عندما يعاند الطفل باستمرار.. ما الذي يقف خلف هذا السلوك؟
مع تكرار ملاحظات الأهل حول عناد الأطفال في البيت أو المدرسة، صار هذا السلوك يلفت الانتباه بشكل أكبر، خاصة عندما يظهر في مواقف يومية بسيطة كرفض تنفيذ التعليمات أو الإصرار على تصرف معين، هذا الأمر يضع كثيراً من الأهالي أمام تساؤلات حول طبيعته، ولماذا يظهر بهذا الشكل عند بعض الأطفال دون غيرهم، وما إذا كان مرتبطاً بمرحلة عمرية عابرة أم بعوامل أخرى تتعلق بطريقة التعامل أو بالبيئة المحيطة.
في هذا السياق، قالت المرشدة نفسية مروة السيد علي في تصريح خاص لـ شبكة شام الإخبارية، إن كثيراً من الأهالي يفسرون رفض الطفل الاستماع إلى كلامهم على أنه عناد، مؤكدة أن هذا الاعتقاد شائع ويرتبط بدرجة وعي الأهل بخصائص كل مرحلة عمرية، وأوضحت أن عدم استجابة الطفل للأوامر لا يعني دائماً وجود مشكلة سلوكية، بل قد يكون في كثير من الأحيان جزءاً طبيعياً من تطور شخصيته ورغبته في الاستقلال.
وأضافت أن هذه السلوكيات تظهر غالباً بين عمر السنتين إلى ثلاث سنوات، حيث يبدأ الطفل بإظهار ميل واضح للاعتماد على نفسه، كالإصرار على تناول الطعام بمفرده أو المشي دون مساعدة، مبينة أن هذه التصرفات تعكس نمواً طبيعياً في شخصيته، وذكرت أن العناد يُقصد به رفض تنفيذ التعليمات مع الإصرار على الرأي أو الطريقة، دون تقبل فرض أسلوب معين عليه وذلك بشكل دائم وبكل المواقف.
وأشارت إلى أن هذا السلوك لا يرتبط دائماً بالرغبة في التحدي، لافتة إلى أن بعض المواقف اليومية توضح ذلك، مثل رفض الطفل مغادرة مكان يستمتع فيه، إذ يكون السبب في كثير من الأحيان صعوبة الانتقال من نشاط ممتع إلى آخر، بسبب محدودية قدرته في هذا العمر على تنظيم انفعالاته والتنقل بين الأنشطة بسهولة، وأكدت أن فهم هذه النقطة يساعد الأهل على التعامل مع الموقف بهدوء أكبر.
وبينت أن طريقة تعامل الأهل مع هذه السلوكيات قد تزيد من حدتها، خاصة عندما يتم تفسيرها بشكل خاطئ أو التعامل معها بعصبية، وأضافت أن كثيراً من الأهالي يواجهون مشكلة رفض أطفالهم تناول بعض الأطعمة، ويعتبرون ذلك عناداً، في حين أن هذا السلوك قد يكون طبيعياً ويرتبط بتغير التفضيلات الغذائية مع الوقت، موضحة أن الطفل قد يرفض نوعاً معيناً في مرحلة ما، ثم يبدأ بتقبله لاحقاً.
ولفتت إلى أن اختلاف التفضيلات الغذائية لا يقتصر على الأطفال، بل هو أمر طبيعي لدى الجميع، مؤكدة أنه لا ينبغي تفسير كل رفض على أنه مشكلة سلوكية. وأوضحت أن تجاهل التعليمات قد يكون مرتبطاً أيضاً بأسلوب التربية، وليس فقط بطبيعة الطفل.
وأفادت بأن كثرة الأوامر من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى ضعف استجابة الطفل، حيث إن تلقي عدد كبير من التعليمات خلال وقت قصير يسبب له ارتباكاً أو توتراً، ما يدفعه إلى تجاهلها، وذكرت أن بعض الأطفال يحتاجون إلى تعليمات واضحة ومحددة، لذلك من الأفضل توضيح المطلوب منهم خطوة بخطوة بدلاً من استخدام عبارات عامة قد لا يفهمونها.
