تسريبات صيدنايا تنكأ جراح السوريين.. ومطالب بكشف الحقيقة كاملة
تسريبات صيدنايا تنكأ جراح السوريين.. ومطالب بكشف الحقيقة كاملة
● محليات ٢٩ أبريل ٢٠٢٦

تسريبات صيدنايا تنكأ جراح السوريين.. ومطالب بكشف الحقيقة كاملة

أشعلت مقاطع الفيديو المسربة من كاميرات المراقبة داخل سجن صيدنايا العسكري خلال الساعات الماضية موجة غير مسبوقة من التفاعل والغضب والحزن في الشارع السوري، بعدما أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر ملفات الاعتقال دموية وإيلاماً في تاريخ سوريا الحديث، وفتحت الباب مجدداً أمام أسئلة شائكة تتعلق بمصير الأرشيف الكامل للسجن، والجهة التي استحوذت على تسجيلاته، وما إذا كانت تلك المواد تحمل خيوطاً قد تقود إلى كشف مصير آلاف المغيبين.

المقاطع التي ظهرت للمرة الأولى عبر حساب على موقع "فيسبوك" باسم "حيدر التراب" قبل أن تحذف لاحقاً، لم تكن بالنسبة للسوريين مجرد لقطات مصورة من منشأة عسكرية مهجورة، بل بدت كأنها شريط ذاكرة حي يعيد بث الرعب المكتوم في قلوب عشرات آلاف العائلات التي فقدت أبناءها خلف جدران "المسلخ البشري"، وهو الاسم الذي أطلقته منظمات حقوقية دولية على سجن صيدنايا بسبب ما شهده من تعذيب ممنهج وإعدامات جماعية على مدى سنوات على يد نظام الأسد البائد.

ما الذي أظهرته الفيديوهات المسربة؟

بحسب المقاطع المتداولة، والتي تم تحميلها وإعادة نشرها من قبل ناشطين بعد حذفها من الحساب الأصلي، فإن التسجيلات توثق ثلاثة مواقع إدارية وخدمية رئيسية داخل سجن صيدنايا الأحمر، وتعود زمنياً -وفق التاريخ الظاهر في أحد التسجيلات وشهادات معتقلين سابقين- إلى الثاني من كانون الأول/ديسمبر 2024، أي قبل نحو أيام من سقوط نظام الأسد البائد وتحرير السجن.

المقطع الأول أظهر ما تبين أنها غرفة انتظار المعتقلين الخاصة بالمحاكم والزيارات في هذه اللقطة ظهر عدد من السجناء بلباس موحد ذي لون شمعي، يجلسون على الأرض بمحاذاة الحائط في وضعية انتظار وإذعان قسري، بينما بدا أحدهم مصاباً في قدمه، في حين تحرك آخر يُعتقد أنه موقوف عسكري داخل الغرفة دون عصب للعينين.

ومع فتح الباب الحديدي تم استدعاء اثنين منهم للوقوف في وضعية أقرب إلى الركوع، في مشهد أعاد إلى الأذهان الساعات الثقيلة التي كان المعتقلون يعيشونها قبيل سوقهم إلى المحكمة الميدانية أو السماح لهم بلقاء ذويهم.

أما المقطع الثاني فقد وثق غرفة التحكم والمراقبة، حيث ظهر عنصر عسكري من النظام البائد يجلس أمام جدار ضخم من الشاشات التي تبث صوراً من ممرات السجن ومحيطه، في أول توثيق بصري واضح لطبيعة المنظومة الرقابية التي كانت تدير تفاصيل الحركة داخل هذا المعتقل شديد السرية.

في حين أظهر المقطع الثالث غرفة مخصصة لتنظيم زيارات أهالي المعتقلين أو رفضها، وهي الغرفة التي كانت تشرف على إدارة الزيارات لكل من سجن صيدنايا الأحمر الأمني، وسجن صيدنايا الأبيض القضائي العسكري وظهر في المشهد عنصر بلباس عسكري يتحدث مع رجل وسيدة عبر نافذة تحيط بها القضبان، موجهاً إليهما أسئلة عن اسم المعتقل ودرجة القرابة، في صورة تختصر سنوات من الإذلال النفسي الذي عاشته العائلات خلال رحلات البحث عن دقائق معدودة لرؤية أبنائهم.

