صورة تم إعادة تصميمها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم إعادة تصميمها بالذكاء الاصطناعي
● مجتمع ٢١ مارس ٢٠٢٦

طقس العيدية في سوريا: ما بين الحفاظ على التراث الثقافي وإضفاء الفرحة على أجواء العيد

تحتلّ العيدية مكانة بارزة ضمن طقوس عيدي الفطر والأضحى في المجتمعات العربية، ومن بينها سوريا، إذ اعتادت العائلات على تقديمها على شكل مبالغ مالية أو هدايا رمزية بين أفراد الأسرة والأقارب والمعارف، في تقليد اجتماعي متوارث يعكس المودة ويضفي على أيام العيد مزيداً من البهجة.

وعلى مستوى الأفراد، ينتظر الأطفال هذه الأعياد بفارغ الصبر لتلقي العيدية من البالغين، ليجمعوا ما يحصلون عليه من مبالغ ينفقونها لاحقاً على الحلوى والألعاب وغيرها من الأمور التي تستهويهم في هذه المرحلة العمرية، أو يخبئونها عند أمهاتهم ليستخدموها لاحقاً لشراء ما يحتاجونه.

ولا تقتصر فرحة العيدية على الصغار فقط، إذ تشعر بها أيضاً الأخوات والزوجات والبنات، خاصة أنها لفتة تعبّر عن الاهتمام والتقدير، فضلاً عن كونها فرصة لتلبية بعض احتياجاتهن الشخصية.

كما تتفاوت قيمة العيدية تبعاً للقدرة المالية للشخص الذي يقدمها، إضافةً إلى مكانة المتلقي في العائلة أو المجتمع ووضعه المادي، فغالباً ما يحصل الأطفال الصغار على مبالغ بسيطة أو هدايا رمزية، في حين قد تُمنح مبالغ أكبر للكبار، بما يعكس طبيعة العلاقات الأسرية ومستوى الإمكانات المتاحة.

وتختلف عادات تقديم العيدية في سوريا بحسب كل عائلة وإمكاناتها، فبعضها يقدم النقود، بينما تمنح أخرى الحلويات، كما يختلف أسلوب تلقيها بين الأطفال؛ فبعضهم يفضل البقاء في المنزل لاستلام العيدية من الضيوف، بينما يخرج آخرون في جولات جماعية لزيارة المنازل والحصول عليها مباشرة من أفراد العائلة والجيران، ما يعكس تنوع الممارسات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بهذه الطقوس.

ومن زاوية إنسانية، تُعد العيدية وسيلة يستغلها البعض لتقديم الدعم المالي والمساعدة للفئات التي تعاني من صعوبات اقتصادية، دون المساس بكرامتهم أو إحراجهم. وبهذا تتحول هذه اللفتة إلى رمز للتكافل وروح المشاركة، بعيداً عن البعد المادي فقط، ما يعزز قيم التضامن والتعاون داخل المجتمع خلال أيام الاحتفال.

ومع ذلك، قد يسبب هذا التقليد شعوراً بالحرج لبعض الأشخاص، خاصة من يعانون من ظروف اقتصادية صعبة تحول بينهم وبين تقديم العيديات للأطفال أو البالغين، ما يضعهم في موقف صعب، رغم رغبتهم في المشاركة في رسم البهجة والفرح خلال أيام العيد.

ولفهم أصول هذه العادة وامتدادها عبر الزمن، تشير المصادر التاريخية إلى أن العيدية ليست مجرد تقليد معاصر، بل تمتد جذورها لمئات السنين، حيث لعبت دوراً اجتماعياً يعكس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويجسد روح التكافل والمشاركة في المناسبات الدينية.

في هذا السياق، ينوه المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه إتحاف الحنفاء بأخبار الخلفاء إلى أن أول من أرسى تقليد توزيع العيدية كان الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، حينها كان يمنح الدنانير الذهبية والهدايا الثمينة لكل من رجال الدولة وعامة الشعب، في إطار تجسيد فكرة الدولة الراعية لمواطنيها، كما تحدث كتابه الخطط المقريزية عن تفاصيل هذه الممارسات، التي شكّلت جزءاً أساسياً من الحياة الاجتماعية في تلك الفترة.

وبعد انتقال الحكم إلى المماليك، استمرت هذه العادة، وكانت تُمنح للجنود والعلماء ضمن ما يُعرف بـ"الجامكية"، وهو تقليد يشبه الرواتب والهبات التي تُقدم في المناسبات والأعياد، وفي كتاب تاريخ الدولة المملوكية، يوضح المؤرخ ابن تغري بردي، أن العيدية لم تكن محصورة فقط على الجنود والعلماء فقط، وإنما شملت الفئات الفقيرة وشرائح متنوعة من المجتمع، ما أضفى منح العيد بُعداً اجتماعياً عبر عن التلاحم والقيم الاجتماعية المتأصلة في المجتمع خلال تلك الفترة.

وفي عهد الدولة العثمانية، يذكر المؤرخ منصور عبد الحكيم في كتابه عن السلطان سليمان القانوني حرص الحاكم على رفاهية الشعب، الذي عمل على توسيع نطاق تقليد العيدية، فلم تعد مقتصرة على رجال الدولة فقط، بل أصبحت تُمنح للأطفال والفقراء، ليصبح العيد مناسبة عامة يسودها الفرح، ويُوزّع خلالها الدعم المالي الذي يساعد الفقراء على تغطية نفقات الاحتفال.

وبقي تقليد العيدية محافظاً على رونقه خلال الأعياد، غير أن بعض التغييرات طرأت عليه مع مرور الزمن، فحالياً في سوريا يُقدَّم بطرق متنوعة، سواء نقداً باليد، أو عبر التحويلات المالية والهدايا الرقمية، لا سيما مع تطور النظام المالي وانتشار التكنولوجيا.

ويعكس الحفاظ على طقوس العيدية في سوريا عدة أبعاد مهمة، أهمها الحرص على استمرارية التراث الثقافي، إذ تُظهر أن المجتمع السوري  بسعى لنقل عاداته وتقاليده عبر الأجيال، رغم التحديات والتغييرات التي تطرأ على المجتمع، مما يظهر قدرة المجتمع السوري على صون هويته الثقافية والدينية في أجواء الاحتفال بالأعياد.

ومن جانب إنساني، تحمل العيدية قيم التكافل الاجتماعي، إذ تهدف إلى مساعدة الفقراء وتمكينهم من المشاركة في فرحة العيد وتغطية التزاماته، ما يظهر روح التضامن والتعاون بين الناس.

وتبقى العيدية واحدة من العادات المميزة المرتبطة بالأعياد في سوريا، التي ورثناها عن أجدادنا، حيث تُقدَّم للأطفال والكبار بطرق متنوعة، لتجمع بين الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والثقافية، وتؤكد قيم المودة والتلاحم والتكافل التي تميز المجتمع السوري.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