"فضل عبدالغني" لـ"شام": اعتقال أورال يفتح الباب لمحاسبة المسؤولين عن مجزرتَي بانياس
أكد فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن إلقاء القبض على علي كيالي، المعروف باسم معراج أورال، يشكل تطوراً مهماً في مسار ملاحقة المسؤولين عن مجزرتَي البيضا ورأس النبع في مدينة بانياس، اللتين وقعتا في أيار/مايو 2013، مشيراً إلى أن الشبكة وثقت اسم كيالي ضمن تقرير أصدرته في 10 أيار/مايو من العام نفسه، استناداً إلى إفادات الأهالي والناجين التي أشارت إلى دوره في قيادة المجزرة.
وقال عبد الغني، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن أهمية هذا التوثيق تكمن في أنه أُنجز بالتزامن مع وقوع الجرائم، وليس بعد سقوط نظام الأسد، موضحاً أن الشبكة عملت منذ الأيام الأولى على جمع الشهادات والأدلة، رغم الظروف الأمنية الصعبة والحصار المفروض على المنطقة، وعدم تمكن فريقها من الوصول مباشرة إلى مسرح الجريمة.
وأضاف أن عملية التوثيق اعتمدت على التواصل مع الناجين وشهود العيان وأهالي الضحايا، والاستماع إلى روايات أكثر من سبعة ناشطين محليين، إلى جانب طلب تسجيل شهادات مصورة للناجين وجمع الصور ومقاطع الفيديو، ومقارنة المعلومات الواردة فيها مع الشهادات والمواد التي وصلت إلى الشبكة عبر قنوات التواصل المختلفة.
وأوضح أن عمل الشبكة لم يقتصر على إحصاء الضحايا، بل شمل محاولة إعادة بناء تسلسل الأحداث، بدءاً من تطويق المناطق السكنية وقصفها، مروراً بالاقتحامات والإعدامات الميدانية، وصولاً إلى الاعتقالات وملاحقة المدنيين الذين حاولوا الفرار، لافتاً إلى أن التقرير الأصلي تضمن تفاصيل عن مواقع الانتهاكات وروايات شهود عاينوا عمليات القتل بصورة مباشرة.
459 مدنياً ضحايا المجزرتين
وأشار عبد الغني إلى أن الشبكة وثقت مقتل 459 مدنياً في مجزرتَي البيضا ورأس النبع، بينهم 92 طفلاً و71 امرأة، توزعوا بين 264 قتيلاً في قرية البيضا و195 قتيلاً في حي رأس النبع بمدينة بانياس، فضلاً عن عشرات المفقودين والمعتقلين الذين لا يدخلون ضمن حصيلة القتلى.
وبيّن أن التوثيقات سجلت اقتحام المناطق السكنية، والإعدامات الميدانية، وقتل عائلات بأكملها، وحرق الجثث والمنازل، ونهب الممتلكات وتهجير السكان، مؤكداً أن نتائج توثيق الشبكة حمّلت قوات نظام الأسد ومجموعات مسلحة موالية له مسؤولية هذه العمليات.
وشدد على أن ما جرى لم يكن مجرد خسائر ناجمة عن مواجهة عسكرية، إذ أكدت الشبكة، وفق نتائج توثيقها، مسؤولية قوات النظام والميليشيات المرتبطة بها عن أعمال القتل، مشيراً إلى أن الانتهاكات المسجلة تستدعي التحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ولفت عبد الغني إلى أن الشبكة عملت على توثيق أسماء الضحايا الذين أمكن التعرف عليهم، وجمع صورهم ومعلومات عن أعمارهم وعائلاتهم وظروف مقتلهم، وإدراج قوائم تفصيلية في تقاريرها، كما وثقت أسماء 40 شخصاً من المخطوفين، في وقت ظل فيه مصير أعداد أخرى مجهولاً.
وأضاف أن التوثيقات شملت حالات تعذر فيها التعرف على هويات الضحايا بسبب حرق الجثامين أو تشويهها، موضحاً أن هذه التفاصيل تتيح إعادة فحص كل واقعة على حدة، وربط شهادات الناجين بأسماء الضحايا ومواقع الجرائم، ومتابعة مصير المفقودين بصورة مستقلة عن حصيلة القتلى.
