حين يتحول الخلاف إلى عنف: أبعاد اجتماعية وقانونية ونفسية
حين يتحول الخلاف إلى عنف: أبعاد اجتماعية وقانونية ونفسية
● مجتمع ٢٢ يوليو ٢٠٢٦

حين يتحول الخلاف إلى عنف: أبعاد اجتماعية وقانونية ونفسية

تنشأ الخلافات بين الأفراد، وغالباً ما تبدأ على هيئة نقاشات أو مشاجرات كلامية، إلا أنها قد تتطور في بعض الحالات لتصل إلى الاشتباك الجسدي واستخدام الضرب، ما يوضح كيف يمكن لنزاع بسيط أن يتحول إلى سلوك ينطوي على أذى مباشر يمس سلامة الأفراد.


ولا تقتصر تداعيات هذه الممارسات على اللحظة التي تقع فيها، بل تمتد لتشمل تبعات متعددة، إذ تخلّف أضراراً جسدية على المتضرر، وفي المقابل تضع المعتدي أمام مسؤوليات وتبعات قانونية نتيجة ما صدر عنه من فعل، وبالتالي، فإن اللجوء إلى العنف الجسدي لا يؤدي فقط إلى إلحاق الأذى بالآخرين، وإنما يمتد إلى آثار قانونية وجسدية على حد سواء.


وفي هذا الإطار، يرتبط اللجوء إلى الضرب في كثير من الأحيان بعوامل اجتماعية وسلوكية متداخلة، حيث يلعب المحيط دوراً مهماً في ترسيخ ثقافة العنف كوسيلة لحل النزاعات، فبعض الأفراد ينشأون في بيئات تُبرّر استخدام القوة، أو تعتبرها تعبيراً عن القوة والهيبة، كما أن غياب مهارات الحوار وضبط النفس يسهم في تصعيد الخلافات بسرعة، لتتحول من نقاش إلى شجار جسدي.


إضافة إلى ذلك، قد تؤدي الضغوط اليومية، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، إلى زيادة التوتر لدى الأفراد، ما يجعلهم أكثر عرضة للانفعال وردود الفعل العنيفة، ومع تكرار هذه السلوكيات، تصبح جزءاً من نمط التعامل مع الآخرين بدلاً من كونها استثناءً.

الإطار القانوني للعنف الجسدي

وبالانتقال إلى الجانب القانوني، تندرج هذه الأفعال ضمن أفعال يعاقب عليها القانون وفقاً لدرجة الضرر الناتج، وفي هذا السياق، قالت المحامية أحلام أحمد دعدوع في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن قانون العقوبات السوري يعتبر كل اعتداء يقع على سلامة جسم الإنسان جرماً معاقباً عليه.


وأوضحت أن التسمية القانونية والعقوبة تختلفان بحسب جسامة النتيجة التي تترتب على الاعتداء، سواء كان إيذاءً بسيطاً أو شديداً أو أدى إلى عاهة دائمة أو وفاة، وأضافت أن المشرّع نظّم جرائم الإيذاء في المواد (540 وما بعدها) من قانون العقوبات.

وأشارت إلى أن الشجار يتحول إلى جريمة بمجرد أن ينتج عنه إيذاء جسدي للغير ولو كان بسيطاً، مبينةً أن الفاعل يُعاقب وفق أحكام المواد (540 إلى 543) من قانون العقوبات، وذلك بحسب درجة الإصابة ومدة التعطيل وما إذا استُخدمت أداة أو سلاح.

ولفتت إلى أن القانون يعتمد على عدة معايير لتحديد شدة العقوبة، وذكرت من بينها جسامة الإصابة، ومدة التعطيل عن العمل، ووجود عاهة دائمة، ووسيلة الاعتداء، والقصد الجرمي، إضافة إلى الظروف المشددة كاستعمال السلاح أو سبق الإصرار، موضحةً أن المحكمة تستند في ذلك إلى المواد (540 إلى 543) من قانون العقوبات، إلى جانب الأحكام العامة المتعلقة بالأسباب المشددة.

