حوادث قتل الأزواج: انعكاس الضغوط النفسية والاجتماعية
حوادث قتل الأزواج: انعكاس الضغوط النفسية والاجتماعية
● مجتمع ٢٤ مارس ٢٠٢٦

حوادث قتل الأزواج: انعكاس الضغوط النفسية والاجتماعية

شهدت سوريا مؤخراً وقوع جرائم قتل ارتكبتها نساء بحق أزواجهن بطرق مختلفة وصادمة، إذ قامت سيدة في مدينة الدانا بقتل زوجها ثم تقطيع جثته بوحشية، كما تداولت الصفحات حادثة أخرى لامرأة باعت مصاغها الذهبي واشترت سلاحاً استخدمته في إنهاء حياة زوجها.

وفي مدينة حلب، اتُّهمت فيها امرأة بوضع مادة سامة ومخدِّرة في طعام زوجها قبل أن تحقنه بجرعات من الأنسولين، ما أدى إلى دخوله في غيبوبة انتهت بوفاته، لتثير هذه الحوادث موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وعبّر متابعون عن مخاوفهم من تكرار هذه الجرائم التي تندرج تحت إطار مظاهر العنف الأسري، مطالبين بتعزيز الوعي المجتمعي وتوفير حماية قانونية أكبر للضحايا، في حين تناولها آخرون بأسلوب ساخر عبر التعليقات والمنشورات، ما أثار انتقادات من قبل مستخدمين رأوا أن السخرية من هذه الجرائم تمثل استخفافًا بخطورتها، بينما أرجع آخرون هذه الوقائع إلى آثار الحرب والأزمات الاقتصادية والنفسية المتراكمة، إلى جانب قسوة الظروف المعيشية التي تعيشها شريحة واسعة من السكان.

أسباب نفسية واجتماعية وراء جرائم قتل الأزواج

يقول الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي، وباحث وكاتب في مجالي التربية وعلم النفس التربوي، إن هذه الجرائم لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها أخباراً جنائية معزولة، بل هي مؤشرات إنذار اجتماعي ونفسي تستدعي التوقف والتأمل، فهي تعكس، في بعض الحالات، وصول العلاقات الزوجية إلى حالة من الانسداد، حيث تتآكل أدوات الحوار، وتنهار وسائل الاحتواء، ويتحوّل الخلاف إلى صراع حاد.

ويضيف في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية أنه من الضروري التأكيد علمياً أن هذه الحالات لا تمثل ظاهرة عامة، ولا يجوز تعميمها على النساء أو على الأسرة السورية، لكنها تكشف عن خلل في بعض البيئات الأسرية يستوجب المعالجة، ويشير إلى أن الأسباب التي قد تؤدي إلى تنامي هذه الحالات مركبة ومتداخلة.

ويردف أنه يمكن إجمال الأسباب في عدة محاور، أولاً الإرهاق النفسي المزمن الناتج عن الحرب، والفقد، والنزوح، وعدم الاستقرار، مما يضعف القدرة على ضبط الانفعال، ثانياً الضغوط الاقتصادية الحادة التي تولّد توتراً دائماً داخل الأسرة، ثالثاً ضعف مهارات إدارة الخلاف، كغياب الحوار الصحي، وسوء التواصل، والعجز عن احتواء الغضب.

ورابعاً تطبيع العنف نتيجة التعرض المتكرر له في الواقع أو الإعلام، مما يجعله خياراً مطروحاً عند بعض الأفراد، أما من حيث الدلالات، ينوه كنعان أن هذه الحالات تشير إلى تراجع وظيفة الأسرة كسكن ورحمة، وضعف الضبط الانفعالي، ووجود خلل في المنظومة القيمية والتربوية.

الضغوط النفسية والخلافات المتراكمة وراء تصاعد العنف الأسري

ومن جانبه يؤكد مصعب محمد علي، أخصائي علم نفس وصحة نفسية، في حديث لـ شام، أن هذه الجرائم تعكس ببعض الأحيان وجود اضطرابات نفسية، لكن عادة لا يكون الموضوع بهذه البساطة، ففي بعض الحالات يرى اضطرابات واضحة، لكن في حالات كثيرة ما يرى هو إنسان وصل لمرحلة إنهاك نفسي شديد، مع غضب متراكم، وشعور بالعجز، دون أدوات للتفريغ أو الفهم، 
بمعنى آخر: ليس كل عنف هو مرض، لكنه غالباً مؤشر على خلل نفسي أو ضغوط غير محتملة.

ويردف أن الأسباب التي قد تدفع لحدوث ذلك داخل الأسرة في السياق السوري اليوم يلعب دوراً كبيراً، لاسيما بسبب وجود ضغط اقتصادي قاسي، شعور بعدم الأمان، إلى جانب تجارب فقد وصدمات، وتغيّر كبير في أدوار الأسرة، إضافة إلى ضعف ثقافة الحوار داخل العلاقة، ووجود تراكمات قديمة لم تُحل، ويعلق في النهاية ما يحدث هو أن التوتر لا يُدار، بل يتراكم، ثم يخرج بطريقة مؤذية.