معتقلون سابقون يحددون هوية المواقع بدقة

الناشط والمعتقل السابق حمزة نضر كان من أوائل الذين خرجوا لتفسير المقاطع، مؤكداً أن المواقع الظاهرة فيها حقيقية وتعود بالفعل إلى مرافق سجن صيدنايا الأحمر.

وأوضح نضر أن غرفة الانتظار التي ظهرت في المقطع الأول دخلها شخصياً مرتين عام 2015؛ الأولى عند انتظاره زيارة عائلته، والثانية حين جرى تجميعه مع معتقلين آخرين قبل سوقهم إلى المحكمة الميدانية العسكرية.

وروى أن هذه الغرفة كانت تشهد قبل كل زيارة أو محاكمة عمليات تعنيف وإهانة ممنهجة، وصلت في حالته إلى حلق أحد حاجبيه وترك الآخر كما هو قبل إدخاله لمقابلة ذويه وفي شرحه للمقطع الثاني، قال نضر إن غرفة التحكم تقع في المبنى الإداري الملاصق للسجنين الأحمر والأبيض، مشيراً إلى أنه لم يكن يعلم تفاصيلها خلال اعتقاله سوى مما تناقلته الشهادات، لأن الكاميرات لم تكن ظاهرة بشكل مباشر في الأجنحة التي احتُجز فيها آنذاك.

أما بخصوص المقطع الثالث، فأكد أن الغرفة الظاهرة هي القسم المسؤول عن تنظيم الزيارات أو رفضها، وهي المكان ذاته الذي كان يجبر فيه الأهالي على شراء كميات كبيرة من الطعام والمنظفات والمستلزمات للمعتقلين، قبل أن يجري الاستيلاء عليها في معظم الأحيان من قبل السجانين دون أن تصل إلى أصحابها.

وأضاف نضر أن البدلات الشمعية التي يرتديها المعتقلون لم تكن مستخدمة خلال فترة وجوده في السجن عام 2015، لكنها بدأت تُعتمد لاحقاً في عام 2016، ما يرجح أن التسجيلات تعود إلى الأشهر الأخيرة قبل تحرير السجن.

وتفاعل ناشطون ورواد مواقع التواصل الاجتماعي مع المشاهد المسربة من سجن صيدنايا، حيث عبّر الصحفي كرم الخطيب عن صدمة عاطفية عميقة إزاء الفيديو المتداول، معتبرًا أن المقطع لا يقتصر على كونه توثيقًا بصريًا، بل يمثل استدعاءً مؤلمًا لذاكرة جماعية لم تُطوَ بعد.

وأشار إلى أن هذه المشاهد تعيد إحياء معاناة آلاف الضحايا، وتؤكد أن ملف العدالة ما يزال مفتوحًا، مشددًا على أن الذاكرة المرتبطة بالسجن ليست عبئًا بل مسؤولية أخلاقية مستمرة.

وفي سياق متصل، ظهر الناشطان عمر نزهت وحمزة عباس في مقطع مصور، حيث تحدث عباس عن بشرى للسوريين تتعلق بوصول مقاطع سجن صيدنايا إلى أيدٍ أمينة مؤكدًا أن المواد باتت في طريقها إلى الجهات المختصة.

من جهته، أوضح نزهت عبر منشور على فيسبوك أنهم ساهموا في الحفاظ على جزء من أرشيف السجن، لافتًا إلى أن بعض هذه المقاطع تم نشرها بالفعل، بدوره، نشر الناشط هادي طاطين توضيحًا أكد فيه أن نزهت وعباس لم يكونا الجهة التي احتفظت بالمقاطع في الأصل، بل قاما بجهد تطوعي لتعقب الحساب الذي نشر المواد، ومن ثم الحصول عليها وتسليمها للجهات المعنية.

في شهادة مؤثرة، روى عبد الرحمن الحريري تجربته الشخصية خلال زياراته لوالده قبل إعدامه داخل السجن، واصفًا رحلة الزيارة بأنها سلسلة من الإجراءات القاسية تبدأ من الحواجز الأمنية والتفتيش المشدد، مرورًا بساعات طويلة من الانتظار، وصولًا إلى تفتيش مهين وإهانات متكررة داخل المنشأة.

وأشار إلى أن الزيارات كانت تتم وسط رقابة صارمة وكاميرات مراقبة وتعليمات تمنع البكاء أو طرح أسئلة مفتوحة، لافتًا إلى أن الأموال التي تُطلب من الأهالي أثناء الزيارة لم تكن تصل إلى المعتقلين، بل كانت تُستغل داخل المنظومة الأمنية نفسها.

