دفاتر الخير: مبادرات إنسانية لتسديد ديون الفقراء في رمضان
تنطلق عادة في شهر رمضان الكريم من كل عام في سوريا، مبادرات إنسانية تهدف إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين، من بينها توجّه بعض الأفراد أو الفرق التطوعية إلى الدكاكين والصيدليات للاطلاع على دفاتر الديون وتسديدها عن أصحابها، في محاولة لتخفيف الأعباء المعيشية عن هذه الفئات، وتستمر أحياناً في الأيام العادية خارج الشهر المبارك، لتقديم الدعم عند الحاجة.
يميل بعض الأشخاص إلى إغلاق دفاتر الديون أو شطب صفحات وأسماء منها دون الكشف عن هويتهم، وهو ما يعرف بـ صدقة السر، وهو من الأمور المحببة في دين الإسلام، بينما يوثق آخرون هذه المبادرات بصور وفيديوهات يتم نشرها في منصات التواصل لتشجيع الآخرين على فعل الخير والقيام بأعمال مماثلة، بهدف مساعدة الأسر التي تعيش تحت خط الفقر.
وفي هذا السياق، انطلقت قبل أيام قليلة في مخيم خان الشيح للاجئين الفلسطينيين بريف دمشق مبادرة إنسانية بعنوان "فرج كربة مريض"، تهدف إلى مساعدة المرضى من خلال تسديد الديون المستحقة عليهم لدى الصيدليات والمحال التجارية.
كما قام أحد الصيادلة في مدينة معرة مصرين بريف إدلب بحرق دفتر الدين الذي يضم 381 اسماً لأشخاص اشتروا أدوية من صيدليته بالدين، مؤكّداً عبر مقطع مصور تداولته الصفحات أنه سامحهم بمناسبة شهر رمضان.
تحمل هذه المبادرات قيمة كبيرة لعائلات تواجه ظروفاً اقتصادية صعبة وتعتمد على دخل غير ثابت أو يكاد يكون معدوماً، ما يضطرها إلى شراء احتياجاتها بالدين، الأمر الذي يثقل كاهلها بأعباء نفسية ويولد لديها قلقاً مستمراً من تراكم الديون وعدم القدرة على سدادها.
وتزداد أهميتها في توقيت تنفيذها، إذ تتزامن مع فترة يزداد فيها الضغط على العائلات بسبب التزامات شهر رمضان واقتراب العيد، ما يجعل الدعم المالي والمعنوي المقدم أكثر وقعاً وفائدة.
ولا يُعد هذا النوع من المبادرات جديداً، بل هو تقليد متوارث تعود جذوره إلى العهد العثماني، ويُعاد إحياؤه في كثير من الأحيان خلال شهر رمضان المبارك، ليُظهر جانباً من روح التكافل والتضامن المجتمعي.
ويعرف هذا التقليد باسم “دفتر الخير”، حيث يبادر أهل الخير إلى تسديد الديون المتراكمة على الفقراء لدى الدكاكين والمحلات التجارية بشكل سري، مسهمين بذلك في تخفيف الضغوط الاقتصادية على الأسر ومنحها راحة نفسية في هذا الشهر المبارك.
وحتى اليوم، يحرص كثير من المواطنين في تركيا على مواصلة هذا التقليد العثماني خلال شهر رمضان، إذ يبادر بعضهم إلى تسديد ديون الفقراء لدى الدكاكين والمحلات التجارية، فيما يُعرف باسم “شطب دفتر الذمم” أو “دفتر الديون”.
وتحمل مبادرة تسديد الديون العديد من الدلالات المميزة، أبرزها تجسيد روح التكافل الاجتماعي والتضامن بين أفراد المجتمع، ما يسهم في تخفيف التحديات المعيشية عن بعضهم، خصوصاً خلال المناسبات الدينية مثل شهر رمضان وما يفرضه من أعباء مالية إضافية.
كما تتيح هذه المبادرات تقديم المساعدة للآخرين دون إحراجهم، ما يعكس احترام كرامتهم الإنسانية، ويشير إلى وعي أبنائه بأهمية التضامن والمشاركة في مواجهة الفقر، ويعزز القيم الأخلاقية التي تشجع على التعاون والعطاء بين الجميع.
وتقدّم هذه الأفعال الإنسانية رسالة قوية للأجيال عن قيمة العون والمبادرة الخيرية، مؤكدة ارتباطها بقيم الصدقة والرحمة في الإسلام، وما تعكسه من تماسك الممارسات الاجتماعية مع الموروث الثقافي والديني، لتظل نموذجاً حياً للتكافل والتضامن الذي يميز المجتمع في شهر رمضان وغيره من المناسبات.