
رابطة الصحفيين السوريين: لا مستقبل حرًا لسوريا من دون كشف مصير الصحفيين المختفين
أعادت رابطة الصحفيين السوريين تسليط الضوء على مأساة الزملاء والزميلات الذين غيّبهم نظام الأسد البائد وسلطات الأمر الواقع على مدى أكثر من أربعة عشر عاماً، في محاولات وصفتها بـ"البائسة" لإسكات صوت الحقيقة وتكميم الأفواه، وذلك في اليوم العالمي للمختفين قسراً.
وأوضحت الرابطة أن الناشطين والصحفيين كانوا من أكثر الفئات استهدافاً منذ انطلاق الثورة السورية، إذ تعرضوا للاعتقال والتعذيب والاختفاء داخل أقبية الأجهزة الأمنية لمجرد إصرارهم على نقل الحقيقة وتوثيق الجرائم.
وشددت على أن سقوط النظام القمعي لا يعني طي الصفحة، بل يضع المجتمع السوري أمام واجب تاريخي وأخلاقي في كشف الحقائق وتحقيق العدالة، مؤكدة أن لا مستقبل حراً للبلاد من دون إنصاف ضحايا الاختفاء القسري وفي مقدمتهم الصحفيون الذين مثّلوا ضمير الشعب وصوته الحر.
وكشفت الرابطة، عبر مركز الحريات الصحفية، عن توثيق أكثر من ثلاثين حالة اختفاء لصحفيين وصحفيات ما يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم، بينهم من فُقد منذ أكثر من أربعة عشر عاماً، مشيرة إلى أن العدد الحقيقي أكبر بكثير.
وأكدت أن هؤلاء ليسوا مجرد أسماء في قوائم، بل جزء من ذاكرة الثورة ومسيرتها، وأن غيابهم القسري يمثل وصمة عار على جبين النظام البائد، ويضع على عاتق الدولة السورية الجديدة واجب محاسبة الجناة وتعويض الضحايا وعائلاتهم.
وطالبت الرابطة بجملة من الإجراءات العاجلة، في مقدمتها فتح تحقيق شامل وشفاف حول جميع حالات الاختفاء منذ عام 2011 وكشف الحقائق كاملة للرأي العام، والكشف الفوري عن أماكن وجودهم أو أماكن دفن من قضوا وتمكين عائلاتهم من حقوقهم الكاملة في الحقيقة والإنصاف، وإدراج ملف الصحفيين المختفين كأولوية في مسار العدالة الانتقالية وربطه بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
كما دعت إلى محاكمة جميع المتورطين من قادة الأجهزة الأمنية للنظام السابق ومن تستر عليهم أمام قضاء عادل ومستقل، إضافة إلى جبر ضرر عائلات الضحايا مادياً ومعنوياً ورد الاعتبار لهم باعتبارهم شهداء الكلمة الحرة، وتخليد ذكراهم كجزء من الذاكرة الوطنية السورية.
واختتمت الرابطة بالتأكيد على أن لا سلام بلا مصالحة حقيقية، ولا عدالة بلا محاسبة، ولا مستقبل لسوريا من دون إنهاء الإفلات من العقاب، واعتبرت أن الصحفيين السوريين الذين غُيّبوا قسراً سيبقون ضمير الوطن، وأي تجاهل لقضيتهم هو خيانة لقيم الحرية التي خرج السوريون من أجلها، مشددة على أن سوريا الجديدة لن تُبنى إلا بكشف الحقيقة، ولن تستقيم العدالة إلا بإنصاف الضحايا ومحاسبة الجلادين.
وكانت أصدرت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، تقريرها السنوي الرابع عشر الموسع حول جريمة الاختفاء القسري في سوريا، تزامناً مع اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري في 30 آب/أغسطس، بهدف إلقاء الضوء على حجم المأساة الممتدة منذ عام 2011، وما خلّفته من آثار إنسانية وقانونية واجتماعية مدمرة على مئات آلاف الضحايا وعائلاتهم.
بيّن التقرير أن التطورات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما رافقها من إخلاء السجون والمراكز الأمنية، كشفت جانباً إضافياً من حجم الكارثة، حيث خرجت أعداد محدودة من المعتقلين بينما بقي مصير عشرات الآلاف مجهولاً. وأكدت الشبكة أن هذه الوقائع تعكس الطابع الممنهج لجريمة الاختفاء القسري التي استخدمها النظام السابق كأداة لترهيب المجتمع ومعاقبته جماعياً.
وفق قاعدة بيانات الشبكة، لا يزال 181,312 شخصاً على الأقل رهن الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/أغسطس 2025، بينهم 5,332 طفلاً و9,201 سيدة. وتحمّل الشبكة نظام الأسد السابق المسؤولية عن 90% من الحالات المسجلة، ما يعادل 9 من كل 10 مختفين، بينما تتحمل بقية الأطراف المتصارعة مسؤولية النسبة المتبقية، أما حصيلة المختفين قسرياً حصراً، فقد بلغت 177,057 شخصاً، من ضمنهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، غالبيتهم في مراكز احتجاز النظام السابق.
أكد التقرير أن الاختفاء القسري في سوريا لا يقتصر على كونه انتهاكاً فردياً، بل هو جرح إنساني جماعي خلّف تداعيات نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة، وأوضح أن هذه الممارسة، بموجب القانون الدولي، جريمة مستمرة ترقى في بعض السياقات إلى جريمة ضد الإنسانية. وشدد على أن معالجة آثارها تستلزم مقاربة شاملة تشمل كشف الحقيقة، محاسبة الجناة، تعويض الضحايا، وضمان عدم التكرار.