بعد تسلّم أكثر من 2.4 مليون طن من القمح.. هل اقتربت سوريا من الاكتفاء الذاتي؟
يشهد قطاع القمح في سوريا تحولاً لافتاً خلال الموسم الزراعي الحالي، بعد سنوات من تراجع الإنتاج وتآكل البنية التحتية نتيجة الحرب والجفاف. فمع إعلان المؤسسة السورية للحبوب استلام أكثر من 2.4 مليون طن من محصول القمح، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت البلاد باتت أقرب إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص اعتمادها على الاستيراد.
ورغم أن المؤشرات الحكومية تعكس موسماً استثنائياً من حيث الإنتاج وكميات الاستلام والتخزين، فإن الأرقام تظهر أن الطريق نحو الاكتفاء الكامل لا يزال يحتاج إلى مزيد من العمل، في ظل استمرار الفجوة بين الإنتاج المحلي وحجم الاستهلاك السنوي.
أكبر كميات استلام منذ سنوات
أعلن مدير عام المؤسسة السورية للحبوب حسن العثمان أن المؤسسة استلمت أكثر من مليونين و400 ألف طن من محصول القمح للموسم الحالي، بعد تنفيذ خطة شاملة لتوسيع الطاقة التخزينية وتأهيل الصوامع والمستودعات ومراكز الاستلام في مختلف المحافظات.
وأوضح أن المؤسسة رفعت قدرتها التخزينية عبر إعادة تأهيل وتشغيل عدد من الصوامع في عدرا وقلعة المضيق وتل حميس وتل علو ودير الزور والبلّيخ ومسكنة ودبسي عفنان والشركراك والمبروكة ونوى، إضافة إلى تجهيز مستودعات وعراءات جديدة في عدد من المناطق، بما يضمن استيعاب المحصول بصورة آمنة.
كما اعتمدت المؤسسة 84 مركزاً لاستلام القمح في 11 محافظة، وأطلقت منصة إلكترونية لحجز أدوار التسليم مسبقاً، إلى جانب تحمل تكاليف نقل محصول المزارعين في المناطق البعيدة، ولا سيما من محافظة الحسكة إلى مراكز التخزين الداخلية.
وحتى 18 تموز الجاري، بلغ إجمالي المخزون لدى المؤسسة 3 ملايين و314 ألفاً و700 طن، منها 2.4 مليون طن من محصول الموسم الحالي، إضافة إلى 914 ألفاً و700 طن من المخزون السابق، في مؤشر على تحسن قدرة الدولة على إدارة المخزون الاستراتيجي.
قفزة في الإنتاج
تتزامن هذه الأرقام مع تقديرات وزارة الزراعة التي تشير إلى أن إنتاج القمح خلال موسم 2025-2026 سيتراوح بين 2.3 و2.5 مليون طن، مقارنة بنحو 900 ألف طن في الموسم الماضي، وهو ما يمثل أكثر من ضعف الإنتاج السابق.
وتعزو الحكومة هذه القفزة إلى عودة المحافظات الشرقية، التي تشكل تاريخياً نحو 70% من إنتاج القمح السوري، إلى دورة الإنتاج الرسمية، إضافة إلى تحسن معدلات الهطول المطري بعد سنوات من الجفاف.
وتشير التقديرات إلى إمكانية تسويق نحو 800 ألف طن من الحسكة، و300 ألف طن من الرقة، وقرابة 250 ألف طن من دير الزور، ما يعيد للمنطقة الشرقية موقعها بوصفها السلة الغذائية الرئيسية للبلاد.
هل تحقق الاكتفاء الذاتي؟
ورغم هذا التحسن الكبير، فإن البيانات الرسمية تؤكد أن سوريا لم تصل بعد إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي الكامل.
فبحسب وزارة الزراعة، تبلغ احتياجات البلاد السنوية من القمح ومنتجاته، بما يشمل الطحين والبذار والأعلاف، نحو 4 ملايين طن، في حين لا يتجاوز الإنتاج المتوقع هذا الموسم 2.5 مليون طن في أفضل التقديرات
ويعني ذلك استمرار وجود فجوة تقارب 1.5 مليون طن، ما يستدعي استمرار الاستيراد لتغطية احتياجات السوق المحلية، وإن كان بكميات أقل مقارنة بالسنوات الماضية.
إلا أن هذا الموسم يمثل تحولاً مهماً، إذ يسهم في خفض فاتورة الاستيراد، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتقليل الضغوط على المالية العامة، فضلاً عن تحسين قدرة الدولة على تأمين الدقيق للمخابز.
الأمن الغذائي لا يرتبط بالإنتاج فقط
يرى مختصون أن تحقيق الأمن الغذائي لا يتوقف عند زيادة الإنتاج، بل يعتمد أيضاً على كفاءة التخزين والتسويق والنقل، وقدرة الدولة على الحفاظ على المخزون الاستراتيجي وضمان استقرار توافر الطحين والخبز.
وفي هذا السياق، تؤكد الحكومة أنها تعمل على إصلاح سلسلة القمح بالكامل، بدءاً من توفير البذور والأسمدة والمحروقات، مروراً بتطوير الصوامع ومراكز الاستلام، وصولاً إلى المطاحن والمخابز، بهدف رفع كفاءة المنظومة وتقليل الفاقد.
كما تواصل المؤسسة السورية للحبوب تنفيذ أعمال تأهيل وصيانة الصوامع بالتوازي مع استمرار عمليات الاستلام، لضمان استيعاب كامل الكميات الموردة من المزارعين.
تحديات ما زالت قائمة
وعلى الرغم من النتائج الإيجابية، لا تزال تحديات عدة تعيق الوصول إلى الاكتفاء الذاتي، أبرزها ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات، ومحدودية الموارد المائية، وضرورة رفع إنتاجية الأراضي الزراعية، إلى جانب تزايد الطلب المحلي مع عودة أعداد كبيرة من السوريين إلى البلاد.
كما أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يتطلب الحفاظ على مستويات الإنتاج المرتفعة لعدة مواسم متتالية، واستكمال إعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية، وتطوير منظومة التخزين والتسويق.
وبينما تعكس أرقام الموسم الحالي عودة قوية لقطاع القمح في سوريا، فإنها تشير في الوقت ذاته إلى أن البلاد قطعت شوطاً مهماً نحو تعزيز أمنها الغذائي، لكنها لم تبلغ بعد مرحلة الاكتفاء الذاتي الكامل، مع استمرار الحاجة إلى سد الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك السنوي.