"الجـ ـولاني" واقتناص الفرص .. وعود براقة يتبعها تبرير والهدف: "تملك الثورة"
"الجـ ـولاني" واقتناص الفرص .. وعود براقة يتبعها تبرير والهدف: "تملك الثورة"
● أخبار سورية ٤ يناير ٢٠٢٣

"الجـ ـولاني" واقتناص الفرص .. وعود براقة يتبعها تبرير والهدف: "تملك الثورة"

خرج "أبو محمد الجولاني" القائد العام لـ "هيئة تحرير الشام"، بمقطع فيديو يعلن فيه رفض المباحثات التي تجريها السلطات التركية - المنتشرة قواتها في مناطق سيطرته - مع النظام السوري في موسكو، واعتبر بلسان المتحدث باسم "الثورة" أن هذه المباحثات "تشكل خطراً على الثورة"، متوعداً بمواصلة الإعداد والتجهيز لـ "تحرير دمشق".

هذا الخطاب اعتبره متابعون "إيجابي" في توقيته وموقفه الصريح، مع غياب الموقف الواضح لقيادات الجيش الوطني السوري، وتأخر منصات المعارضة السياسية في تبيان موقفها ولو ببيان رسمي، لكن في الجهة المقابلة هناك من اعتبر أن "الجولاني" يقتنص الفرص، لزيادة شعبيته، مكرراً ذات الوعود التي أخل بها ولم ينفذ منها شيئ وخلق لها التبريرات في خطاباته السابقة.

ويذهب أصحاب الرأي الثاني إلى أن "الجولاني" سبق وخرج بعشرات التصريحات التي تهاجم الدولة التركية، ورفض دخول قواتهم إلى إدلب، لكنه سهل دخولها وتولى حمايتها حتى، وهو الذي أعلن رفض تسيير الدوريات الروسية بإدلب، ولكنه أمن حمايتها، كما أنه رفض مخرجات "سوتشي وأستانا" والهدن التي أبرمت لتجميد القتال، وفصيله أكثر الملتزمين بها .. إلخ.

وأعلن "الجولاني" في كلمته، رفض المباحثات التي تجري بين النظام وحليفه الروسي، مع الجانب التركي، مؤكداً أنها تعد انحرافاً خطيراً يمس أهداف الثورة السورية، وأكد على رفض مبدأ المصالحة مع النظام، ودعا لمواصلة الثورة حتى إسقاط النظام وتحرير دمشق، معتبراً أن المعركة مع النظام معركة حق وباطل، داعياً جميع السوريين إلى "مواجهة التحديات التي تمر بها الثورة السورية".

 

كسب نقاط للسيطرة على مناطق الوطني

وفي سياق الردود على كلمته، قال الكاتب والباحث "أحمد أبازيد" في حديث لشبكة "شام"، إن "الجولاني" أراد أن يؤكد تمثيله للموقف الجذري ضد النظام، مستغلًا انخفاض سقف خطاب المعارضة السياسية وبعض فصائل الجيش الوطني - وليس جميعها - بعد التصريحات التركية.

ورأى "أبازيد أن هذا مفيد لـ "الجولاني" في كسب نقاط في صراعه للسيطرة على مناطق الجيش الوطني، وتبرير حملاته ضد الفصائل، وقد سبق كلمته إشاعات روجتها قنوات محسوبة على "هيئة تحرير الشام" عن لقاءات بين فيلق الشام وضباط من النظام.

ولفت الكاتب إلى أن الهيئة ربما تدرك أنها على المستوى العملي قد تكون ضحية أي اتفاقيات قادمة، بسبب التصنيف الذي لم يُرفع عنها، وبسبب الأطماع الروسية في إدلب، ورغبة النظام بالسيطرة على الطرق الدولية، ولذلك يرى أنه من المهم تصعيد الموقف أكثر لتقوية موقفه وألا يكون هدفًا سهلًا للتصفية أو التجاهل.

 

مأزوم داخلياً بعد فشل غزوه لعفرين

من جهته، قال الصحفي "غسان ياسين"، إن كلمة "الجولاني" موجهة لحاضنته في الدرجة الأولى، بعد الفشل الذي مني به في غزو عفرين، وما خلفته له من أزمات انعكست عليه معنوياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً حتى، وكشفت أنه يفعل مايعيب على الفصائل الأخرى، ويوهم جمهوره أنه يتمتع باستقلالية وصاحب قرار.

واعتبر "ياسين" في حديثه لشبكة "شام" أن "الجولاني" مأزوم داخلياً ويعاني من الفشل، لذلك يحاول اقتناص الفرص، مستغلاً تأخر قوى الثورة في إعلان موقف جمعي من اللقاء التركي الأخير مع النظام، رغم أن "الجولاني" لم يعلن أي موقف لدى تصريح وزير خارجية تركيا عن لقاء وزير خارجية النظام في وقت سابق.

