كاميرات المراقبة في سوريا.. محامٍ يوضح لـ«شام» متى تتحول الحماية إلى انتهاك للخصوصية
تزايد استخدام كاميرات المراقبة في سوريا خلال السنوات الأخيرة، مع انتشارها في المنازل والمتاجر ومداخل الأبنية السكنية والمنشآت الخاصة، بوصفها وسيلة لحماية الممتلكات والحد من السرقات وتوثيق الحوادث، إلا أن استخدامها يثير تساؤلات قانونية تتعلق بحدود التصوير ومدى احترام خصوصية الأفراد، خصوصاً عندما تمتد عدساتها إلى منازل الجيران أو تسجل تحركاتهم وأحاديثهم دون موافقتهم.
وتبرز الإشكالية عندما تتجاوز الكاميرات الغرض الأمني الذي رُكبت من أجله، فتتحول إلى وسيلة لمراقبة الآخرين أو جمع معلومات عن حياتهم اليومية، وقد تتفاقم المخاطر في حال تداول التسجيلات أو نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بما قد يعرّض أصحابها للمساءلة القانونية.
وفي حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أوضح المحامي محمد معتز العلي الضوابط القانونية المرتبطة بتركيب كاميرات المراقبة واستخدامها في سوريا، والحدود الفاصلة بين حماية الممتلكات وانتهاك الحياة الخاصة، والإجراءات التي يمكن للمتضررين اتخاذها لحماية حقوقهم.
تركيب الكاميرات مسموح ضمن ضوابط قانونية
قال المحامي محمد معتز العلي إن القانون السوري لا يمنع من حيث المبدأ تركيب كاميرات المراقبة الخاصة بهدف حماية المنازل والمتاجر والممتلكات، باعتبارها إحدى الوسائل التقنية المستخدمة في تعزيز الأمن وتوثيق الحوادث.
وأوضح أن مشروعية استخدامها ترتبط بطبيعة الغرض منها ونطاق التصوير، مشدداً على ضرورة توجيه الكاميرات نحو الأماكن المراد حمايتها، وتجنب التعدي على خصوصية العقارات المجاورة أو الأشخاص الموجودين فيها.
وبيّن أن صاحب العقار يستطيع تركيب كاميرات لمراقبة مداخل منزله أو متجره أو المساحات التابعة له، شريطة ألا تتحول هذه الوسيلة إلى أداة لتتبع تحركات الجيران أو مراقبة حياتهم الخاصة.
وأشار إلى أن المشكلة القانونية قد تظهر عندما تتجاوز زاوية التصوير حدود العقار بصورة تمس خصوصية الآخرين، خصوصاً إذا كانت الكاميرا موجهة نحو نوافذ المنازل أو باحاتها أو الأماكن التي يمارس فيها السكان حياتهم الخاصة.
وأكد أن الغاية الأمنية من تركيب الكاميرا لا تمنح صاحبها حق تصوير الآخرين دون مراعاة الضوابط القانونية المتعلقة بحرمة الحياة الخاصة.
متى يصبح تصوير الجيران انتهاكاً للخصوصية؟
أوضح العلي أن بعض كاميرات المراقبة قد تلتقط بصورة عرضية أجزاء محدودة من العقارات المجاورة أو المرافق العامة، نتيجة اتساع زاوية التصوير أو طبيعة موقع الكاميرا.
وأشار إلى أن مثل هذه الحالات تستدعي اتخاذ إجراءات تقنية لتقليص نطاق التصوير أو حجب الأجزاء التي لا تدخل ضمن الغرض الأساسي من المراقبة.
وبيّن أن التقييم القانوني يختلف عندما تُوجّه الكاميرا عمداً نحو باحة منزل مجاور أو أبوابه أو نوافذه، بهدف تتبع تحركات السكان أو مراقبتهم.
وأوضح أن توافر القصد الجرمي، إلى جانب طبيعة التسجيلات والوقائع المحيطة بها، قد يشكل أساساً لقيام المسؤولية عن انتهاك حرمة الحياة الخاصة، وفق الأحكام القانونية ذات الصلة.
وشدد على أهمية التمييز بين التصوير العرضي الذي يمكن معالجته بتعديل زاوية الكاميرا، والمراقبة المتعمدة التي تستهدف جمع معلومات عن الحياة الخاصة للآخرين.
وأكد أن تحديد المسؤولية في كل حالة يرتبط بالأدلة المتوافرة وطبيعة الأفعال المرتكبة ومدى انطباق النصوص القانونية عليها.
خصوصية المنازل والأحاديث الشخصية
لفت العلي إلى أن الحماية القانونية للحياة الخاصة لا تقتصر على منع تصوير الأشخاص داخل منازلهم، بل تمتد إلى الأحاديث والمعلومات الشخصية التي لا يجوز الاطلاع عليها أو تسجيلها بوسائل غير مشروعة.