وتحدثت عن دور التقرير الطبي، مؤكدةً أنه يُعد من أهم وسائل الإثبات في جرائم الإيذاء، إذ يحدد طبيعة الإصابة ومدة التعطيل والعجز إن وجد، وأوضحت أنه يُعتبر المرجع الأساسي لتكييف الجرم وفق المواد (540 وما بعدها)، مع بقائه خاضعاً لتقدير المحكمة إلى جانب باقي الأدلة وفق قواعد الإثبات في قانون أصول المحاكمات الجزائية.

وأفادت بأن المشرّع السوري أجاز الدفاع المشروع إذا كان لرد اعتداء حالّ وغير مشروع، على أن يكون الدفاع متناسباً مع الخطر، وشددت على أن تجاوز حدود الدفاع المشروع يرتب المسؤولية الجزائية، مبينةً أن ذلك نُظّم في المواد (183 إلى 187) من قانون العقوبات السوري.

وبينت أنه في بعض جرائم الإيذاء البسيطة قد يؤدي إسقاط الحق الشخصي أو الصلح إلى تخفيف العقوبة أو انقضاء الدعوى إذا نص القانون على ذلك، ونوهت إلى أن الجرائم الجسيمة لا يمنع فيها التنازل من استمرار دعوى الحق العام متى كانت الملاحقة واجبة قانوناً، وذلك وفق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية والنصوص الخاصة بجرائم الإيذاء.

وأكدت أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الأشخاص أثناء الشجار وتزيد من مسؤوليتهم القانونية استخدام السلاح أو الأدوات الخطرة، وتوجيه ضربات تؤدي إلى عاهة أو إصابة خطيرة، والاستمرار في الاعتداء بعد زوال الخطر، والاشتراك الجماعي في الاعتداء، إضافة إلى التهديد أو إتلاف الممتلكات أثناء الشجار، مشددةً على أن جميع هذه الوقائع قد تؤدي إلى تشديد العقوبة أو تغيير الوصف الجرمي وفق المواد (540 إلى 543) من قانون العقوبات، إلى جانب النصوص المتعلقة بالظروف المشددة.

الانعكاسات النفسية للعنف على الفرد


من جهة أخرى، يرتبط اللجوء إلى الضرب بعوامل نفسية متعددة، إذ غالباً ما يكون انعكاساً لحالة من الغضب أو الإحباط أو الشعور بالعجز عن التعبير بوسائل أخرى، كما يلعب ضعف القدرة على ضبط الانفعالات دوراً مهماً في اندفاع بعض الأفراد نحو ردود فعل عنيفة، خاصة في ظل غياب مهارات الحوار والتواصل، ولا يمكن إغفال تأثير التنشئة، حيث إن التعرض للعنف في مراحل مبكرة قد يسهم في ترسيخ هذا السلوك كوسيلة للتعامل مع الخلافات.

في المقابل، لا تقف الآثار النفسية عند المعتدي فحسب، بل تمتد إلى الطرف المتضرر، الذي قد يعاني من مشاعر الخوف والقلق وفقدان الإحساس بالأمان، وقد تصل أحياناً إلى صدمات نفسية طويلة الأمد، كما أن الضغوط اليومية المتراكمة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية، قد تزيد من حدة التوتر لدى الأفراد، ما يجعلهم أكثر عرضة للانفعال والسلوك العدواني، ويكرّس هذا النمط مع تكراره في التعامل مع الآخرين.

وفي ظل تكرار هذه السلوكيات، يؤكد المختصون على ضرورة تعزيز ثقافة الحوار، وتنمية مهارات التواصل وضبط النفس، إلى جانب نشر الوعي بمخاطر اللجوء إلى العنف، بما يسهم في الحد من انتشار هذه الظواهر والتخفيف من آثارها على الأفراد والمجتمع.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