، إلى توسيع النقاش أبعد من إدارة الأزمات اليومية، فالطاقة ليست نفطاً وكهرباء فقط، ووجود الشركة السورية للتعدين ضمن هيكل الوزارة يضع ملف الثروات المعدنية والاستثمار فيها أمام فرصة تستحق مزيداً من الاهتمام، بما يشمل معرفة الموارد المتاحة، وآليات استثمارها، والعائد الذي يمكن أن تضيفه إلى الاقتصاد والخزينة العامة.
وتبقى الثقة مرتبطة باستمرار هذا النهج من الشفافية، وتوحيد الأرقام والإفصاحات، ثم العودة إلى المواطنين لاحقاً لإخبارهم بما تحقق من الخطط التي يسمعون عنها اليوم، فالمرحلة الاقتصادية التي تمر بها سوريا تحتاج إلى مصارحة الناس بحجم المشكلة، وإلى سياسات تحمي الفئات الأكثر تأثراً بها في الوقت ذاته.
ويشكل ما قدمه الوزير أمام مجلس الشعب خطوة مهمة في شرح الواقع، لكن التحدي الذي ينتظر الحكومة أكبر، وهو الانتقال من تفسير أسباب الأزمة إلى تقديم بدائل قابلة للقياس، يشعر المواطن بنتائجها في فاتورة الكهرباء وسعر الوقود والنقل وكلفة معيشته اليومية.