الحالة النفسية للأهل ودورها في تشكيل سلوك الأبناء
الحالة النفسية للأهل ودورها في تشكيل سلوك الأبناء
● مجتمع ٢١ يوليو ٢٠٢٦

الحالة النفسية للأهل ودورها في تشكيل سلوك الأبناء

لا يقتصر تأثير البيئة التي ينشأ فيها الطفل على الجوانب المادية أو التعليمية فقط، بل يمتد ليشمل الحالة النفسية للأهل، وما ينعكس عنها من أساليب تعامل يومية داخل المنزل، فالتوتر، والقلق، أو الاستقرار والهدوء، جميعها عوامل حاضرة في سلوك الوالدين، وتترك آثاراً متفاوتة على الطفل، تظهر في تصرفاته وتفاعله مع محيطه، وقد تمتد لتشكل ملامح شخصيته مع مرور الوقت.

أهمية الصحة النفسية داخل الأسرة

قالت سعاد عمقي، أخصائية ومعالجة نفسية، تعمل في مجال الصحة النفسية والعلاج النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها تؤمن بأن الصحة النفسية ليست مجرد علاج للمشكلات بعد حدوثها، بل هي استثمار وقائي يبدأ من الأسرة، لأنها البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الطفل وشعوره بالأمان، ومن هنا يأتي اهتمامها بمساندة الأفراد والأسر للوصول إلى حياة أكثر توازناً وصحة نفسية.

كيف تنعكس نفسية الأهل على سلوك الطفل؟

وأشارت إلى أن الطفل يتعلم من خلال الملاحظة أكثر مما يتعلم من خلال التوجيه، فهو يراقب طريقة والديه في التعامل مع الضغوط والخلافات والانفعالات، ثم يبني من خلالها فهمه للعالم ولنفسه.

ونوهت إلى أنه عندما يعيش الطفل في بيئة يسودها الهدوء والاستقرار العاطفي، فإن ذلك يساعده على بناء الثقة بالنفس، وتطوير القدرة على فهم مشاعره وتنظيمها، أما عندما تكون البيئة مليئة بالتوتر أو القلق أو الانفعالات غير المستقرة، فقد ينعكس ذلك على سلوكه وشخصيته، فيظهر لديه القلق أو سرعة الانفعال أو الانسحاب أو صعوبات في التعبير عن احتياجاته.

وبينت عمقي أن الحديث عن تأثير الحالة النفسية للأهل لا يقتصر على وجود اضطرابات نفسية مثل القلق أو الاكتئاب، وإنما يشمل أيضاً طريقة تفاعل الأهل مع أنفسهم ومع أطفالهم ومع بعضهم البعض داخل الأسرة، لافتةً إلى أن الطفل يتأثر بجودة العلاقة مع والديه أكثر من تأثره بالتشخيصات النفسية بحد ذاتها.

العوامل التي تؤثر في الصحة النفسية للطفل

وذكرت الأخصائية أن من العوامل التي قد تنعكس على الطفل ضعف التواصل العاطفي عندما لا يجد من يصغي إليه أو يفهم مشاعره ويحتويها، والخلافات المستمرة بين الوالدين خاصة إذا اتسمت بالصراخ أو الإهانة أو التهديد أو الصمت العقابي، والضغوط المزمنة التي تجعل الوالدين أقل صبراً وأكثر انفعالاً في التعامل مع الأبناء.

إضافة إلى ما سبق الاكتئاب أو القلق عندما يؤثران على قدرة الوالدين على التفاعل والاحتواء، والانشغال الدائم وضغوط الحياة التي تقلل من الوقت النوعي الذي يقضيه الأهل مع الطفل، والتربية القائمة على النقد المستمر أو المقارنة أو التوقعات المبالغ فيها، فضلاً عن الصدمات النفسية غير المعالجة لدى أحد الوالدين والتي قد تنعكس على أسلوب التربية والعلاقات داخل الأسرة.

أهمية الحوار والشعور بالأمان

وأوضحت عمقي لـ "شام" أن الطفل لا يتأثر فقط بما يفعله والداه، بل أيضاً بما يغيب عن العلاقة، فغياب الحوار والاحتواء والشعور بالقبول قد يترك أثراً عميقاً حتى في الأسر التي لا تظهر فيها خلافات واضحة، مؤكدةً أن مرور الأهل بضغوط أو صعوبات نفسية لا يعني بالضرورة أن الطفل سيتأثر بشكل سلبي، إذ إن وعي الأهل بالمشكلة ومحاولتهم تحسين التواصل والقدرة على إصلاح العلاقة عند الخطأ عوامل تعزز قدرة الأسرة على تجاوز الصعوبات.