وأشار إلى أن الضمانات الدستورية المتعلقة بحرمة الحياة الخاصة، إلى جانب أحكام قانون العقوبات والتشريعات الخاصة بالجرائم المعلوماتية، تشكل أساساً قانونياً لحماية الأفراد من صور التعدي على خصوصيتهم.
وأوضح أن تسجيل الأحاديث التي تجري داخل المنازل أو في الأماكن الخاصة دون موافقة أصحابها قد يثير مسؤولية قانونية، خصوصاً عندما يكون الهدف استراق السمع أو جمع معلومات شخصية.
وبيّن أن بعض كاميرات المراقبة تتضمن خاصية تسجيل الصوت، ما يستدعي الانتباه إلى نطاق استخدامها وعدم توظيفها لالتقاط أحاديث الآخرين بصورة غير مشروعة.
وأكد أن وجود خاصية التسجيل الصوتي لا يكفي وحده لإثبات ارتكاب جرم، وإنما ينبغي النظر إلى كيفية استخدامها وطبيعة التسجيلات والقصد من جمعها.
وشدد على أن حماية الممتلكات لا تبرر مراقبة الأحاديث الخاصة أو تسجيلها خارج الحدود التي يسمح بها القانون.
خلافات الجيران بسبب كاميرات المراقبة
لا تقتصر آثار استخدام كاميرات المراقبة بصورة تتجاوز الغرض الأمني على الجانب القانوني، إذ قد تؤدي إلى خلافات اجتماعية بين الجيران، خصوصاً عندما يشعر أحد السكان بأن تحركاته اليومية أصبحت خاضعة للمراقبة.
وقد تنشأ هذه الخلافات بسبب توجيه كاميرا نحو باب منزل مجاور أو نافذته، أو نتيجة الشك في إمكانية تسجيل الأحاديث والأنشطة الخاصة.
وتزداد حساسية هذه المسائل في الأبنية السكنية المتقاربة، حيث تتداخل المداخل والممرات والمساحات المشتركة، ويصعب أحياناً تحديد زاوية تصوير لا تشمل أجزاء من العقارات المجاورة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مراعاة حقوق الجوار عند تركيب الكاميرات، واختيار مواقع وزوايا مناسبة تحقق الغرض الأمني دون التسبب في مراقبة غير مبررة للآخرين.
كما يمكن أن يسهم الحوار المباشر بين الجيران وتوضيح نطاق التصوير وتعديل الزوايا عند وجود اعتراضات مشروعة في معالجة الخلافات قبل انتقالها إلى الجهات القضائية.
كيف يتصرف الشخص الذي يكتشف أن كاميرا جاره تصوره؟
أوضح المحامي محمد معتز العلي أن الشخص الذي يعتقد أن كاميرا مثبتة في عقار مجاور تنتهك خصوصيته يستطيع البدء بمحاولة معالجة المشكلة بصورة ودية، من خلال التواصل مع صاحب الكاميرا وطلب تعديل زاوية التصوير أو حجب الجزء الذي يكشف منزله.
وأشار إلى أن الحل الودي قد يكون مناسباً عندما تكون المشكلة ناتجة عن اتساع زاوية التصوير دون وجود قصد متعمد للمراقبة.
أما في حال عدم الاستجابة أو استمرار التصوير الذي يمس الحياة الخاصة، فيحق للمتضرر اللجوء إلى الجهات المختصة وتقديم شكوى رسمية إلى النيابة العامة أو مخفر الشرطة المختص.
وبيّن أن من المهم دعم الشكوى بما يتوافر من أدلة، مثل الصور التي توضح مكان تثبيت الكاميرا واتجاهها وعلاقتها بنوافذ المنزل أو مداخله أو المساحات الخاصة.
وأكد أن هذه الأدلة تساعد الجهات المختصة على تقييم الوقائع وتحديد طبيعة المخالفة المحتملة والإجراءات القانونية المناسبة.
وشدد على ضرورة عدم إقدام المتضرر على إتلاف الكاميرا أو إزالتها بنفسه، لأن ذلك قد يعرضه بدوره للمساءلة القانونية عن إلحاق الضرر بممتلكات الغير.
إزالة الكاميرا والتعويض عن الضرر
أشار العلي إلى أن اللجوء إلى القضاء يتيح للمتضرر المطالبة بحماية خصوصيته ووقف الأفعال التي تمس حقوقه، وفق الإجراءات والأحكام القانونية ذات الصلة.
وأوضح أن الإجراءات الممكنة قد تشمل المطالبة بإزالة سبب التعدي أو تعديل وضع الكاميرا، بحسب طبيعة المخالفة والقرار الصادر عن الجهة المختصة.
كما بيّن أن المتضرر يستطيع المطالبة بالتعويض المدني في حال ثبوت الضرر وتوافر شروط المسؤولية القانونية.
وأكد أن الحكم بإزالة الكاميرا أو تعديل زاويتها، وكذلك التعويض عن الأضرار، يرتبط بتقدير الجهة القضائية المختصة للأدلة والوقائع، ولا يترتب تلقائياً على مجرد تقديم الشكوى.
