درجات مرتفعة ومعلومات تُنسى سريعاً.. خبير تربوي يوضح الفارق بين الحفظ والفهم
درجات مرتفعة ومعلومات تُنسى سريعاً.. خبير تربوي يوضح الفارق بين الحفظ والفهم
● مجتمع ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦

درجات مرتفعة ومعلومات تُنسى سريعاً.. خبير تربوي يوضح الفارق بين الحفظ والفهم

يعتمد كثير من الطلاب على حفظ المعلومات واسترجاعها خلال الاختبارات بهدف تحقيق درجات مرتفعة، في ظل أنظمة تعليمية تمنح النتائج الامتحانية أهمية كبيرة في تحديد فرص الانتقال بين المراحل الدراسية والالتحاق بالتخصصات الأكاديمية، ما يثير تساؤلات حول مدى تعبير العلامات عن الفهم الحقيقي للمادة والقدرة على توظيف المعرفة خارج قاعة الامتحان.

وتبرز هذه الإشكالية عندما يتمكن الطالب من الحصول على درجات مرتفعة في مادة دراسية، لكنه يجد صعوبة في استعادة معلوماتها بعد فترة قصيرة، أو تطبيق ما تعلمه على مواقف ومشكلات جديدة، الأمر الذي يسلط الضوء على أهمية أساليب التدريس والتقويم التي تقيس التفكير والتحليل والمهارات العملية، إلى جانب اكتساب المعلومات.

وفي هذا السياق، تتزايد أهمية دور المعلم والأسرة في تشجيع الطلاب على المناقشة والاستنتاج والتطبيق، وتوفير بيئة تعليمية تساعدهم على بناء المعرفة وفهمها، بدلاً من الاقتصار على حفظها بهدف اجتياز الاختبارات.

لماذا يركز الطلاب على الحفظ أكثر من الفهم؟

قال الدكتور محمد أيمن بني، المختص في المناهج وطرائق التدريس، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تركيز بعض الطلاب على حفظ المعلومات يرتبط برغبتهم في النجاح والحصول على درجات مرتفعة، باعتبارها معياراً أساسياً للانتقال إلى المراحل التعليمية المختلفة والالتحاق بالتخصصات العلمية والأكاديمية.

وأوضح أن طبيعة التقويم المعتمد في المؤسسات التعليمية تسهم في تعزيز هذا التوجه، إذ لا تزال العلامات الامتحانية تشكل المعيار الأبرز للحكم على التحصيل الدراسي، حتى في المقررات التي تتضمن مشاريع وأنشطة تطبيقية، والتي قد تُنفذ بإمكانات محدودة.

وأشار إلى أن هذه الآلية تدفع بعض الطلاب إلى التركيز على المعلومات المتوقع ورودها في الاختبارات، وحفظ الإجابات التي تضمن لهم الحصول على العلامة، بدلاً من الاهتمام بتحليل المفاهيم وفهم العلاقات بينها.

وتبرز المشكلة عندما يصبح الهدف من التعلم تحقيق النتيجة الامتحانية، دون اكتساب المهارات التي تساعد الطالب على استخدام المعلومات في مواقف جديدة أو الاحتفاظ بها على المدى الطويل.

كيف يميز المعلم بين الطالب الذي يحفظ والذي يفهم؟

أوضح بني أن المعلم يستطيع التعرف إلى طبيعة تعلم الطالب من خلال تنويع الأسئلة والأنشطة الصفية، والانتقال من الأسئلة التي تتطلب استرجاع المعلومات إلى تلك التي تعتمد على النقاش والتحليل وتقديم الأدلة.

وبيّن أن طرح الفرضيات ومطالبة الطلاب بمناقشتها، واستخدام الأسئلة المفتوحة، وطلب أمثلة واقعية، من الأساليب التي تساعد على قياس مدى فهم الطالب للمعلومات وقدرته على توظيفها.

كما يمكن وضع الطالب أمام مشكلة أو موقف عملي يتطلب اقتراح حلول وتفسيرها، بما يكشف قدرته على الربط بين ما تعلمه والمواقف التي يواجهها.

وأشار إلى أن هذه الأساليب تمنح المعلم فرصة للتعرف إلى مستوى التفكير لدى الطلاب، بدلاً من الاكتفاء بقياس قدرتهم على تذكر التعريفات والمعلومات المحفوظة.

ويحتاج تطبيقها إلى مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، واختيار أسئلة وأنشطة تتناسب مع قدراتهم ومستوياتهم المعرفية، وتساعدهم تدريجياً على الانتقال من استرجاع المعلومات إلى تحليلها وتوظيفها.

التدريس القائم على الاكتشاف وتنمية التفكير

أكد بني أن طرائق التدريس القائمة على الاكتشاف تمثل إحدى الوسائل المهمة لتعزيز الفهم، عندما تُوظف بصورة فعلية داخل العملية التعليمية، وتمنح الطالب فرصة للوصول إلى المعرفة من خلال البحث والملاحظة والاستنتاج.