كيف يقرأ الطفل مشاعر والديه؟

وشددت على أن الأطفال يمتلكون حساسية عالية تجاه الإشارات غير اللفظية، فهم يلتقطون نبرة الصوت وتعابير الوجه ولغة الجسد وحتى التغيرات البسيطة في الروتين اليومي، مبينةً أن الطفل قد يشعر بوجود أمر غير مريح حتى لو حاول الأهل إخفاء مشاعرهم أو عدم الحديث عنها، لكنه غالباً لا يمتلك القدرة على تفسير هذه المشاعر، وقد يلجأ إلى تفسيرها بطريقة شخصية، فيعتقد أحياناً أنه السبب في توتر والديه أو في حدوث المشكلات من حوله.

وأفادت بأنه من المهم أن يدرك الأهل أن الهدف ليس إخفاء المشاعر أو الظهور بصورة مثالية دائماً، فالطفل يتعلم أيضاً من رؤية والديه وهما يتعاملان مع مشاعرهما بطريقة صحية، والأهم أن يشعر بأن ما يحدث ليس مسؤوليته، وأن هناك شخصاً بالغاً قادراً على التعامل مع الموقف وحمايته عاطفياً.

وتحدثت عمقي عن إمكانية تعبير الوالدين بطريقة بسيطة تناسب عمر الطفل مثل: "أنا أشعر ببعض التوتر اليوم بسبب أمور تخص الكبار، لكنني سأتعامل معها، وأنت لست السبب"، لافتةً إلى أن هذه الرسائل تمنح الطفل شعورًا بالأمان وتساعده على فهم المشاعر دون أن يحمل نفسه مسؤوليتها، مؤكدةً أن الأطفال قد لا يفهمون ما يحدث حولهم، لكنهم يشعرون بما يحدث داخل من يحبون.

أخطاء شائعة وطرق دعم الطفل داخل الأسرة

وأوضحت الأخصائية أن هناك مجموعة من العلامات التي قد تظهر لدى الطفل وتشير إلى وجود ضغط نفسي أو تأثر عاطفي، وتختلف بحسب عمر الطفل وشخصيته، ومن أبرزها تغيرات مفاجئة في السلوك أو المزاج، وزيادة العصبية أو نوبات الغضب المتكررة، والانسحاب الاجتماعي أو فقدان الاهتمام باللعب والأنشطة، واضطرابات النوم أو الكوابيس، وتراجع التركيز أو الأداء الدراسي، والتعلق الزائد بالوالدين أو الخوف المبالغ فيه من الانفصال، إضافة إلى ظهور أعراض جسدية متكررة مثل آلام البطن أو الصداع دون سبب طبي واضح.

وأكدت أن ظهور بعض هذه العلامات لفترة قصيرة قد يكون استجابة طبيعية لظرف عابر، لكن استمرارها أو ازدياد حدتها أو صعوبة التعامل معها يستدعي استشارة مختص نفسي لتقييم الحالة وفهم احتياجات الطفل ووضع التدخل المناسب، مما يساعد على الوقاية من تفاقم الصعوبات ودعم نموه النفسي بشكل صحي، مشددةً على أن الهدف من التدخل النفسي ليس وصم الطفل أو اعتباره يعاني من مشكلة، بل تقديم الدعم له ولأسرته ومساعدتهم على فهم ما يحدث وبناء بيئة أكثر توازناً وأماناً.

الخلافات الزوجية وأثرها على الأطفال

ولفتت إلى أن الخلاف بين الوالدين بحد ذاته ليس أمراً غير طبيعي، فجميع العلاقات الإنسانية تمر بلحظات اختلاف، لكن التأثير السلبي يظهر عندما يتحول الخلاف إلى نمط مستمر من الصراع، أو عندما يكون الطفل حاضرًا بشكل متكرر أمام الصراخ أو الإهانة أو التهديد أو التجاهل العاطفي.

وذكرت عمقي أنه في هذه الحالات قد يفقد الطفل شعوره بالأمان ويعيش في حالة من الترقب والقلق، وقد يشعر بأنه مسؤول عن إصلاح ما يحدث أو أنه سبب في الخلافات، مما قد يؤثر على ثقته بنفسه وعلى طريقته في بناء العلاقات مستقبلاً، مبينةً أن الطفل لا يتعلم فقط من الكلمات، بل من الطريقة التي يرى بها والديه يتعاملان مع الاختلافات، إذ يتعلم كيف يعبر عن غضبه وكيف يحل المشكلات وكيف يحافظ على العلاقة رغم وجود الخلاف.

ونوهت إلى أن الطفل لا يحتاج إلى بيئة خالية تماماً من الخلافات، بل إلى نموذج صحي في إدارة هذه الخلافات يقوم على الاحترام والحوار والقدرة على الإصلاح عند الخطأ، مشيرةً إلى أن الطفل الذي يرى والديه يختلفان ثم يعودان إلى التواصل والاحترام يتعلم أن العلاقات يمكن إصلاحها، وأن الاختلاف لا يعني فقدان الحب أو الأمان.

