مع اقتراب العيد… مأساة أمهات المختفين قسرياً ما تزال مستمرة
مع اقتراب عيد الفطر، تلك المناسبة التي تحمل الفرح للكثير من السوريين، يتجدد الوجع في قلوب العديد من العائلات، خاصة تلك التي لا تزال تفتقد أفرادها المخطوفين والمفقودين، وما يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم.
خلال التحضيرات لاستقبال العيد، تتذكر الأمهات أبنائهن المفقودين في كل تفصيل وكل لحظة، ويملأهن الحزن والحسرة على غيابهم عن أجواء العيد التي كانت يتمنين أن يشاركوهم فيها، فتظل فرحة الاحتفالات ناقصة بلا حضورهم، وتزداد معاناتهن مع كل ذكرى صغيرة أو طقس يومي يذكّرهن بفقدان أحبائهن.
وتعد قضية الاختفاء القسري واحدة من أكثر الملفات الإنسانية حساسية وتعقيداً، خاصة أن آلاف الأشخاص اختفوا خلال سنوات الثورة السورية وما يزال مصيرهم مجهولاً حتى الآن، ولا تعرف عائلاتهم عنهم أي شيء، ما يضعها في حالة من القلق المستمر ويترك فراغاً عاطفياً واجتماعياً كبيراً في حياتهم اليومية.
عانت كثير من العائلات السورية من تداعيات الإخفاء القسري بعد فقدان أبنائها، الذين تعرضوا للاعتقال من قبل نظام الأسد خلال سنوات الثورة، وعاشت رحلة صعبة خلال محاولاتها البحث عنهم، فمنها من دفع رشاوى وأموالاً باهظة وحاول التواصل مع الأفرع والعساكر، ومنهم من زار المعتقلين الذين يُفرَج عنهم على أمل العثور على أثر لأبنائهم، بينما تمكن بعضهم من الوصول إلى خبر عن أبنائهم، وما تزال أسر أخرى تنتظر بلا جدوى.
رغم سقوط نظام الأسد البائد، السبب الرئيسي لهذه المعاناة، لا يزال آلاف المختفين قسرياً خارج نطاق الوصول إليهم، ما أدخل العائلات في فصل جديد من الألم والانتظار المستمر.
وبحسب إحصاءات صادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، سُجّل ما لا يقل عن 181,244 حالة احتجاز واختفاء، من بينهم 5,332 طفلاً و9,201 امرأة، وذلك خلال الفترة الممتدة من آذار 2011 حتى حزيران 2025.
ويُعدّ 177,021 من هؤلاء في عداد المختفين قسرياً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 امرأة، في حين وثّقت الشبكة حتى حزيران 2025 ما لا يقل عن 45,342 حالة وفاة نتيجة التعذيب أو ظروف الاحتجاز القاسية، تُنسب أكثر من 99 بالمئة منها، أي 45,032 حالة، إلى مراكز احتجاز النظام البائد.
وخلال الأشهر الماضية، نظم الأهالي وقفات احتجاجية، رفعوا خلالها لافتات وصوراً لأفراد من عائلاتهم المفقودة، مطالبين بالكشف عن مصيرهم وتسليط الضوء على معاناتهم المستمرة.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر مرسومين رئاسيين بتاريخ 17 أيار/مايو 2025، قضى أحدهما بإنشاء "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" والآخر بـ"الهيئة الوطنية للمفقودين"، بهدف التصدي للإرث الثقيل من الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في ظل النظام البائد، والعمل على كشف مصير أكثر من مئة ألف مفقود.
وتعمل اللجنة الوطنية للمفقودين على تجميع المعلومات، توثيق الحالات، بناء قاعدة بيانات، وتنسيق الجهود مع الجهات ذات الصلة، بينما لجنة العدالة الانتقالية مُكلَّفة باستراتيجيات كشف الحقيقة والمحاسبة والتعويض لضمان حقوق الضحايا وآليات عدم تكرار الانتهاكات.
إلا أن المعاناة ما زالت قائمة، وفي إحدى القصص التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي تبرز قصة آمنة محيي الدين، أم سورية فقدت أربعة من أبنائها في شهر كانون الثاني عام 2014، على حاجز "علي الوحش"، وهم: محمد عمره تسع سنوات، فاطمة سبع سنوات، مريم سنتين، وميمونة الشام عشرة أشهر.
منذ أن فقدتهم وهي تبحث عنهم، لم تدع مكاناً إلا وبحثت فيه: في دور الأيتام، وزارة الشؤون الاجتماعية، الهلال الأحمر، الصليب الأحمر، السفارات، محكمة الإرهاب، القابون، القضاء العسكري، ولم أعثر عليهم.
وفي مداخلة لها خلال المؤتمر الصحفي الأول للجنة التحقيق في مصير أبناء المعتقلين والمعتقلات والمغيبين قسراً، بالعاصمة السورية دمشق، قالت إنها ترفض أن توفي أبنائها قبل أن تتأكد من ذلك لو حتى ترى عظمة لهم
تمثل معاناة السيدة أمينة جانباً من معاناة العديد من الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن قسرياً، حيث بات سقف أحلامهن يقتصر على كشف مصير أبنائهن المفقودين، والوصول إلى مكان دفنهم، والحصول على قبر يتمكنّ من زيارته، بما يضع حداً للتساؤلات المستمرة في أذهانهن وينهي سنوات الانتظار المثقلة بالألم والمعاناة.
ومع اقتراب عيد الفطر، تتجدد مشاعر الألم والمأساة في قلوب الأمهات اللواتي فقدن أبنائهن قسرياً قبل سنوات، وبقي مصيرهم مجهولاً دون أي معلومة عن مكانهم أو قبر يتيح لهن زيارته ووضع حد للانتظار والتساؤلات المستمرة، ما يعيد إلى الواجهة المعاناة الإنسانية التي عاشتها هذه العائلات طوال السنوات الماضية، وتؤكد الأمهات وعوائل الضحايا اليوم على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وكشف الحقيقة لضمان العدالة ووضع حد لهذه المأساة التي لا تزال تلقي بظلالها على المجتمع السوري.