وأوضح أن تنمية التفكير الناقد والإبداعي يجب أن تكون جزءاً أساسياً من الممارسات التعليمية، بما يشجع الطلاب على مناقشة الأفكار وتقييم المعلومات وتقديم تفسيرات وحلول مختلفة.

وأشار إلى أن أسئلة النقاش والأمثلة التطبيقية تساعد على تحقيق هذه الأهداف، شريطة امتلاك المعلم المهارات اللازمة لإدارة الحوار، وتنظيم المشاركات، واستخلاص الأفكار الأساسية من إجابات الطلاب.

وفي المقابل، يحتاج المتعلمون إلى اكتساب مهارات الإصغاء الجيد، واستخدام البراهين في دعم آرائهم، واحترام وجهات النظر المختلفة، بما يجعل النقاش نشاطاً تعليمياً يسهم في تنمية مهارات يمكن الاستفادة منها خارج المدرسة والجامعة.

ولفت إلى أن الحوار الفعال لا يقتصر على تبادل الأسئلة والإجابات، وإنما يساعد الطالب على بناء موقف معرفي قائم على التفكير والاستدلال، بدلاً من الاكتفاء بتلقي المعلومة وحفظها.

درجات مرتفعة ومعلومات تتلاشى بعد الامتحان

أشار بني إلى أن الاعتماد على الحفظ يمثل مشكلة تمتد إلى مختلف المراحل التعليمية، من التعليم الأساسي وصولاً إلى الجامعات، ولا سيما في المقررات التي تعتمد بصورة كبيرة على المعلومات النظرية.

وقدم مثالاً من التجربة الجامعية، موضحاً أن الطالب قد يحصل على 90 أو 95 بالمئة في أحد الاختبارات، لكنه إذا خضع للأسئلة نفسها بعد مدة، فقد يعجز عن تحقيق النتيجة ذاتها، وربما لا يحصل إلا على نصف العلامة السابقة.

وأضاف أن الطالب نفسه قد يواجه صعوبة في استرجاع المعلومات بعد شهرين فقط من دراسة المادة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التعلم الذي تحقق، ومدى استمرار أثره بعد انتهاء الاختبار.

وبيّن أن هذه المشكلة ترتبط بالفرق بين حفظ المعلومات واكتساب المهارات، مشيراً إلى أن الرياضيات، على سبيل المثال، تتضمن مهارات تراكمية يُبنى بعضها على بعض، في حين تركز مقررات نظرية كثيرة، خصوصاً في بعض الكليات الأكاديمية، على أسئلة التعريف والتعداد والشرح.

وأوضح أن الاقتصار على هذه الأنماط من الأسئلة قد يحول المعلومات إلى وسيلة للحصول على العلامات، دون أن يضمن اكتساب الطالب القدرة على تطبيقها أو استخدامها بصورة مستقلة.

ولا يعني ذلك الاستغناء عن الحفظ بصورة كاملة، وإنما ضرورة توظيف المعلومات المحفوظة بوصفها أساساً للفهم والتحليل والتطبيق، بدلاً من اعتبار استرجاعها الهدف النهائي للتعلم.

حين يشارك الطالب في بناء المعلومة

استعاد بني جانباً من تجربته الجامعية، مشيراً إلى أن المحاضرات التي تضمنت مقاطع مصورة ونقاشات عملية وحوارات كانت أكثر حضوراً في ذاكرته، لأنها أتاحت للطلاب المشاركة في تقديم المعلومات ومناقشتها.

وأوضح أن مشاركة المتعلم في بناء المعرفة تساعد على ترسيخها بصورة أكبر، مقارنة بتلقي المعلومات جاهزة وحفظها بهدف الإجابة عنها في الاختبارات.

وأضاف أن الأنشطة التي تتطلب البحث والمناقشة وتقديم الأمثلة تجعل الطالب أكثر تفاعلاً مع المادة، وتساعده على ربط المفاهيم النظرية بتجارب ومواقف يمكنه فهمها واستعادتها لاحقاً.

وتبرز أهمية هذه المشاركة في أنها تنقل الطالب من دور المتلقي إلى دور المشارك في العملية التعليمية، وتمنحه فرصة للتعبير عن أفكاره واختبار مدى صحة استنتاجاته.

من المادة النظرية إلى التطبيق العملي

قدم بني مثالاً من دراسته الجامعية في مقرر تصميم التعليم، عندما طلب أحد الأساتذة من الطلاب اختيار درس وتطبيق خطوات التصميم التعليمي عليه، مع توضيح الإجراءات والأمثلة الداعمة وتقييم النتائج.

وأشار إلى أن هذه المهمة بقيت حاضرة في ذاكرته، لأنها أتاحت له تحويل المعلومات النظرية إلى تطبيق عملي، واكتساب مهارة يمكن الاستفادة منها في مواقف تعليمية أخرى.