اختلاف التأثير بحسب عمر الطفل

وبينت لـ "شام" أن تأثير الحالة النفسية للأهل يختلف بحسب عمر الطفل ومرحلة نموه، لأن قدرته على فهم الأحداث والتعبير عن مشاعره تتغير مع تقدمه في العمر، لافتةً إلى أن الطفل لا يتأثر فقط بما يحدث حوله، بل أيضاً بالطريقة التي يفسر بها ما يحدث، فقد يمر طفلان بنفس التجربة لكن طريقة فهم كل منهما قد تجعل التأثير مختلفاً.

وأشارت إلى أنه في السنوات الأولى يحتاج الطفل إلى الشعور بالأمان والاستجابة المستقرة من والديه، أما في مرحلة الطفولة المتوسطة فيبدأ بفهم العلاقات والأحداث بشكل أكبر لكنه قد يفسر بعض الأمور بطريقة شخصية، في حين يصبح في مرحلة المراهقة أكثر وعياً بما يحدث وقد يظهر تأثره من خلال الانسحاب أو التمرد أو زيادة الحساسية والانفعال أو صعوبة التعبير عن احتياجاته، مؤكدةً أن طريقة دعم الطفل يجب أن تتناسب مع عمره ومرحلة نموه، مع الحفاظ على الحوار المفتوح وتعزيز شعوره بالقبول والانتماء، وأن الطفل في جميع المراحل يحتاج إلى رسالة أساسية مفادها أن ما يحدث بين الكبار ليس مسؤوليته، وأن مشاعره مسموعة، وأنه محبوب وآمن.

أبرز الأخطاء التربوية الشائعة

وأفادت الأخصائية عمقي بأن من أكثر الأخطاء شيوعاً تركيز الأهل على تصحيح سلوك الطفل دون الانتباه إلى المشاعر والاحتياجات التي تقف خلف هذا السلوك، موضحةً أن من هذه الأخطاء الشجار أمام الأطفال بصورة متكررة أو إدخال الطفل في الخلافات، والتقليل من مشاعره أو السخرية منها، واستخدامه كوسيط في الخلافات الزوجية أو تحميله مسؤوليات عاطفية لا تناسب عمره، والمقارنة المستمرة بين الأطفال أو التركيز على الأخطاء أكثر من الجهود، واستخدام التهديد أو الخوف كوسيلة أساسية للتربية، وتوقع النضج والانضباط العاطفي قبل امتلاك القدرة النفسية لذلك، إضافة إلى الاعتقاد أن تلبية الاحتياجات المادية وحدها كافية مع إهمال القرب والاحتواء والحوار.

إصلاح العلاقة أهم من الكمال

وتحدثت عن أهمية إدراك أن الوقوع في بعض هذه الأخطاء لا يعني أن الأهل سيئون، فالأبوة والأمومة رحلة تعلم مستمرة، والأهم هو القدرة على المراجعة والاعتراف بالخطأ وإصلاح العلاقة مع الطفل، لأن الإصلاح بحد ذاته يعلمه المسؤولية والاحترام، مؤكدةً أن الطفل لا يحتاج إلى والدين لا يخطئون، بل إلى والدين يملكون الوعي والشجاعة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وأنه لا يتذكر فقط ما قيل له، بل كيف جُعل يشعر تجاه نفسه وتجاه العالم من حوله.

كيف يحمي الأهل أبناءهم نفسياً؟

وشددت على أن المطلوب من الأهل ليس الكمال أو العيش دون ضغوط، بل الوعي بطريقة تأثير هذه الضغوط على علاقتهم بأطفالهم، والسعي للحفاظ على التواصل والشعور بالأمان داخل الأسرة.

وذكرت أن من طرق حماية الأطفال نفسياً تخصيص وقت للتواصل الحقيقي والاستماع دون مقاطعة أو أحكام، والتعبير عن المشاعر بطريقة صحية، وطمأنة الطفل بأن مشكلات الكبار ليست مسؤوليته، والحفاظ على روتين يومي يمنحه الاستقرار، والاعتذار عند الخطأ وإصلاح العلاقة، إضافة إلى الاهتمام بالصحة النفسية للأهل أنفسهم لأن الوالد الذي يحصل على الدعم يكون أكثر قدرة على الاحتواء والاستجابة.

وأكدت أن الطفل لا يحتاج إلى والدين كاملين، بل إلى والدين حاضرين عاطفياً وقادرين على التعلم والتغيير وإصلاح العلاقة عند الحاجة، لافتةً إلى أن اعتناء الأهل بصحتهم النفسية يسهم في بناء بيئة أكثر أماناً لأطفالهم.

الدعم النفسي خطوة نحو التعافي

وأشارت الأخصائية النفسية في ختام حديثها إلى أن التوجه لطلب الدعم النفسي أو الاستشارة الأسرية عند الحاجة خطوة مهمة ومسؤولة، وليس دليلاً على الضعف أو الفشل، إذ يساعد ذلك الأسرة على فهم التحديات واكتساب أدوات أفضل للتعامل معها، ويشكل جزءاً أساسياً من رحلة التعافي والنمو وبناء علاقات أسرية أكثر صحة وأماناً.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