التعلق الزائد لدى الأطفال… بين الحاجة إلى الأمان وتحديات الاستقلال
التعلق الزائد لدى الأطفال… بين الحاجة إلى الأمان وتحديات الاستقلال
● مجتمع ١٦ يوليو ٢٠٢٦

التعلق الزائد لدى الأطفال… بين الحاجة إلى الأمان وتحديات الاستقلال

في ظل تزايد تساؤلات الأهل حول سلوكيات الأطفال المرتبطة بالارتباط الشديد بأحد الوالدين، وما إذا كانت هذه الحالة طبيعية أم تستدعي القلق، يبرز موضوع التعلق الزائد كأحد القضايا التي تمس الصحة النفسية للطفل وتؤثر في نموه العاطفي والاجتماعي. 

في هذا السياق، قالت د. رشا عبد الرحيم، الحاصلة على دكتوراه في علم نفس الطفل والتربية المبكرة في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها تعمل في تصميم وتنفيذ برامج الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والمعلمين والأسر، مع تركيز خاص على بناء المرونة النفسية وتعزيز التعلق الآمن في البيئات الطبيعية وبيئات الأزمات، مؤكدةً إيمانها بأن علاج المشكلات النفسية لا يبدأ من العيادة فقط، بل من المنزل والمدرسة، عبر ممارسات يومية بسيطة مدعومة بالأدلة العلمية.

وأضافت أن التعلق ليس مشكلة بحد ذاته، بل هو أساس الصحة النفسية، موضحةً أنه وفقًا لنظرية التعلق، يولد الطفل مزودًا بحاجة فطرية للبحث عن "شخص آمن" يلجأ إليه، وأن المشكلة لا تكمن في قوة التعلق، وإنما في نوعيته، حيث يمنح التعلق الصحي الطفل الشجاعة لاستكشاف العالم، بينما يجعل التعلق الزائد الشخص الذي يمنحه الأمان يتحول إلى "عكاز نفسي" لا يستطيع الطفل التحرك بدونه.

وأشارت إلى أن الأمر يصبح مقلقاً عندما يستمر الخوف من الانفصال بعد العمر المتوقع، أو يعيق الذهاب إلى المدرسة أو النوم أو اللعب أو تكوين العلاقات، أو يسبب نوبات هلع وبكاء شديداً عند غياب الوالد.

ونوهت إلى أن السبب في التعلق المفرط لا يكون غالباً الطفل نفسه، بل البيئة المحيطة به، مبينةً أن من أبرز هذه الأسباب الحماية الزائدة، وقلق الوالدين وانتقاله إلى الطفل، وغياب الروتين الواضح، والتعرض لصدمات أو نزوح أو فقدان، وعدم منح الطفل فرصاً لاتخاذ القرار، أو شعوره بأن حب والديه مشروط بقربه الدائم منهما، مضيفةً: "كلما زاد اعتمادكم على أنفسكم أمام الطفل، زادت قدرته على الاعتماد على نفسه."

وبيّنت عبد الرحيم أن هذا التعلق قد يظهر في السلوك اليومي بأشكال متعددة، ليس فقط بالبكاء، بل أيضاً بالتصاق الطفل المستمر بوالدته، أو مراقبتها في كل مكان، أو رفضه اللعب منفرداً، أو تكرار سؤاله: "متى ستعودين؟"، أو شكواه الجسدية قبل المدرسة كآلام البطن والصداع دون سبب عضوي، معتبرةً أن ذلك في كثير من الأحيان تعبير نفسي عن قلق الانفصال.

ولفتت إلى أهمية الاستماع إلى مشاعر الطفل وتعويده التعبير عنها بوضوح دون مقاطعة، مع إظهار الاهتمام الحقيقي بما يشعر به، لما لذلك من دور في تخفيف القلق وتعزيز الشعور بالأمان.

وذكرت أن استمرار التعلق الزائد لفترة طويلة قد يضعف الكفاءة الذاتية لدى الطفل، فيبدأ بتكوين رسالة داخلية تقول: "أنا لا أستطيع وحدي"، ومع الوقت قد تظهر صعوبات في تكوين الصداقات، وضعف تحمل الإحباط، والخوف من التجارب الجديدة، وزيادة احتمالية الإصابة باضطرابات القلق مستقبلاً.