ويشدد أنه برأيه الضغوط والخلافات المتراكم هي العامل الأهم، فنادراً ما تحدث هذه النهايات بشكل مفاجئ تماماً، غالباً تكون نتيجة مسار طويل من التوتر غير المعالج، فعندما يعيش الإنسان تحت ضغط مستمر، دون مساحة للتفريغ أو الفهم، يصبح أقرب لفقدان السيطرة في لحظة ما.

وينوه إلى أن المؤشرات المبكرة لوجود خطر داخل العلاقة، هناك إشارات واضحة ترى قبل التصعيد، مثل تصاعد الخلافات بشكل متكرر، واستخدام كلمات جارحة، إلى جانب انسحاب أحد الطرفين عاطفياً، أو تحوّل الحوار إلى هجوم، كذلك وجود تهديد، أو شعور أحد الطرفين بأنه غير آمن داخل العلاقة.

مخاطر تطبيع العنف بالسخرية

وفيما يتعلق بتناول هذه الأحداث بسخرية أو مزاح، يشير كنعان إلى أن هذا النوع من السلوك مرفوض أخلاقياً ونفسياً، لأنه يساهم في تطبيع الجريمة وإضعاف التعاطف الإنساني، مردفاً أن السخرية من المأساة ليست خفة ظل، بل مؤشر على تراجع الحس الأخلاقي، وتحويل الألم الإنساني إلى مادة ترفيه، وهو أمر بالغ الخطورة على وعي المجتمع.

التدخل المبكر لحماية الأسرة

ويؤكد الدكتور عماد أن  المعالجة الفاعلة لا تكون بردود فعل آنية، بل بمنظومة متكاملة، تتمثل بـ التدخل المبكر عند ظهور مؤشرات الخطر الأسري، وتوفير خدمات الإرشاد النفسي والأسري بشكل ميسر، بالإضافة إلى تفعيل التحكيم الأسري الرشيد، ونشر مهارات الحياة الزوجية (الحوار، إدارة الغضب، حل النزاعات)، إلى جانب تطبيق القانون بحزم عند وجود تهديد حقيقي، والحد من التعرض للمحتوى العنيف، عدا عن توحيد الخطاب التربوي والإعلامي الرافض للعنف.

ويوصي الأزواج والزوجات بضرورة عدم الانتظار حتى تتفاقم الأمور، فالعنف لا يبدأ بجريمة، بل يبدأ بتراكمات صغيرة: كلمة جارحة، احتقار، تهديد، أو صمت مؤذٍ، وعندما يتحول البيت من مكان أمان إلى مصدر خوف، فهذه إشارة تستدعي التدخل الفوري، داعياً إياهم للتذكر بأن الزواج في أصله: سكن ورحمة، لا ساحة صراع.

التواصل والوعي أدوات حماية الأسرة

كما يقترح المختص مصعب محمد العلي نصائحاً للأزواج لتجنب الوصول لهذه المرحلة، منوهاً إلى أن أهم نقطة أن لا يتركوا الأمور تتراكم، وأن التعبير المبكر عن الانزعاج أفضل بكثير من الانفجار لاحقاً مضيفاً أهمية التعلم التفريق بين “أنا منزعج من سلوك” و”أنا أهاجمك كشخص”، وإذا شعر الطرفان أن الأمور خرجت عن السيطرة، فإن اللجوء لمختص يصبح ضرورة ملحة.

ويردف أن طبيعة المجتمع ماتزال في مرحلة يتأخر في طلب المساعدة، ويميل لتحمّل الضغط حتى اللحظة الأخيرة، مشيراً إلى أن نشر الوعي بأن الصحة النفسية جزء من الحياة اليومية، وأن طلب الدعم أمر طبيعي يمكن أن يمنع الكثير من هذه النهايات.

ويوجه المختص مصعب رسالة توعوية مؤكداً أن الخلاف داخل الأسرة ليس المشكلة، بل طريقة التعامل معه، منوهاً إلى أنه عندما يتحول الصمت إلى تراكم، والغضب إلى كبت، تصبح العلاقة بيئة خطرة بدل أن تكون مساحة أمان، ولفت إلى أن الوعي، والحوار، وطلب المساعدة في الوقت المناسب، ليست أمور ثانوية، بل هي ما يحمي الأسرة من الانهيار.

وتعيد هذه الحوادث تسليط الضوء على تصاعد بعض أشكال العنف داخل الأسرة في ظل الظروف المعقدة التي يعيشها المجتمع السوري، وما يرافق ذلك من نقاشات واسعة حول أسبابه وسبل الحد منه، خاصة مع تكرار وقائع مشابهة خلال فترات متقاربة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