وأشار إلى أن عمل الشبكة استمر بعد مجزرتَي أيار/مايو، إذ أصدرت في 21 تموز/يوليو 2013 تقريراً آخر تناول مجزرة جديدة في قرية البيضا، ووثق استمرار الاعتداءات والاعتقالات وتخريب الممتلكات والتهجير، مع التعامل معها بوصفها واقعة مستقلة عن المجزرتين السابقتين.
الاعتقال يعيد الأمل لعائلات الضحايا
وعن انعكاسات اعتقال كيالي على عائلات الضحايا، قال عبد الغني إن للخبر وقعاً كبيراً على أسر فقدت أكثر من فرد من أفرادها، ولا سيما أن بعض الأهالي لا يزالون يجهلون مصير أقاربهم الذين فُقدوا خلال تلك الأحداث.
وأضاف أن الاعتقال، بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً على وقوع المجزرتين، قد يمنح العائلات شعوراً بأن الجرائم التي عايشتها لم تُطوَ أو تُنسَ، وأن هناك إمكانية فعلية للوصول إلى المسؤولين عنها ومحاسبتهم.
وأكد أن من حق الضحايا وذويهم معرفة ما جرى، وتحديد الجهات التي اتخذت القرارات ونفذت الجرائم، والمشاركة في الإجراءات القضائية بأمان، والحصول على جبر الضرر، محذراً من تحويل معاناتهم إلى مادة للتوظيف الإعلامي أو السياسي.
التوثيقات أساس للتحقيق الجنائي
وفيما يتعلق بإمكانية تحويل توثيقات الشبكة إلى ملفات اتهام قضائية، أوضح عبد الغني أن العمل لا يبدأ من الصفر، إذ تمتلك الشبكة توثيقات مبكرة للضحايا والوقائع، وإفادات لشهود وناجين، وصوراً وتسجيلات ومعلومات عن مواقع الجرائم وتسلسل الأحداث والجهات المشاركة فيها.
وبيّن أن هذه المواد يمكن أن تشكل أساساً مهماً للتحقيق الجنائي، شريطة التحقق من أصالة الأدلة الرقمية وسلامتها، ومراجعة ظروف جمع الشهادات، وإعادة الاستماع إلى الشهود عند الضرورة، ومقاطعة المعلومات مع الوثائق والأوامر والاتصالات العسكرية والأمنية، إلى جانب أي أدلة جديدة تحصل عليها النيابة العامة.
وشدد على ضرورة إثبات العلاقة بين كل مشتبه فيه والجرائم المحددة، والتحقق مما إذا كان قد شارك في التخطيط أو التنفيذ، أو أصدر أوامر، أو قدم مساعدة أسهمت في ارتكاب الجرائم، لافتاً إلى أن مساءلة القادة تستلزم أيضاً بحث مدى سيطرتهم الفعلية على المنفذين، ومدى توافر شروط مسؤوليتهم عن عدم منع الجرائم أو معاقبة مرتكبيها.
وأكد عبد الغني أهمية ألا يقتصر التحقيق على كيالي وحده، مشيراً إلى إعلان الحكومة السورية قبل أيام القبض على جمال طرابلسي، الذي قالت إنه كان نائباً لكيالي في الميليشيا، معتبراً أن التحقيق في القضيتين يمكن أن يساعد على تحديد هيكل المجموعة وتسلسل القيادة وعلاقة المشتبه فيهم بالعمليات، دون افتراض مسؤولية أي شخص لمجرد ارتباطه بآخر.
وأبدى استعداد الشبكة للتعاون مع القضاء المختص وتقديم ما يمكن تقديمه من توثيقات، مشيراً إلى أن الشبكة تعاونت في قضايا سابقة، ولا يزال لديها تنسيق دوري في هذا المجال، مع ضرورة مراعاة حماية الشهود وسرية المعلومات والضمانات اللازمة لاستخدام الأدلة.
سقوط النظام فرصة لإنهاء الإفلات من العقاب
واعتبر عبد الغني أن سقوط نظام الأسد أتاح عملياً فرصة لملاحقة أشخاص ظلوا سنوات بعيدين عن المساءلة، في ظل حماية أجهزة الدولة لكثير من المتورطين في الانتهاكات، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتيح بناء مسار قضائي جاد لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين.
وختم بالتأكيد أن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى السوريين هي أن مرور الزمن لا يلغي حق الضحايا في العدالة، وأن سقوط النظام يجب أن يتبعه تفكيك منظومة الإفلات من العقاب التي سمحت بارتكاب هذه الجرائم، وذلك من خلال كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف الضحايا وفق القانون.