وأوضح أن مثل هذه الأنشطة تمنح الطالب فرصة لإظهار فهمه للمادة وطريقة تفكيره، وتساعده على تقديم حلول وأفكار تعكس شخصيته وقدرته على التطبيق.

ولفت إلى أن بعض الأساتذة قد يترددون في اعتماد هذه الأساليب بسبب صعوبة تقييم الإجابات بصورة موحدة، واحتمال تأثر التقدير باجتهاد المصحح أو تحيزه.

وبيّن أن أسئلة التعداد والتعريف تتميز بسهولة تحديد الإجابات المتوقعة وتوزيع العلامات عليها، في حين تتطلب المهام التطبيقية معايير تقييم أكثر تفصيلاً للحكم على جودة الأداء ومستوى الفهم.

ورغم هذه التحديات، أكد بني أن الأنشطة العملية والمشاريع التطبيقية من الأساليب التي تسهم في تنمية مهارات الطلاب، لأنها تتيح قياس جوانب من التعلم يصعب التعرف إليها من خلال الاختبارات التقليدية وحدها.

دور الأسرة في تشجيع الفهم والتفكير

أوضح بني أن دور الأسرة في دعم تعلم الأبناء لا ينبغي أن يقتصر على متابعة الواجبات المدرسية والدرجات الامتحانية، بل يمكن أن يشمل تشجيع الأطفال على مناقشة المعلومات التي يتعلمونها وطرح الأسئلة المتعلقة بها.

وأشار إلى أهمية النقاشات المنزلية التي تساعد الطفل على التعبير عن أفكاره وتفسير ما تعلمه، إلى جانب توفير الوسائط التعليمية والألعاب المناسبة لفئته العمرية.

وبيّن أن البيئة الأسرية الداعمة تسهم في تعزيز فضول الطفل وتشجيعه على الاستفسار والتجربة، بما يساعد على تنمية مهارات التفكير والتواصل.

كما أن الاهتمام بطريقة وصول الطفل إلى الإجابة، وليس بالنتيجة وحدها، يمنحه فرصة لمراجعة أفكاره وفهم أخطائه والتعلم منها.

وتتكامل هذه الممارسات مع دور المدرسة في توفير أنشطة تعليمية تشجع المشاركة والتحليل، وتساعد الطلاب على التعامل مع المعرفة باعتبارها وسيلة للفهم وحل المشكلات.

التقويم البديل وقياس المهارات

أكد بني أهمية الانتقال التدريجي من الاعتماد المفرط على الاختبارات القائمة على استرجاع المعلومات إلى أساليب تقويم متنوعة، تتيح قياس الفهم والقدرة على التحليل والتطبيق.

ويشمل ذلك استخدام المشاريع والمهام العملية والمناقشات والأنشطة التي تتطلب حل المشكلات، إلى جانب الاختبارات التحريرية، بما يوفر صورة أشمل عن مستوى تعلم الطالب.

وتساعد هذه الأساليب على التعرف إلى قدرات قد لا تظهر في الأسئلة التقليدية، مثل التفكير الناقد والإبداعي، والربط بين المفاهيم، وتقديم الحلول وتبريرها.

غير أن نجاح التقويم البديل يرتبط بوضع معايير واضحة لتقييم الأداء، وتدريب المعلمين على استخدامها، ومراعاة الفروق الفردية والإمكانات المتاحة، بما يضمن العدالة في تقدير جهود الطلاب.

ولا يتطلب تطوير التقويم إلغاء الامتحانات أو التقليل من أهمية التحصيل الدراسي، وإنما تحقيق توازن بين قياس المعرفة النظرية والمهارات التي يستطيع الطالب توظيفها في مواقف عملية.

نحو تعليم يقيس ما يفهمه الطالب

تكشف مشكلة الاعتماد على الحفظ عن أهمية مراجعة العلاقة بين أساليب التدريس والتقويم وأهداف العملية التعليمية، ولا سيما عندما تصبح الدرجات المرتفعة مؤشراً أساسياً للنجاح، دون التحقق بصورة كافية من قدرة الطالب على فهم المعلومات وتطبيقها.

ويشكل تنويع الأنشطة الصفية، وتشجيع النقاش، واعتماد المهام التطبيقية والتقويم البديل، خطوات تساعد على توسيع مفهوم التحصيل الدراسي ليشمل التفكير والتحليل واكتساب المهارات.

كما أن دور الأسرة والمعلم في تشجيع الاستفسار والتجربة يسهم في بناء بيئة تعليمية تمنح الطالب مساحة أكبر للمشاركة في إنتاج المعرفة، بدلاً من الاقتصار على تلقيها وحفظها.

وتبقى الغاية من تطوير أساليب التعليم والتقويم تمكين الطلاب من الاحتفاظ بما يتعلمونه والاستفادة منه في حياتهم الدراسية والعملية، بحيث تصبح العلامة مؤشراً على مستوى التعلم، وليس الهدف الوحيد الذي تتجه إليه العملية التعليمية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