"مجانية الطبابة" كذبة تكشفها جيوب المرضى.. "شام" تسلط الضوء على شلل القطاع الصحي في سوريا ● أخبار سورية

"مجانية الطبابة" كذبة تكشفها جيوب المرضى.. "شام" تسلط الضوء على شلل القطاع الصحي في سوريا

يرزح القطاع الصحي في سوريا في ظل مراحل غير مسبوقة من التدهور وتراجع الرعاية الصحية لا سيّما في مناطق سيطرة النظام الذي يعد السبب الأول في تدمير وانهيار القطاع الصحي، علاوة على قيامه باستغلال ما سلِم من حربه الشاملة ضد الشعب السوري، الأمر الذي ظهر جلياً خلال السنوات السابقة في حين لا يزال يتشدق نظام الأسد وإعلامه بمجانية العلاج وتوفر الخدمات الطبية فما حقيقة ذلك؟.

 

القطاع الصحي يحتضر.. الطبابة تكلّف الملايين

قال "يوسف الأحمد" وهو اسم مستعار لرجل قام بعلاج ابنه في إحدى مستشفيات دمشق، إنه كان يضطر إلى السفر شهرياً من حمص إلى العاصمة بهدف تلقي العلاج موضحاً أن التكاليف الكبيرة التي تفرضها المستشفى تتقارب مع المشافي الخاصة وسط تردي الخدمة الطبية بشكل كبير جداً، وذكر أن ابنه خضع خلال العام الفائت لعملية جراحية "قلب مفتوح" كلفته 12 مليون ليرة سورية، فضلاً عن المعاملة السيئة.

وبيّن "الأحمد" أنه خلال مراجعته لعدد من المستشفيات لاستكمال علاج ابنه لاحظ العديد من معالم انهيار القطاع الصحي، لافتاً إلى أنّ الفساد منتشر بنطاق واسع جداً، وأكد أن عدة مشافي عامة طلبت منه تأمين أدوية وأدوات ومستلزمات طبية، وشكك بأنه تم استخدامها كاملة في مراحل علاج ابنه الذي لا يزال يعاني في ظل تدهور الرعاية الصحية.

ورصد فريق التحرير في شبكة "شام" الإخبارية خلال حديثه مع عدد من ذوي المرضى والمراجعين للمستشفيات والمراكز الصحية ضمن مناطق النظام، ممن كشفوا عن تردي الأوضاع الصحية التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور في عموم مناطق سيطرة النظام، وتحول القطاع إلى تجارة وسط خصخصة وانعدام القطاع العام بشكل كلّي حيث يدفع المواطنين لقاء كافة الخدمات الطبية في المستشفيات الحكومية.

وتسجل أجور المشافي والأطباء أسعاراً فلكية مقارنة بدخل المواطنين، وسط تفاوت ملحوظ وانعدام الرقابة وفي أحدث التقديرات يكلف مريض سرطان الثدي 35 مليون ليرة، ومريض الدم أكثر من 80 مليون ليرة، وبلغت تكلفة الليلة الواحدة وتركيب قسطرتين وشبكتين للمريض 10 ملايين ليرة سورية، في إحدى المشافي الخاصة بمناطق سيطرة النظام.

ويكرر نظام الأسد الحديث عن رفع التعرفة الطبية التي تتراوح عند بعض الأطباء ما بين 5 إلى 10 آلاف ليرة سورية، دون التقيد بها إذ تصل وفق مصادر "شام" إلى حوالي 50 ألف ليرة، في بعض العيادات الخاصة، فيما تتخطى تكلفة عملية الولادة القيصرية المليون ليرة، والجراحة العظمية 5 مليون ليرة، فيما يصل سعر الإقامة لليلة واحدة بالعناية المركزة في بعض المشافي بدمشق أكثر من مليون ليرة سورية.

 

الكوادر الصحية.. رديفة لجيش النظام!

بث تلفزيون النظام في مارس/ آذار 2020، مقابلة مع وزير الصحة السابق "نزار يازجي" وهو ينفي وقتها تسجيل أي إصابة بـ "كورونا"، لأنه اعتبر بأن جيش النظام "طهر البلاد من الجراثيم"، حسب تعبيره، ويتداول موالون للنظام صوراً تظهر الأطباء كأحد الأجزاء الرئيسية للجيش ويتكرر ربط قوات الأسد بعمل الكوادر الطبية.

"جيش ينتصر بالعتاد العسكري على الفيروسات ويكافح الأوبئة" تصريح ليس بمستغرب بل يعكس عقلية النظام في التعامل مع قطاع الصحة، وقد يقصد "يازجي" حينئذٍ من هم على شاكلة الطبيب "علاء موسى" المتهم بارتكاب جرائم تعذيب المعتقلين في المشافي والذي مارس دوره كأحد أفراد الجيش بغطاء الطب قبل توقيفه في ألمانيا حيث يواجه محاكمة هناك.