وفي السياق ذاته، دعا الدكتور عماد كنعان إلى محاسبة المتورطين الذين ظهروا في المقاطع المسربة، معتبرًا أن أسمائهم وصورهم معروفة سابقًا لدى الرأي العام، لكنهم لا يزالون خارج نطاق العدالة، ما يثير تساؤلات حول تأخر المساءلة.

من جهته، عبّر صبحي البصاص عن صدمة إنسانية عميقة، واصفًا ما ظهر بأنه مشاهد تختزل معاناة قاسية عاشها المعتقلون، حيث يتم تدمير الإنسان نفسيًا وجسديًا داخل بيئة قمعية.

وتساءل عن مصير عدد من الأسماء التي ارتبطت بملفات إعدام وتعذيب، في ظل غياب معلومات واضحة عنهم حتى الآن، معتبرًا أن ما يجري يستدعي فتح ملف العدالة بشكل جاد وشامل.

في المقابل، دعا قصي تيزيني إلى التعامل بحذر مع توقيت نشر المقاطع، محذرًا من إعادة فتح جراح العائلات التي لا تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها، ومؤكدًا ضرورة حسم ملف المفقودين بشكل نهائي بما يضمن كشف الحقائق أو تحديد أماكن الرفات.

كما اعتبر كاظم آل طوقان أن الجدل المثار حول المقاطع يستغل سياسيًا في اتجاهات متعددة، داعيًا إلى التمسك بالاستقرار وعدم الانجرار خلف ما وصفه بمحاولات إعادة إنتاج الفوضى تحت عناوين مختلفة.

أما تامر تركماني، فدعا إلى التوقف عن تداول المقاطع بشكل واسع، مشيرًا إلى الأثر النفسي العميق على عائلات المعتقلين الذين قد يبحثون في كل مشهد عن أي أثر لأبنائهم المفقودين، مؤكدًا أن الملف ما يزال مفتوحًا وأن مصير العديد من المعتقلين لم يُحسم بعد.

وفي سياق متصل، أشار فايز الدغيم إلى أن المقاطع قد تم الحصول عليها من تسجيلات كاميرات مراقبة داخل السجن بعد أحداث سابقة، معتبرًا أن توقيت نشرها وأهدافه لا يزالان غير واضحين، محذرًا من تحويل معاناة الضحايا إلى مادة استهلاكية على منصات التواصل الاجتماعي.

وكانت أعلنت وزارة الداخلية السورية يوم السبت 23 آب/ أغسطس، عن إلقاء القبض على ثلاثة من السجانين المتورطين في انتهاكات داخل معتقل صيدنايا العسكري، وهم ماهر إبراهيم من تلكلخ، وحيان علي داوود من خربة تين نور، ورمضان علي عيسى من خربة تين نور بريف حمص.


وبثّت الوزارة اعترافات للمقبوض عليهم كشفوا خلالها عن مشاركتهم في عمليات تعذيب وتصفية معتقلين، إلى جانب ممارسات وحشية وغير إنسانية.


في أحد الاعترافات، قال أحد المقبوض عليهم إنه فُرز إلى سجن صيدنايا في الأول من تموز عام 2019 بقرار من فرع المخابرات الجوية 227، وبعد فترة وصل حكم بإعدام ستة أشخاص وكان أحد المنفذين. وأوضح أنه كان يتم تعليق المعتقلين على ما يُعرف بالجنازير، حيث يتناوب خمسة أو ستة سجانين على تعذيبهم حتى الموت، فيما كان يُترك البعض أياماً من دون طعام أو ماء حتى لا تفوح رائحة جثثهم بعد الإعدام.

وكشفت شهادات أخرى عن مشاهد مأساوية، حيث تحدث أحد المقبوض عليهم عن غرفة ضمت مئتي معتقل نُفذ فيهم حكم الإعدام، قبل أن تُنقل جثثهم إلى مشفى حرستا حيث كانت تُرقم ولا يُعرف مصيرها، كما أشار إلى أن ضابطاً كان يحقن المرضى بإبر تؤدي إلى وفاتهم بعد دقائق، في إشارة إلى استخدامها كوسيلة قتل مباشر.

الكاتب: فريق العمل - محمد العلي
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