جرائم التعذيب وآليات الملاحقة والمساءلة في القانون الدولي
أحيا العالم، يوم الجمعة الفائتة، اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يصادف السادس والعشرين من حزيران من كل عام، والذي يمثّل محطةً عالمية لتسليط الضوء على خطورة هذه الجريمة التي تستهدف كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، وفرصة لتجديد الالتزام الدولي بمحاسبة مرتكبيها، وتعزيز الجهود الرامية إلى دعم الضحايا والناجين وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.
يُعدّ التعذيب أحد أبرز الأساليب التي استخدمها نظام الأسد البائد بحق آلاف السوريين، بهدف انتزاع الاعترافات، وقمعهم، وإخضاعهم، والانتقام منهم، وقد أودى التعذيب بحياة آلاف المعتقلين خلال سنوات الثورة، في صورة تعكس حجم الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بحق السوريين على مدى سنوات حكمه.
وتشكل هذه الممارسات خرقاً صارخاً للقيم الإنسانية، وانتهاكاً واضحاً للاتفاقيات الدولية التي تكفل حماية حقوق الإنسان وتحظر التعذيب تحت أي ظرف.
في هذا السياق، قالت المحامية أسماء نعسان في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التعذيب لا يعد مجرد انتهاك لحق من حقوق الإنسان، وإنما يعد اعتداءً مباشراً على الكرامة الإنسانية، ولهذا السبب جاء حظره في القانون الدولي حظراً مطلقاً لا يقبل أي استثناء أو تبرير، سواء في حالات الحرب أو الطوارئ أو مكافحة الإرهاب أو حتى بحجة حماية الأمن القومي، وأضافت أن القانون الدولي واضح في هذه المسألة، ولا يجيز لأي دولة أو جهة رسمية التذرع بأي ظرف لتبرير ممارسة التعذيب.
وأشارت إلى أنه من منظور القانون الدولي الإنساني، يُصنّف التعذيب ضمن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف، ويعد جريمة حرب إذا ارتُكب أثناء نزاع مسلح بحق الأشخاص المحميين، كالمدنيين أو أسرى الحرب أو الجرحى، وبيّنت أنه إذا ارتُكب بصورة واسعة النطاق أو بشكل منهجي ضمن سياسة تستهدف السكان المدنيين، فإنه قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، بما يرتب مسؤولية جنائية دولية بحق مرتكبيه وكل من أمر به أو ساهم فيه أو سهّل ارتكابه.
ولفتت إلى أن خطورة التعذيب لا تقتصر على ما يخلّفه من أذى جسدي أو نفسي للضحية، وإنما تمتد إلى تقويض سيادة القانون، وإضعاف الثقة بمؤسسات العدالة، وترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وهو ما يجعل مكافحته ومحاسبة المسؤولين عنه ضرورة قانونية وأخلاقية في آن واحد.
وأضافت أن استخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات أو المعلومات يرتب مسؤولية قانونية على أكثر من مستوى، فمن الناحية الجنائية يُسأل كل من مارس التعذيب أو أمر به أو حرّض عليه أو ساهم في ارتكابه، ولا تقتصر المسؤولية على المنفذ المباشر، بل تمتد إلى القيادات التي أصدرت الأوامر أو سمحت باستمرار هذه الممارسات أو امتنعت عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنعها أو محاسبة مرتكبيها، وذلك استناداً إلى مبدأ مسؤولية القيادة، وأفادت بأن الدولة نفسها تتحمل مسؤولية دولية إذا أخفقت في منع التعذيب أو التحقيق فيه أو ملاحقة المسؤولين عنه، باعتبار أن حماية الأفراد من التعذيب التزام يقع على عاتقها.
وأكدت أنه فيما يتعلق بالاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، فإن القانون الدولي يحسم هذه المسألة بشكل واضح، إذ تعتبر هذه الاعترافات باطلة ولا يجوز الاستناد إليها كدليل أمام القضاء، وذكرت أن المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب أكدت هذا المبدأ، فنصت على عدم جواز الاحتجاج بأي أقوال ثبت أنها انتُزعت نتيجة التعذيب، إلا إذا استُخدمت كدليل ضد الشخص المتهم بارتكاب التعذيب نفسه.