ولفت الصحفي إلى أن "الجولاني" يزاود على الفصائل، ولايمكن التعويل على موقفه، فهو من تبني كل مخرجات "أستانا" وطبقها حرفياً رغم إعلان رفضه الكامل لها، لافتاً إلى أن "الجولاني" يحمل مشروع خاص به، لبناء كيان سني في إدلب، على غرار كيان "حزب الله" في لبنان، و"حماس" في غزة.

 

يؤسس لهزيمته بنبرة خافتة ضد الأتراك

وقال الدكتور والمهتم بالشأن السياسي "محمود السايح"، إن خطاب "الجولاني" شكل نداء إلى الداخل، يدعو فيه إلى التحشيد والوحدة والتعاون معه كطريق أساسي للنجاح، ولم يتطرق  للاجتماع الثلاثي التركي الروسي الأسدي إلا بعبارة مقتضبة توصيفية لاتفسد للود قضية.

ولفت "السايح" في حديثه لشبكة "شام" إلى أن "الجولاني" حول خطابه إلى مناشدة إنسانية تستعطف العالم وتستدر شفقته، بتكرار ذكر التضحيات وتكرار تذكير الجميع بالكيماوي والقصف المتوحش وتأثيرات ذلك على الأطفال.

ورأى الدكتور أن خطاب "الجولاني" يؤسس لهزيمته ويدل على توجهه وركوبه القطار التركي  حتى يصل به إلى دمشق، مشيراً إلى أن خطابه كان خالياً من أي رد على الاجتماع الثلاثي المذكور، وحتى كان منتبها إلى تخفيف  التصعيد في نبرة صوته حين ذكر الجانب التركي.

 

لا انخراط في مشروع لا يضمن فيه مستقبله

من جهته، رأى الكاتب والصحفي "عقيل حسين" أن رسالة "الجولاني" إلى الداخل في هذا الخطاب هي "التماهي مع التوجه الشعبي برفض التصالح مع النظام والذي تعمم التعبير عنه بقوة ووضوح خلال مظاهرات الأيام الماضية في الشمال".

أما الرسالة الخارجية فهي - وفق الكاتب - كانت لتركيا بالدرجة الأولى ومفادها أن "هيئة تحرير الشام" لن تنخرط في أي مشروع سياسي ترعاه أنقرة إذا لم يكن يضمن مستقبل وشراكة الهيئة فيه، وإلا فإنها جاهزة للتصدي لهذا المشروع إذا ما أجبرت على ذلك، موضحاً أن المؤشرات جلية لدى "الجولاني" أن ما تعمل عليه روسيا وتركيا يتجاوزه ولذلك ظهر بهذا الخطاب.

ورأى "حسين" في حديثه لشبكة "شام" أن التعويل على موقف "الجولاني" كقوة على الأرض ممكن في مواجهة المشاريع التي ترتب للشمال السوري، فهي جماعة تمتلك أعداداً كبيرة من المقاتلين المدربين، كما أن لديه مستوى متقدم من التسليح، لكن المشكلة في الإرادة والاستقلالية وهذا محل جدل كما هو معلوم، وفق قوله.

 

صرخة في واد وشركائه يتوجسون غدره

وقسَّم قيادي في الجيش السوري الحر، وهو ضابط منشق ( طلب عدم ذكر اسمه)، خطاب "الجولاني" لشقين اثنين، الأول يحمل رسالة داخلية، أراد توجيهها في خطابه معتبراً أنها السبب الرئيس للخطاب، تهدف لحشد الداخل السوري ودعوته للصادقين للالتفاف حوله والتحالف معه.

واعتبر الضابط المنشق في حديثه لشبكة "شام"، أن هذه الرسالة جاءت على خلفية الغزوة الأخيرة لـ "عفرين" والتي أظهرت معارضة الأتراك لهذا التحرك وشعور الهيئة بأنها تورطت بها، إضافة لفقدان "الجولاني" حلفاء الأمس من الجيش الوطني بعد إعادة ضمهم إلى الفيلق الثاني، وكذلك الاتهامات التي ألمح لها بأنهم فصائل مصالحات.

أما رسالته الخارجية - وفق الضابط المنشق - فرأى أنها لاترقى أن تكون سوى "صرخة في واد"، موجهاً الخطاب للعالم ومبيناً جرائم النظام التي وثقها العالم أكثر منه، مؤكداً أنه لايمكن التعويل على موقف "الجولاني"، لأن ماضيه يخبرك أن حلفائه بالأمس باتوا أعداءً فيما بعد.