ورّوج نظام الأسد في عدة مراحل عقب بداية الثورة السوريّة بأن القطاع الصحي والعاملين فيه يتبعون للجيش تارة بشكل كامل ويكملون دوره في عمليات السيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرته تارة أخرى، وسبق أن ظهر عناصر من جيش النظام على متن سيارة إسعاف حيث سخر نظام الأسد القطاع الصحي لقتل وتهجير السوريين، بعد حرمانهم من حقهم بالعلاج وقبله سلبهم حقهم بالعيش الكريم.

 

مسالخ بشرية.. مراكز للعدوى وليس للعلاج

تحولت المستشفيات الطبية أو ما بقي منها إلى مراكز لتوزيع الأمراض ونقل العدوى وليس للعلاج، وراح العديد من المواطنين يصفها بأنها "مسالخ بشرية" ولم تأتي هذه التسمية من فراغ بل تزايدت حالات الإهمال الطبي وسوء المعاملة الذي يلازم القطاع الصحي الحكومي المنهار على يد نظام الأسد.

ومع كل هذه المخاطر بات العلاج على الرغم بأنه حق لجميع البشرية، عبارة عن حلم صعب التحقق في سوريا، وسط تكاليف باهظة للغاية، وتتزايد الحوادث التي توثق سوء تعامل الكوادر الطبية في المستشفيات الخاضعة للنظام منها تسجيل مصور يتعرض فيه أحد المرضى لسيل من الشتائم بعد وفاته.

ومع تكرار تعطّل الأجهزة الطبية في المستشفيات الحكومية يتكبد المرضى تكاليف كبيرة في المراكز الخاصة، لتصل تكلفة صورة الطبقي المحوري إلى 185 ألف ليرة سورية، وقال أحد المرضى في السويداء لموقع محلي إنه عملية تنظير في مركز خاص قيل له قبل العملية إن تكلفتها 80 ألف ليرة، إلا أنه تفاجأ بالمبلغ 350 ألف ليرة سورية.

 

أدوية مفقودة.. السيارات تُكذب التبريرات!

تتفاقم أزمة الأدوية بشكل كبير بمناطق سيطرة النظام ويعتبر قطع الدواء حدث روتيني يترافق مع تصاعد التبريرات الواهية لتبرير فقدان الزمر الدوائية وخصوصاً المزمنة، وفي أحدث الذرائع قال نقيب الأطباء لدى نظام الأسد "غسان فندي" إنه مازال هناك نقص في بعض الأدوية بالمشافي العامة، وزعم أن العقوبات الاقتصادية أثرت في عملية استيراد الأدوية.

ويشمل نقص الدواء حليب الأطفال، في ظل حالة احتكار واضحة وجلية إذ يستغل نظام الأسد حاجة السكان للعلاج والأدوية ويقوم يقطع أصناف من الأدوية بحجة العقوبات، التي باتت كذبة مكشوفة لا تنطلي حتى على الموالين للنظام، لا سيّما ممن يشاهدون السيارات الفارهة والهواتف الحديثة تدخل إلى السوق المحلية دون أي عوائق، ويعتبر ذلك دليلاً على كذب النظام في تبرير شح وغلاء أسعار الأدوية.

وقدر مدير فرع مؤسسة للتجارة الخارجية باللاذقية "محمد الأسد" تأمين الأدوية النوعية المستوردة للقطاع العام بقيمة 20.103 مليار ليرة، فيما تم تأمين أدوية مماثلة للقطاع الخاص بقيمة تقدر بنحو 270 مليون ليرة، وذلك منذ بداية العام وحتى أيلول الماضي، مدعياً العمل على استيراد الأدوية النوعية من "الدول الصديقة".

 

مع هجرة الكوادر.. أخطاء الطب سبب آخر لموت السوريين

انعكست حالة هجرة الأطباء على واقع الرعاية الصحية، وتشير تقديرات إلى أن نسبة هجرة خريجي الطب البشري تصل إلى 40% سنويا، ومن العوامل السلبية التي تؤثر على قطاع الطب انتشار الشهادات الطبية المزورة، والتي وصلت إلى الصيادلة والتمريض، وكل ذلك برعاية وإشراف النظام.

وتتزايد حالات الأخطاء الطبية التي تسجل باستمرار وبشكل متصاعد في مناطق النظام، وتحولت إلى ظاهرة علنية سبق أن بررها نظام الأسد بأنها "تحدث بأي مكان في العالم" وأثبت أرشيف القصر العدلي وجود 700 دعوى مصنفة بين عامي 2014 و2017، حول التسبب بالإيذاء أو الوفاة، بسبب الأخطاء الطبية.

 

مساعدات طبية في جعبة مُدمر المستشفيات الأول!