وشددت نعسان لـ "شام" على أن هذا المبدأ يعد من أهم ضمانات المحاكمة العادلة، لأنه يؤكد أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على وسائل غير مشروعة، وأن أي اعتراف يُنتزع بالإكراه أو التعذيب يفقد قيمته القانونية مهما كان مضمونه، لأن إضفاء المشروعية على مثل هذه الأدلة يعني منح التعذيب غاية قانونية، وهو ما يرفضه القانون الدولي رفضاً قاطعاً.
وتحدثت عن أن القانون الدولي ينظر إلى الانتهاكات المنهجية داخل أماكن الاحتجاز أو السجون باعتبارها أخطر بكثير من الحالات الفردية، لأن تكرار التعذيب بشكل منظم أو واسع النطاق يدل على أن الأمر لا يتعلق بتصرفات شخصية أو تجاوزات معزولة، وإنما بسياسة أو ممارسة ممنهجة، وبيّنت أنه في مثل هذه الحالات قد يرتقي التعذيب إلى جريمة ضد الإنسانية إذا ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين، وهو ما يرتب مسؤولية جنائية دولية بحق المسؤولين عنه.
وأوضحت أن تقييم الطابع المنهجي لا يقتصر على عدد الضحايا فقط، وإنما يستند أيضًا إلى مجموعة من المؤشرات، مثل تكرار الوقائع، وتشابه أساليب التعذيب في أماكن احتجاز مختلفة، ووجود أوامر أو تعليمات مباشرة أو غير مباشرة، أو تغاضي السلطات عن هذه الممارسات، إلى جانب استمرار الإفلات من العقاب وعدم إجراء تحقيقات جدية بشأنها.
وأكدت أن المسؤولية القانونية في هذه الحالة لا تقتصر على الأشخاص الذين باشروا التعذيب، وإنما تمتد إلى كل من ساهم في وضع السياسات أو أصدر الأوامر أو وفّر الحماية أو الغطاء لاستمرار هذه الانتهاكات، لأن القانون الدولي لا يحاسب فقط من ينفذ الجريمة، وإنما أيضًا من يخطط لها أو يسمح باستمرارها أو يتقاعس عن منعها ومحاسبة مرتكبيها.
وأشارت إلى أن آليات المحاسبة عن جرائم التعذيب لا تقتصر على المحكمة الجنائية الدولية، وإنما تشمل مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تهدف إلى ضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، وذكرت أن المحكمة الجنائية الدولية تختص بالنظر في جرائم التعذيب عندما ترقى إلى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، وذلك وفقاً للشروط التي حددها نظام روما الأساسي.
ونوهت إلى بروز مبدأ الولاية القضائية العالمية كإحدى أهم الأدوات القانونية في ملاحقة مرتكبي التعذيب، خاصة في الحالة السورية، حيث يتيح هذا المبدأ لبعض الدول محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية أمام محاكمها الوطنية، حتى وإن ارتُكبت الجرائم خارج إقليمها ودون اشتراط أن يكون الجاني أو الضحية من رعاياها، باعتبار أن جرائم التعذيب تمس المجتمع الدولي بأسره.
ولفتت إلى أنه تم تطبيق هذا المبدأ عملياً في عدد من الدول الأوروبية، ومن أبرز الأمثلة محاكمة الضابط السوري السابق أنور رسلان أمام المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز بألمانيا، والتي انتهت بإدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها التعذيب داخل مراكز الاحتجاز، والحكم عليه بالسجن المؤبد.
وأضافت أنه أُدين إياد الغريب في القضية نفسها، إلى جانب فتح تحقيقات ومحاكمات في ألمانيا وفرنسا والسويد وهولندا بحق أشخاص يشتبه بتورطهم في جرائم تعذيب وانتهاكات جسيمة ارتُكبت في سوريا، وأكدت أن هذه القضايا تؤكد أن الجرائم الدولية لا تتوقف ملاحقتها عند حدود الدولة التي ارتُكبت فيها، وأن مبدأ الولاية القضائية العالمية أصبح يشكل نافذة مهمة لتحقيق العدالة للضحايا السوريين.
وأفادت بأن الآليات الدولية التابعة للأمم المتحدة تؤدي دوراً محورياً في دعم العدالة، وفي مقدمتها الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا، التي تتولى جمع الأدلة وحفظها وتحليلها، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، التي وثّقت في تقاريرها أنماطاً متكررة ومنهجية من التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز، وهو ما أسهم في تعزيز الملفات القضائية أمام عدد من المحاكم الأوروبية.
