طفولة ضائعة في شوارع إدلب.. الفقر يدفعهم للتسوّل والمدارس تفقدهم
طفولة ضائعة في شوارع إدلب.. الفقر يدفعهم للتسوّل والمدارس تفقدهم
● أخبار سورية ٣ أبريل ٢٠٢٥

طفولة ضائعة في شوارع إدلب.. الفقر يدفعهم للتسوّل والمدارس تفقدهم

تنتشرُ ظاهرة التسول في محافظة إدلب وبعض مدنها المكتظة بالسكان، فإينما تحركت تجد أطفالاً صغاراً بملابس رثة ومظهر مثير للشفقة، يمدون أيديهم للمارة طالبين المال ويطلقون عبارات التوسل للحصول على ما يريدون مثل: "أمي مريضة، أبي ميت، لم أتناول الطعام منذ البارحة" وغيرها من العبارات التي تجعلك تتعاطف معهم. 


يتوزع هؤلاء الأطفال في عدة أماكن، أغلبها في الأسواق، وبالقرب من المطاعم، أو أمام المحلات، وحتى بجانب عيادات الأطباء، أو في أي مكان يتجمع فيه الناس بكثرة.

تصرفات مزعجة يتبعها المتسولون 
يشتكى أشخاص من تصرفات غير مقبولة يتبعها الأطفال المتسولين للضغط عليهم بهدف الحصول على مساعدة، تقول رابعة الأحمد (35) عاماً: "كنت أقود سيارتي متجهة إلى مدينة الدانا، فتوقفت عند أحد محلات الحلويات، وعندما خرجت استوقفني طفل يريد نقوداً، ولم يكن معي حينها "فراطة"، فاعتذرت منه وهممت بالمغادرة ليقف أمام السيارة ويرفض التحرك حتى أعطيه ما طلب، وبقي على هذا الحال حتى أبعده صاحب المحل عن طريقي

وذكر عمار السعيد (25) عاماً: "كنت في السوق في مدينة إدلب، وتبعني مجموعة من الأطفال المتسولين، لو أنهم شخص واحد أو اثنين لأعطيتهم، لكنهم أكثر من ذلك، وصاروا يتوسلون لي، وكل واحد منهم يستعطفني بعبارة مختلفة، لم أخرج من بينهم إلا بشق الأنفس، شعرتُ بتأنيب ضمير حينها، لكن لم يكن معي ما يكفيهم كلهم".

وروت فاطمة جمال (19) عاماً قصة حصلت معها عند انتظارها في الحافلة في مدينة أطمة: "نزل الشوفير ليجري مكالمة، وكنت أتناول سندويشة وباب الحافلة مفتوح، فجاءَ أحد الأطفال المتسولين ونزعها مني وهرب، والمزعج أكثر أن أطفال ٱخرين أتوا لطلب المساعدة وعندما رفضت صاروا يدعون علي بالسوء.

أسباب التسول ما بين الفقر والاعتياد على طلب المساعدة
أسباب التسول كثيرة، لكن أغلبها تندرج تحت إطار الفقر وسوء الوضع المعيشي، تسببت الحرب الممتدة لأربعة عشر عاماً بسوء الظروف الاقتصادية للبلاد بشكل عام، ليعيش أغلب الناس تحت خط الفقر، وتصبح تأمين الاحتياجات اليومية صعباً مقارنة بفرص العمل المتاحة والمدخول المالي المتوفر.

وبحسب دراسات سابقة عن هذا الموضوع فإن هو الحاجة للمساعدة لاسيما بعد انتشار البطالة وقلة فرص العمل وشح المساعدات الإنسانية المقدمة من قبل المنظمات، في الوقت ذاته التسول يكون عادة عند قسم من الأطفال اكتسبوها من ٱبائهم وأصبحت مصدر دخل لهم، فلم يعودوا يهتمون للضغوطات النفسية التي تواجههم فهم تأقلموا عليها مع مرور الوقت.

