عقارات السوريين بعد سنوات الغياب.. كيف يستعيد المالك منزله أو أرضه من حيازة الآخرين؟
يواجه الكثير من السوريين العائدين إلى مناطقهم بعد سنوات من النزوح أو السفر مشكلات تتعلق بممتلكاتهم العقارية، بعدما وجد بعضهم منازلهم مشغولة من أشخاص آخرين، أو أراضيهم موضوعة في حيازة الغير ومستثمرة دون موافقتهم، ما يفتح أمام المالك مساراً قانونياً لاستعادة العقار والمطالبة بالمنافع والتعويض عن الأضرار التي لحقت به.
وسجلت حالات من هذا النوع في عدد من المناطق السورية، بينها حمص وحلب، فيما تختلف الإجراءات المطلوبة بحسب وضع العقار وطبيعة تسجيله والوثائق الموجودة لدى أطراف النزاع، إضافة إلى التصرفات التي جرت عليه خلال فترة غياب صاحبه.
ماذا يعني غصب العقار؟
قال المحامي حسن المحمد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن وضع شخص يده على أرض أو منزل مملوك لشخص غائب بسبب النزوح أو السفر يندرج قانونياً، وفق توصيفه، ضمن "غصب العقار"، موضحاً أن غياب المالك لسنوات أو الادعاء بالمحافظة على ممتلكاته لا يمنح واضع اليد حقاً في ملكيتها.
وأوضح المحمد أن وضع العقار القانوني يرتبط بصورة أساسية بطريقة تسجيله، مشيراً إلى أن العقار المسجل في السجل العقاري "الطابو" يتمتع بحماية أقوى، وأن الملكية المسجلة لا يمكن اكتسابها بمجرد وضع اليد عليها مهما طالت المدة، مستنداً في ذلك إلى المادة 768 من القانون المدني السوري.
وأضاف أن الاستيلاء على العقار يمكن أن يرتب أيضاً مسؤولية جزائية وفق ظروف الواقعة، مشيراً إلى المادة 723 من قانون العقوبات العام، إلى جانب المسؤولية المدنية المتعلقة بإعادة العقار وما ترتب على إشغاله واستثماره دون موافقة صاحبه.
كيف يحمي الغائب ملكيته؟
ودعا المحمد أصحاب العقارات المقيمين بعيداً عن ممتلكاتهم إلى تنظيم وكالة عدلية لشخص موثوق يستطيع متابعة العقار وإدارته واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنه، مع الاحتفاظ ببيان قيد عقاري حديث والوثائق التي تثبت الملكية.
وأشار إلى إمكانية التحرك قانونياً عند وجود مخاوف من إجراء بيع أو تصرف غير مشروع بالعقار، بما يشمل إقامة الدعوى المناسبة وطلب وضع "إشارة دعوى" على صحيفة العقار في السجل العقاري، بما يحفظ حقوق المدعي تجاه التصرفات اللاحقة وفق الأصول القانونية.
وذكر أن المالك أو وكيله يستطيع كذلك مراجعة النيابة العامة وتقديم معروض يتعلق بالتعرض للعقار بحسب طبيعة الواقعة، خصوصاً عندما يكون هناك استيلاء فعلي عليه أو استثمار وتأجير دون موافقة صاحبه.
عقار مستثمر دون إذن صاحبه
وبيّن المحمد أن الشخص الذي يضع يده على عقار ويقوم باستثماره أو تأجيره دون حق قد يواجه، وفق تفاصيل كل حالة، مسؤوليات مدنية وجزائية، فيما يستطيع المالك المطالبة باستعادة عقاره وما نتج عن استثماره خلال فترة الإشغال غير المشروع.
وأضاف أن المطالبات المدنية قد تشمل رد المنافع والإيجارات التي جرى تحصيلها، والمطالبة بأجر المثل عن مدة الإشغال والتعويض عن الأضرار التي أصابت العقار، بينما تتحدد المسؤولية عن الهلاك أو التخريب بحسب الوقائع والصفة القانونية لواضع اليد وما يقرره القضاء.
وأكد أن اكتشاف المالك بعد سنوات وجود شخص آخر في عقاره لا يعني بالضرورة فقدانه حقه، مشيراً إلى إمكانية اللجوء إلى النيابة العامة بحسب طبيعة الاستيلاء، إلى جانب إقامة الدعاوى المدنية المناسبة للمطالبة بطرد الغاصب ومنع المعارضة واسترداد الحيازة.
ولفت إلى إمكانية المطالبة بأجر المثل والتعويض عن الأضرار، وقد تتطلب بعض الحالات اتخاذ إجراءات مستعجلة أو طلب تعيين حارس قضائي إلى حين الفصل في النزاع، وفق ظروف القضية والقرار الذي تتخذه المحكمة المختصة.
هل يؤثر طول الغياب في الملكية؟
وفرق المحمد بين العقارات المسجلة في السجل العقاري وتلك التي لم تستكمل إجراءات تسجيلها، مؤكداً أن مرور سنوات طويلة على غياب صاحب العقار المسجل لا يؤدي، بحسب شرحه، إلى سقوط ملكيته بالتقادم، حتى لو امتدت فترة الغياب لعقود.
وأشار في المقابل إلى أن وضع العقارات غير المسجلة قد يكون أكثر تعقيداً، ومنها بعض الملكيات المستندة إلى عقود بيع أو وكالات أو أحكام لم تنفذ في السجل العقاري، لافتاً إلى ضرورة الانتباه في هذه الحالات إلى الأحكام المتعلقة بالتقادم المكسب ومدده وشروطه.
ونصح أصحاب هذه العقارات باتخاذ إجراءات قانونية تثبت استمرار تمسكهم بحقوقهم وعدم ترك النزاع دون متابعة، سواء عبر الإنذارات والدعاوى أو غيرها من الإجراءات القانونية المناسبة، مع الاحتفاظ بما يثبت الملكية والتصرف بالعقار.
العقود المزورة والوثائق المتنازع عليها
وتتعقد استعادة بعض العقارات عندما يقدم واضع اليد عقد بيع أو وكالة أو مستنداً يدعي أنه يمنحه حقاً في العقار، إذ ينتقل النزاع في هذه الحالة إلى التحقق من صحة الوثائق ومدى حجيتها القانونية، وقد يحتاج المالك إلى الطعن بالمستندات التي يعتقد أنها مزورة أو غير صحيحة وإثبات حقوقه أمام القضاء.
وتزداد الصعوبة عندما يكون العقار غير مسجل أصولاً، أو تكون وثائق الملكية مفقودة أو ناقصة، أو تكون قد جرت عليه تصرفات متعددة خلال سنوات غياب صاحبه، ما يجعل تحديد المركز القانوني لكل طرف مرتبطاً بالوثائق والوقائع الخاصة بكل قضية.
وينصح قانونيون في مثل هذه الحالات بالاحتفاظ بأصول وثائق الملكية والحصول على بيانات عقارية حديثة، وتوثيق أي وكالة أو تصرف يتعلق بالعقار، والتحرك القانوني عند اكتشاف الاستيلاء عليه أو التصرف به، مع تجنب الاعتماد على التسويات الشفهية غير الموثقة.
وتبقى استعادة المنزل أو الأرض بعد سنوات من الغياب مرتبطة بطبيعة تسجيل العقار والوثائق المتوفرة وكيفية انتقال حيازته إلى الطرف الآخر، ما يجعل توثيق الملكية ومتابعة وضع العقار قانونياً من أبرز الخطوات التي تساعد صاحبه على حماية حقوقه واستعادتها عند تعرضها للاعتداء.