وشدد على أهمية اتباع المسار القانوني في معالجة هذه النزاعات، بما يحفظ حقوق الطرفين ويمنع تحول الخلاف إلى أفعال قد تنشئ مسؤوليات قانونية إضافية.
هل يُسمح بالاحتفاظ بالتسجيلات للاستخدام الشخصي؟
أوضح العلي أن المسؤولية القانونية المتعلقة بكاميرات المراقبة لا ترتبط بنشر التسجيلات وحده، بل قد تنشأ أيضاً عن طريقة الحصول عليها وطبيعة المعلومات التي تتضمنها.
وبيّن أن الاحتفاظ بتسجيلات الكاميرا للاستخدام الشخصي لا يمنح صاحبها حصانة قانونية إذا كان التصوير نفسه ينطوي على انتهاك غير مشروع للحياة الخاصة.
وأشار إلى أن تقييم هذه الحالات يتطلب النظر إلى نطاق التصوير ومضمونه والغرض منه، ومدى توافر العناصر القانونية اللازمة لقيام الجرم.
وأكد أن استخدام الكاميرا لحماية الممتلكات ينبغي أن يبقى ضمن الحدود التي تحقق هذا الهدف، دون جمع صور أو معلومات عن الحياة الخاصة للآخرين بصورة غير مشروعة.
ولفت إلى أن التسجيلات التي توثق حوادث تقع ضمن نطاق المراقبة المشروع تختلف من حيث طبيعتها القانونية عن التسجيلات التي تستهدف مراقبة أشخاص داخل مساكنهم أو تتبع شؤونهم الخاصة.
نشر التسجيلات عبر مواقع التواصل قد يضاعف المسؤولية
حذر العلي من تداول تسجيلات كاميرات المراقبة أو نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي عندما تتضمن صوراً أو معلومات تمس خصوصية الأشخاص دون موافقتهم.
وأوضح أن نشر التسجيلات قد ينشئ مسؤولية قانونية مستقلة عن مسألة تركيب الكاميرا أو الاحتفاظ بالمقاطع، خصوصاً إذا تضمن النشر كشف تفاصيل من الحياة الخاصة أو الإساءة إلى الأشخاص الظاهرين فيها.
وأشار إلى أن قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 يتضمن أحكاماً تتعلق بالأفعال التي تمس الخصوصية عبر الوسائل التقنية، إلى جانب الأحكام المتعلقة بالقدح والذم والتشهير الإلكتروني بحسب طبيعة الواقعة.
وذكر أن المادة 23 من القانون تتضمن، وفق شرحه، عقوبات قد تصل إلى الحبس من شهر إلى ستة أشهر، وغرامة مالية تتراوح بين 500 ألف ومليون ليرة سورية، في الحالات التي تنطبق عليها أحكام النص.
وأكد أن صحة التسجيل أو واقعية الحادثة المصورة لا تعني بالضرورة مشروعية نشرها، إذ قد يتضمن المقطع معلومات أو صوراً يحمي القانون خصوصيتها.
وشدد على ضرورة التمييز بين الاحتفاظ بالتسجيلات لأغراض الحماية أو تقديمها إلى الجهات المختصة عند الحاجة، وبين نشرها على الملأ دون مراعاة حقوق الأشخاص الذين يظهرون فيها.
وبيّن أن المسؤولية القانونية تتحدد بحسب مضمون التسجيل وطريقة الحصول عليه والغرض من نشره، ومدى تحقق الأركان القانونية لكل فعل.
الحماية الأمنية واحترام الحياة الخاصة
تعكس المسائل القانونية المرتبطة بكاميرات المراقبة أهمية الموازنة بين حق الأفراد في حماية ممتلكاتهم وحق الآخرين في الحفاظ على خصوصية منازلهم وأحاديثهم وتحركاتهم الشخصية.
فالكاميرات قد تسهم في توثيق السرقات والحوادث وتعزيز الشعور بالأمان، إلا أن استخدامها دون مراعاة نطاق التصوير أو حدود التسجيل قد يؤدي إلى انتهاكات وخلافات قانونية واجتماعية.
وتبرز أهمية اتخاذ تدابير وقائية عند تركيب الكاميرات، تشمل تحديد زاوية التصوير بما يتناسب مع الغرض الأمني، وتجنب توجيه العدسات نحو الأماكن الخاصة بالجيران، ومراعاة الضوابط المتعلقة بالتسجيل الصوتي وحفظ المقاطع وتداولها.
كما يشكل اللجوء إلى الحلول الودية، ثم الجهات المختصة عند الضرورة، مساراً لمعالجة النزاعات دون تعريض الممتلكات أو حقوق الأطراف لمخاطر إضافية.
ويبقى الاستخدام المسؤول لكاميرات المراقبة مرتبطاً بقدرتها على توفير الحماية المطلوبة دون تجاوز حدود الحياة الخاصة، مع الالتزام بالضمانات القانونية التي تكفل للأفراد حماية ممتلكاتهم وصون خصوصيتهم في الوقت نفسه.