ظروف قاسية تواجه الأطفال وتبعدهم عن التعليم 
تقولُ منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من خلال تقرير نشرته في الخامس والعشرين من شهر آذار/مارس الماضي، إن  أكثر من 75% من أطفال سوريا البالغ عددهم 10.5 مليون طفل قد وُلِدوا خلال الحرب التي استمرت 14 عاما، ليقضوا طفولتهم ضمن ظروف النزوح والقصف والرعب.

كل تلك الظروف أجبرت الأطفال على ترك تعليمهم والانتقال لأعمال مجهدة، ومنها التسول كمهنة سهلة لا تتطلب جهد ومشقة، لكن بالمقابل هناك ٱثار سلبية كثيرة يمكن أن يتعرض لها الطفل المتسول، مثل: التعرض للشتيمة وأحياناً للضرب من قبل الناس، وخاصة من أصحاب المحلات التي يصرّون على المكوث بجانبها، ويطلبون المال من زبائنها، كما يمكن أن يتعرضوا لمشاكل صحية نتيجة قضائهم لوقت طويل في الشوارع في ظل البرد القارس في الشتاء، والحرّ الشديد في الصيف. علاوة على ذلك  ربما يتعرضون للخطف.

ويعدُّ التسرب المدرسي أحد أبرز الآثار السلبية، فبحسب منسقوا استجابة سوريا فإن عدد الأطفال المتسربين من المدارس في جميع أنحاء سوريا يبلغ نحو 2.3 مليون طفل، بينهم أكثر من 386 ألف طفل في شمال غرب البلاد. وقال من خلال بيان أصدره في تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، إن اثنين من كل خمسة أطفال يتركون التعليم  وينزلون إلى سوق العمل، وسط توقعات بارتفاع هذه النسبة خلال الأعوام المُقبلة بسبب سوء الأوضاع المعيشية التي يعاني منها المدنيون.

وفي يناير ٢٠٢٣، أدان فريق "منسقو استجابة سوريا"، استغلال العديد من الجهات والفعاليات العاملة في الشمال السوري، كبير للأطفال في الترويج لأعمال التبرعات بغية تحصيل المزيد من الدعم كما تتذرع تلك الجهات.

لفت فريق "منسقو استجابة سوريا"، إلى أن استخدام الأطفال بجمع التبرعات وهو أسلوب غير حضاري، وأكد أن مكان الطفل أساساً مقاعد الدراسة لا العمل في جمع التبرعات، ونعد تلك التصرفات استغلال لحقوق الطفل وتعليم الأطفال على التسول.

ولفت إلى أن انتشار المقاطع المصورة للأطفال في حالات جمع التبرعات أو العمل على تأمين الدعم للأطفال وفق أسلوب يعتمد على الابتزاز العاطفي للمتبرعين، متجاهلة تلك الجهات أن تلك الحالات تؤثر على وضع الطفل وانتهاك كبير لحقوق الطفل الذي سيعاني من تلك الآثار لاحقاً.

تكمن المشكلة الكبرى - وفق الفريق - في هذه الحالات ضمن اتجاهين الأول هو تلقين الطفل كلمات وعبارات غير قادر على فهمها مطلقاً في خطوة لابتزاز المشاهد والحث على التبرع، أما المنحى الثاني هو انقطاع الدعم عن الطفل أو العائلات بعد انتشار تلك المقاطع خلال فترة قصيرة وبالتالي تصبح الجهة المستفيدة هي صاحبة المقطع المصور، حيث وثق منسقو استجابة سوريا انقطاع الدعم عن أكثر من تسع حالات بعد انتشار المقاطع المصورة لهم. 

وحث الفريق، كافة الجهات على العمل الفوري على إيقاف تلك الظاهرة وخاصةً ضمن المخيمات، مؤكداً تفهمه الواقع الإنساني الصعب التي تمر بها العائلات في المنطقة، إلا أن استغلال الأطفال أصبح ظاهرة غير مقبولة وبحاجة إلى ضبط لمنع انتشارها.

وطالب الفريق من المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة الالتزام باتفاقيات حقوق الطفل الدولية وفي مقدمتها إعلان جنيف لحقوق الطفل لعام 1924 وإعلان حقوق الطفل الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1959 والمعترف به في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