أعلنت منظمة "الصحة العالمية"، في أيلول الماضي، عن توجه طائرة تحمل إمدادات طبية للتعامل مع تفشي وباء "الكوليرا" وسط معلومات تشير إلى استغلال النظام للدعم المقدم للقطاع الطبي.

وكشفت صحة النظام عن استلامها 40 سيارة إسعاف مجهزة من الصحة العالمية، في آيار 2021 وجاء ذلك بعد استنزاف النظام للقطاع الطبي إذ دمر المستشفيات والمراكز الصحية ومعداتها، فيما تكذب مصادر مزاعم النظام حول تأهيل مراكز صحية وفي الحالات المعلنة يكون مصدر التمويل إما نتيجة مبادرات محلية أو دعم ومنح دولية.

 

واقع الطب شمال سوريا

تتوزع في مناطق شمال غرب سوريا العديد من المشافي العامة والخاصة، وتعاني المنشآت الطبية في الدرجة الأولى إلى تحولها إلى هدف مباشر لقصف النظام وروسيا الأمر الذي ينعكس على واقع الخدمات المقدمة، وعدة عوامل أدت إلى تراجع الخدمات الطبية ومنها نقص الدعم لهذا القطاع ووقف التمويل والمنح.

ويشكو مواطنون في الشمال السوري من نقص الخدمات الطبية وغلاء التكاليف في المشافي الخاصة، وشهد القطاع الصحي مؤخراً موجة احتجاجات وحالة من الإضراب من الكوادر الطبية نظرا لقلة الرواتب والأجور في بعض المدن الرئيسية في الشمال السوري.

وتقول الصحة العالمية إن من بين 4.4 مليون شخص من أولئك الذين يعيشون شمال غرب سوريا 3.1 مليون شخص بحاجة للمساعدة الصحية، وترتبط التحديات الحرجة بزيادة انعدام الأمن والنزوح والفقر وأشارت إلى أن ما يقارب 12.5 مليون شخص في سوريا سيكونون بحاجة للرعاية الصحية في عام 2022 ووجهت نداء لتوفير 257.6 مليون دولار للرعاية الصحية في البلاد.

وفي مناطق شمال وشرق سوريا الخاضعة لسيطرة "الإدارة الذاتية" يعيش قطاع الصحة حالة من التراجع، ويلجأ السكان إلى المشافي الخاصة في كثير من الحالات التي تتعلق بالعمل الجراحي، وسط تكاليف باهظة ومحددة بالدولار الأمريكي، وتقدم بعض المنظمات خدمات طبية وتدعم بعضها مشافي ومراكز صحية ويشكل ذلك أهمية كبيرة للسكان.

 

خسائر قطاع الصحة في سوريا

تشير أحدث التقديرات الصادرة عن إعلام النظام الرسمي قبل أشهر بأن خسائر القطاع الصحي حتى عام 2021، بلغت 476 قتيلاً، و275 جريحاً، و101 مشفى بين أضرار جزئية وكاملة، إضافة إلى تضرر 1783 مركز صحي، لتقدر خسائر القطاع الصحي في عام 2019 بـ 15 مليار دولار، وتكلفة إعادة تأهيله بما يزيد على 30 مليار دولار.

فيما حددت بيانات صحة النظام خسائر القطاع الصحي لعام 2014، بمبلغ 100 مليار ليرة، منها 43 ملياراً خسائر القطاع الحكومي وحده، وتضمنت الخسائر تدمير 41 مستشفى من أصل 92، و674 مركزاً صحياً من أصل 1901، و416 عربة صحية، وتوقفت 11 من أصل 19 شركة دوائية عن العمل، بعدما شهدت البلاد وجود 70 معملاً دوائياً.

وكشف تقرير للجنة الإنقاذ الدولية (IRC) في آذار 2021 حجم الدمار الذي خلفه عقد من الهجمات على المرافق الصحية بسوريا، وخلص التقرير إلى أن البلد الذي كان ينتج في السابق 90% من الأدوية المطلوبة يواجه نقصا كارثيا، ووثقت "منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان" 595 هجوما على الرعاية الصحية منذ 2011، وتشير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" إلى أن عمليات الاستهداف للمراكز الطبية تتم بشكل متعمد وممنهج.

هذا وكشفت طرق تعاطي النظام مع تفشي كورونا والكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي، ومنها نفي وإنكار الوباء أساساً، عن واقع الطب في سوريا، وأما صفحات المشافي ونقابات الأطباء والصيادلة وكل ما يتعلق بالقطاع الصحي على مواقع التواصل لا تكشف مدى التبعية والتشبيح للنظام بدلاً من تقديم المعلومات الطبية فماذا يفيد المريض صورة يومية لبشار الأسد مرفقة بالشعارات الكاذبة، تماما كما كذبة مجانية الطب وتوفر الطبابة في سوريا.