
"الفزعة" في الثورة السورية .. مواقف لا يمكن جمعها في كتب أو مجلدات
"مفهوم الفزعة" عند العرب من المفاهيم الأصيلة والمتجذّرة في الثقافة والمجتمع، ويحمل دلالة قوية على "النجدة والمروءة والتضامن"، خصوصاً في أوقات الشدّة والمواقف الطارئة، وتعني أن يبادر الإنسان لنصرة أو مساعدة شخص آخر دون تردد، ودون انتظار طلبٍ أو مقابل، وقد تكون الفزعة لأسباب إنسانية أو اجتماعية أو حتى في إطار الدفاع أو الثأر، وهي استجابة فورية تُعبّر عن الشهامة والانتماء للمجتمع والعشيرة.
ومعروف عند العرب أنه عندما شخص أو مجموعة يواجهون ظروفاً أكبر من طاقتهم يستعينون بغيرهم طالبين المساعدة، وأشهر كلمة حينها تقال: "الفزعة يا شباب، الفزعة"، للدلالة على أن الأمر مستعجل لا يتحمل التأجيل، وهناك حاجة ملحة للتدخل.
فما إن يطلب الشخص الفزعة، يتفاجأ بأعداد كبيرة من الناس تركت أشغالها وأتت للدعم. لو راجعنا تاريخ الثورة السورية العظيمة لوجدنا أنها قامت على الفزعة ونصرة المستضعفين والمظلومين، ولعل شرارة الثورة السورية كانت قائمة على "الفزعة" عقب اعتقال نظام بشار الأسد أطفالاً صغاراً كانوا قد كتبوا عبارات مناهضة لحكمه الديكتاتوري، وعذبوهم بشدة واقتلعوا لهم أظافرهم. وعندما طالب الأهالي بأولادهم ردَّ عليهم رئيس فرع الأمن السياسي عاطف نجيب، قريب بشار الأسد، بأن ينسوا أطفالهم وأن ينجوا غيرهم، لتنطلق مظاهرات شعبية في مدينة درعا احتجاجاً على ما حصل.
ثم فزعت لها باقي المحافظات وانطلقت المظاهرات ولم يعد بإمكان الديكتاتور الأسد السيطرة عليها، ليتعامل معهم بالنار والبارود، ومن الشعارات التي كان يرددها المتظاهرون :"يا درعا حنا معاكي للموت"، وكل ما كان النظام يزداد استبداداً وعنفاً بتعامله مع المعارضين والمظاهرات، كان الثائرون يزدادون إصرارا وفزعة، ليسطر التاريخ أروع مواقف الفزعة في حياة الثورة السورية، تعجز كتب ومجلدات عن جمعها كلها.
انتقلت الفزعة للمحافظات السورية تباعاً، فكلما وقعت منطقة أو محافظة في ضغط أو حصار وتصعيد، خرجت باقي المناطق الثائرة تنادي بالفزعة والدعم والنصرة لها، ومن ينسى "داريا والغوطة والقصير وفزعة ثوار الشمال لها، ودير الزور وإدلب وحماة وكثير من المناطق السورية، التي كانت محركاً لتتقد شرارة الثورة وتعطي العزيمة أكثر للثوار ليكملوا طريقهم وينصروا إخوانهم.
في المعارك وفي بدايات الأحداث العسكرية، عقب نشر الدبابات وتسير الأرتال، كانت إدلب تفزع لحلب وتصد الأرتال على الطرق الدولية، كان يهرع كل من يستطيع حمل سلاح أو يسعف مصاب، لم يكن هناك تنظيم أو تنسيق، فكل المناطق المحيطة بالحدث تهرع للمساندة وتلبية الفزعة، كذلك الأمر في كثير من المناطق السورية التي ساندت بعضها البعض ولبت نداء الفزعة والاستغاثة.
انشقاق العناصر عن جيش الأسد، ورفضهم قتل أبناء وطنهم، والرضوخ لأوامر الأسد الذي كان يظنُّ أن سوريا مزرعة ورثها عن أبيه، هي من قبيل الفزعة ورفض الظلم وإغاثة المظلوم، فبدأت الانشقاقات منذ الشهر الثاني للثورة، ليكون وليد القشعمي من الحرس الجمهوري في قيادة قاسيون من أوائل الأشخاص المنشقين عن النظام، ثم تبعه جنود آخرون برتب مختلفة.
فيما بعد تأسس الجيش الحر الذي حمل السلاح ضد الديكتاتور وقرر حماية الشعب واستعادة الأراضي المسلوبة، ثم ظهرت جهات أخرى في ساحة المعركة، منها من بقي ومنها من انحلَّ، ومنها انضمَّ إلى قوات أخرى.
واستمر الثائرين بفزعتهم لأبناء بلدهم خلال ما واجهوه من قصف واعتقال وانتهاكات خلال سنوات الحرب، فقاتلوا النظام السابق، منهم من استشهد ومنهم من بقي ماضي على نفس الطريق. حتى انطلقت معركة ردع العدوان في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 2024، لدحر قوات النظام السابق واسترجاع الأراضي المسلوبة.
وخلال المعركة ردع العدوان أعلنت كافة أهالي القرى المسلوبة الفزعة، وعن جاهزيتها للمشاركة في المعركة لحظة الطلب، لدعم قوات الثورة في حربهم مع الديكتاتور وأعوانه، حتى تحررت سوريا من رجس الأسد وحلفائه في الثامن من كانون الأول/ديسمبر عام 2024، بعد احتلال دام لأكثر من نصف قرن.
وحتى بعد خروج الأسد هارباً إلى موسكو وتركه من أيده وأحبه وطبل له طوال السنوات، لم يتعظ الموالون، فتجاهلوا سياسة التسامح التي اتبعتها الحكومة السورية الجديدة مع من لم يتورط بالدماء والإجرام، حاولت فلول النظام في الساحل بتشكيل جماعة مسلحة أطلقت على نفسها اسم درع الساحل القيام بالانقلاب على الدولة، وغدروا بعشرات الجنود من قوات الأمن العام في كمائن، وما إن انتشر الخبر تم الإعلان عن استنفار في مدينة إدلب للتوجه لمساعدة الأمن العام في الساحل. وفزع الثائرون في كافة المحافظات السورية لمواجهة الفلول وإيقافهم عند حدهم، لتبوء مساعيهم بالفشل، فالثورة التي قامت على المحبة والتضحية والفزعة لا يمكن لأحد أن يوقفها.
واليوم في درعا، لاتزال الفزعة حاضرة، إذ لبى المئات من المدنيين نداءات أهالي نوى عقب توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي في حرش تسيل ومحيط مدينة نوى، دون أن يكترثوا لما سيواجهون من قوة عسكرية على الأرض وطائرات في الأجواء ترصد كل حركة، دفع تسعة شبان حياتهم فداء لنصرة إخوانهم تدفعهم النخوة والفزعة ونداءات النفير.