وأكدت أن حاجة الطفل إلى الاستقلال تزداد مع تقدمه في العمر، وقد يرفض المساعدة أحياناً ليس بدافع العناد، بل لرغبته في إنجاز الأمور بنفسه، وهو ما يعد جزءاً طبيعياً من نموه، ونوهت إلى أن بعض الأطفال قد يلجؤون إلى سلوكيات سلبية لجذب الانتباه، خاصة عندما يلاحظون أن هذه السلوكيات تحقق استجابة أسرع من السلوك الإيجابي.
وأوضحت أن هناك أسباباً نمائية أو نفسية قد تكون وراء عدم الاستجابة، مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، حيث يسمع الطفل التعليمات لكنه قد ينسى تنفيذها بعد وقت قصير، وبينت أن التمييز بين السلوك الطبيعي والسلوك المقلق يعتمد على ثلاثة معايير أساسية هي شدة السلوك ومدته وتكراره.
وأضافت أن بعض التصرفات، مثل رفض تنفيذ بعض التعليمات أو الغضب عند الخسارة، تعد طبيعية في مراحل النمو، لكنها تصبح مقلقة عندما تتكرر بشكل يومي أو تستمر لفترات طويلة، أو تترافق مع سلوك عدواني أو رفض دائم لكل التعليمات، ولفتت إلى أن إيذاء الطفل لنفسه أو تراجع أدائه قد يكون مؤشراً مهماً يستدعي الانتباه.
وشددت على ضرورة عدم التسرع في وصف الطفل بالعناد، إذ قد تكون هناك أسباب أخرى وراء سلوكه تحتاج إلى تقييم من مختص، خاصة إذا استمر السلوك لفترة طويلة أو ترافق مع مؤشرات نفسية واضحة، وأوضحت أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الأهالي الصراخ المستمر، مبينة أن الطفل يعتاد على هذا الأسلوب ولا يعود محفزاً للاستجابة، كما أشارت إلى أن التهديد دون تنفيذ يفقد التعليمات قيمتها، لأن الطفل يدرك أن هذه التهديدات لا يتم تطبيقها.
وأضافت أن إعطاء عدد كبير من الأوامر دفعة واحدة يمثل عبئاً على الطفل، لذلك من الأفضل تقسيم المهام إلى خطوات متتالية وواضحة، وأفادت أن اختلاف أسلوب التربية بين الأب والأم قد يزيد من صعوبة الموقف، حيث يميل الطفل إلى الاستجابة للطرف الأكثر تساهلاً.
وأكدت أن تجاهل السلوك الإيجابي من الأخطاء الشائعة، مشددة على أهمية تعزيز التصرفات الجيدة بالكلمات والتشجيع، لأن ذلك يساعد في بناء سلوك إيجابي لدى الطفل، وأوضحت أن العلاقة القائمة على الاحترام والوضوح والثبات تعد أساساً مهماً في تحسين استجابة الطفل.
وأشارت إلى أهمية جذب انتباه الطفل قبل إعطائه التعليمات، والتحدث معه بشكل مباشر، لأن إعطاء الأوامر من بعيد لا يحقق استجابة فعالة، ولفتت إلى أن إعطاء الطفل خيارات بدلاً من فرض الأوامر يخفف من مقاومته ويعزز شعوره بالاستقلال.
وبينت أن التعليمات يجب أن تكون قصيرة وواضحة حتى يتمكن الطفل من فهمها وتنفيذها، مؤكدة أن العواقب يجب أن تكون منطقية ومرتبطة بالسلوك نفسه، مع الالتزام بتطبيقها بشكل ثابت.
وأضافت أن الأهل يمثلون قدوة لأطفالهم، حيث يتعلم الطفل من خلال ملاحظة سلوكهم، وقد يتأثر بالتناقض بين ما يُطلب منه وما يراه، وأفادت أن اختيار الوقت المناسب لتوجيه الطفل يعد عاملاً مهماً، إذ يفضل تجنب إعطاء التعليمات عندما يكون الطفل متعباً أو غاضباً، والتركيز أولاً على تهدئته.
وأكدت في ختام حديثها أن التعامل الصحيح مع الطفل لا يعتمد فقط على إصدار التعليمات، بل على فهم احتياجاته النفسية وطبيعة مرحلته العمرية، مشددة على أن بناء علاقة صحية قائمة على التفاهم والاحترام يسهم بشكل كبير في تحسين سلوكه واستجابته.