ورأى الضابط المنشق لشبكة "شام" أن خطاب "الجولاني" العاطفي كان يمكن أن يؤثر في الحاضنة الشعبية، لولا الغطرسة والأخطاء التي أدت للنقمة والقهر التي يمارسها أتباعه على الناس والتضييق المعيشي الذي زاد من فقرهم.

وعلى المستوى العسكري، أكد الضباط المنشق أن شركاء "الجولاني" في غرفة عمليات "الفتح المبين" لديهم توجس واضح من أن وجودهم الحالي مرهون بمزاج قائد "هيئة تحرير الشام"، وقد ينقلب عليهم لتكريس زعامة يطمح لها ووصائية على الثورة واحتكار لها.

 

بيان سابق مهادن للتوجه التركي

وسبق خطاب "الجولاني" بيان صادر عن "إدارة الشؤون السياسية" التابعة لـ "هيئة تحرير الشام"، اعتبرت فيه أن تنشيط التواصل بين أبرز حلفاء الشعب السوري ممثلاً بالدولة التركية، مع النظام هو تحد سياسي جديد يواجه ثورة السوريين، هدفه إحراز تقدم في ملف اللاجئين قبيل الانتخابات التركية القادمة من جهة وممارسة مزيد من الضغط على قوات "قسد" وأبرز مكوناته حزب العمال الكردستاني من جهة أخرى.

وأشاد بيان الهيئة بوقوف الحكومة والشعب التركي مع الثورة السورية، على الصعيد السياسي والعسكري والإنساني، وذكرت بمواقف النظام في تهديد الأمن القومي التركي لعقود من خلال دعمه لحزب العمال الكردستاني، وإيواء كوادره وأبرز قادته عبد الله أوجلان"، مؤكدة أن هذا النظام لا يملك النوايا الحسنة للمشاركة بإزالة المخاوف والتهديدات الأمنية لصالح سلامة وأمن تركيا فضلا عن عدم قدرته على ذلك.

وعبرت الهيئة عن تفهمها للضغوط التي تواجهها تركيا على المستوى المحلي والدولي وأعلنت التضامن معها، لكنها أكدت رفضها واستنكارها أن يُقرر مصير هذه الثورة بعيدًا عن أهلها لأجل خدمة مصالح دولة ما أو استحقاقات سياسية تتناقض مع أهداف الثورة السورية.

وذكر البيان الدولة التركية بضرورة الحفاظ على قيمها ومكتسباتها الأخلاقية في نصرة المستضعفين والمظلومين، وأكد أن هذه اللقاءات والمشاورات تهدد حياة الملايين من الشعب السوري، ودعا البيان، أبناء الثورة السورية لمواجهة هذا المنعطف وحمل هذه الأمانة العظيمة والعمل على نشر الوعي بخطر "المصالحة" على الشعب السوري في المستقبل القريب.

 

خاتمة:

ووفق متابعين فإن "الجولاني" يَحمل تاريخاً مثقلاً بالانتهاكات و"البغي" على الثورة السورية ومكوناتها، ولايزال يحاول تقديم نفسه على أنه حامل لواء الثورة والحريص عليها، متبنياً خطاباً مغايراً تماماً لما بدأ فيه مسيرته "الجهادية"، منقلباً على كل مبادئه ومعتبراً مشروعه هو "مشروع الثورة الوحيد" الذي يجب أن يفرضه على الجميع بقوة السلاح.

ولطالما طالبت الفعاليات المدنية، من الفصائل العسكرية على رأسها "هيئة تحرير الشام"، عدم الركون للاتفاقيات الدولية، والعمل على استعادة المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام، لكن تلك الدعوات لم تلق آذاناً صاغية، وأثبت "الجولاني" بشكل جلي أن جميع وعوده بالتحرير ذهبت أدراج الرياح، وأن الإعداد العسكري ليس إلا لضرب الفصائل وزيادة الهيمنة على المحرر وتملك موارده.

ويبقى السؤال مفتوحاً عن مدى قدرة "الجولاني" على التكيف مع المتغيرات السياسية الدولية والمناورة للبقاء وهو الفصيل المصنف على قوائم الإرهاب، يربط مصيره بمصير الملايين من السوريين المهجرين من ديارهم، ممن بات يتبنى صوتهم ويوجهه لمصالحه، محاولاً كسب أوراق قوة بيده أمام الأطراف الفاعلة، مع خشية باتت ظاهرة من أن يقود هو بنفسه خط المصالحة مع أي طرف يضمن فيه بقائه ومشروعه، فهو عيب على غيره لكنه حلال في شريعته، وفق ما يقول خصومه.

الكاتب: فريق العمل

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