وشددت على أن فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدد من الدول عقوبات فردية على مسؤولين سوريين يشتبه بتورطهم في جرائم تعذيب وانتهاكات جسيمة، شملت حظر السفر وتجميد الأصول، ورغم أن هذه التدابير لا تعد بديلاً عن المحاسبة الجنائية، إلا أنها تشكل أداة مهمة للحد من الإفلات من العقاب، وتؤكد أن الجرائم الجسيمة تظل محل ملاحقة ومساءلة على المستوى الدولي.
وأكدت أن الأصل في القانون الدولي أن جرائم التعذيب، متى ارتقت إلى مستوى جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، تُعد من الجرائم غير القابلة للتقادم، أي أن مرور الزمن لا يسقط الحق في ملاحقة مرتكبيها أو محاسبتهم مهما طالت المدة منذ ارتكابها، وذلك نظراً لخطورة هذه الجرائم وطبيعتها الاستثنائية.
وأضافت أن الاتفاقيات الدولية والاجتهادات القضائية كرّست هذا المبدأ، وهو ما انعكس عملياً في عدد من القضايا التي حوكم فيها مسؤولون عن جرائم تعذيب وانتهاكات جسيمة بعد سنوات طويلة من ارتكابها، ما يؤكد أن مرور الزمن لا يمكن أن يكون وسيلة للإفلات من العقاب في الجرائم الدولية.
وأشارت إلى أن هذا المبدأ برز بشكل واضح في الحالة السورية من خلال المحاكمات التي أُجريت في عدد من الدول الأوروبية استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، حيث نظرت المحاكم في جرائم تعذيب ارتُكبت قبل سنوات، وأصدرت أحكاماً بحق عدد من المسؤولين والمتورطين، وهو ما يؤكد أن هذه الجرائم تظل قابلة للملاحقة متى توافرت الأدلة والإرادة القانونية.
ولفتت إلى أن عدم خضوع هذه الجرائم للتقادم يمثل إحدى أهم الضمانات القانونية لحقوق الضحايا، لأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تسقط بمرور الزمن، وأن مرتكبي جرائم التعذيب سيظلون عرضة للمساءلة كلما توفرت الفرصة القانونية لذلك.
وتحدثت عن أن التوثيق القانوني والإعلامي يعد حجر الأساس في أي مسار جاد للمساءلة عن جرائم التعذيب، لأن أي ملاحقة قضائية لا يمكن أن تقوم دون أدلة موثوقة ومستوفية للمعايير القانونية، وبيّنت أن التوثيق القانوني لا يقتصر على تسجيل الانتهاكات، وإنما يهدف إلى بناء ملف إثبات متكامل يمكن الاستناد إليه أمام المحاكم الوطنية أو الدولية، من خلال جمع شهادات الضحايا والشهود وفق الأصول القانونية، وتوثيق التقارير الطبية، وحفظ الأدلة الرقمية والمادية بطريقة تضمن سلامتها وسلسلة حفظها.
وأوضحت أنه في الجرائم الدولية لا تقتصر أهمية التوثيق على إثبات وقوع التعذيب بحق شخص معين، وإنما تمتد إلى إثبات وجود نمط ممنهج من الانتهاكات وربط الوقائع الفردية بالجهات المسؤولة عنها وتسلسل القيادة، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في إثبات جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.
وأفادت بأن هذا الأمر برز بوضوح في الحالة السورية، حيث اعتمدت المحاكم الأوروبية، ولا سيما في قضية أنور رسلان، على شهادات الناجين والتقارير الطبية والصور والوثائق، إضافة إلى تقارير المنظمات الحقوقية والآليات الدولية، لإثبات أن التعذيب لم يكن حوادث فردية، وإنما جزءاً من سياسة ممنهجة داخل مراكز الاحتجاز.
وأكدت في ختام حديثها أن التوثيق الإعلامي يؤدي دوراً مكملاً للتوثيق القانوني، إذ يسهم في كشف الانتهاكات للرأي العام، ودعم جهود المناصرة، والحفاظ على ذاكرة الضحايا، ومنع طمس الأدلة أو إنكار الجرائم، لكنها شددت على ضرورة أن يتم ذلك بمهنية ومسؤولية، مع مراعاة حماية الضحايا والشهود، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، حتى لا يؤدي النشر غير الدقيق إلى الإضرار بالضحايا أو إضعاف فرص المحاسبة.