وتحدثت الدكتورة لـ "شام" عن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأهل، مشيرةً إلى أن من أبرزها إهمال مشاعر الطفل أو عدم تخصيص وقت لسماعه، وانتقال قلق الأهل إليه دون قصد، والتسلل من المنزل دون وداع ظناً أنه يخفف البكاء، بينما يهدم شعور الطفل بالأمان، إضافة إلى الاستجابة الفورية لكل بكاء بإلغاء الانفصال، ووصف الطفل بالحساس أو الجبان أمام الآخرين، وجعله محور حياة الأسرة بالكامل، وإرسال رسائل متناقضة كأن يُطلب منه أن يكون شجاعًا مع منعه من تجربة أي شيء جديد.

وأوضحت أن مساعدة الطفل بشكل صحيح تقوم على ما تسميه "بناء عضلة الاستقلال"، مشددةً على أن الاستقلال مهارة تُدرَّب وليس صفة يولد بها الطفل، وأن الروتين الواضح يساعد على ذلك.

واستعرضت مجموعة من الأنشطة التي أثبتت نجاحها، مثل "سلم الشجاعة" القائم على تقسيم مواقف الانفصال إلى خطوات صغيرة مع مكافأة كل نجاح، و"علبة الطمأنينة" التي يضع فيها الطفل ما يمنحه شعوراً بالأمان عند غياب الوالد، و"لعبة تبادل الأدوار" لفهم مشاعر الانفصال بطريقة آمنة، إلى جانب "تحديات الاستقلال اليومية" كترتيب السرير أو شراء غرض بسيط أو اللعب.

وأكدت أهمية أدوات أخرى مثل "جواز سفر الشجاعة" الذي يحصل فيه الطفل على مكافآت عند تحقيق مواقف استقلالية، و"مقياس الشجاعة" لتقييم مستوى الخوف قبل وبعد التجربة، و"صندوق الرسائل المؤجلة" لتعزيز الارتباط دون اعتماد مباشر، و"تحدي الدقيقة الذهبية" الذي يعتمد على التدرج في الانفصال، و"ساعة العودة المرئية" لمساعدة الطفل على فهم الزمن بصرياً.

وشددت على أن الهدف ليس أن يتوقف الطفل عن التعلق بوالديه، بل أن يحمل شعور الأمان معهما حتى في غيابهما، موضحةً أن ذلك هو ما يصنع طفلاً مستقلاً وواثقاً وقادراً على مواجهة الحياة.

وأفادت بوجود ملاحظة مهمة للأم غير العاملة، مفادها أن كثرة الوقت مع الطفل لا تعني بالضرورة بناء تعلق صحي، إذ تعتمد جودة العلاقة على طبيعتها أكثر من عدد ساعاتها، مؤكدةً أن الطفل لا يحتاج أماً موجودة طوال الوقت بقدر ما يحتاج أماً تمنحه شعوراً بالأمان حتى عندما لا تكون بجانبه.

وأضافت أن ما تسميه "الحضور الذكي بدل الحضور المستمر" يمكن تحقيقه من خلال تخصيص وقت يومي للعب النوعي دون مشتتات، ثم السماح للطفل باللعب مستقلاً،وعدم التدخل المباشر لحل كل مشكلة، وتشجيعه على قضاء وقت مع الأب أو أحد أفراد الأسرة، إضافة إلى تكليفه بمهام صغيرة تعزز شعوره بالكفاءة.

وأشارت إلى أن التعلق الزائد قد يكون أحياناً انعكاساً لشخصية الطفل نفسه، إذ يولد بعض الأطفال بحساسية انفعالية أعلى من غيرهم ويحتاجون إلى انتقال تدريجي نحو الاستقلال، مؤكدةً ضرورة عدم المقارنة بين الأطفال، لأن لكل طفل مزاجه واحتياجاته النفسية الخاصة حتى وإن نشؤوا في المنزل نفسه.

يبقى التعامل مع تعلق الطفل بحاجة إلى وعي وتوازن، يراعي احتياجاته العاطفية دون أن يحدّ من فرص نموه واستقلاله، وبين دور الأسرة في توفير بيئة آمنة، وأهمية الممارسات اليومية الداعمة، تتشكل ملامح علاقة صحية تساعد الطفل على التدرّج بثقة نحو الاعتماد على نفسه، وفق ما يناسب طبيعته الفردية واختلاف احتياجاته.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