جبر الضرر في القانون الدولي: الأسس القانونية والتطبيقات والتحديات في سوريا
يمثل جبر الضرر أحد الركائز الأساسية في مسار العدالة الانتقالية، إذ يقوم على مبدأ قانوني يقضي بضرورة معالجة الآثار التي تخلّفها الانتهاكات، بما يضمن إنصاف الضحايا وإعادة الاعتبار لحقوقهم، ويستند هذا المفهوم إلى قواعد مستقرة في القانون الدولي، تلزم بتقديم أشكال متعددة من الجبر، لا تقتصر على التعويض المالي، بل تشمل أيضاً ردّ الحقوق، وإعادة التأهيل، والاعتراف بالانتهاك، وضمان عدم تكراره، بوصفها استجابة لأي فعل غير مشروع.
وفي السياق السوري، يُطرح جبر الضرر كأحد المسارات الممكنة ضمن أي مقاربة قانونية أو حقوقية تسعى لمعالجة ما خلّفته السنوات الماضية من تداعيات على الأفراد والمجتمع، الأمر الذي يجعله عنصراً أساسياً في جهود تحقيق الإنصاف وتعزيز الثقة على المدى البعيد.
قال المحامي علي محمد اسكان، محامٍ وباحث في السياق القانوني والحقوقي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن جبر الضرر يمثل أحد أهم أركان العدالة الانتقالية، إلى جانب مبادئ المساءلة والمحاسبة وكشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار.
وأضاف أن مبدأ جبر الضرر في القانون الدولي يعد من المبادئ الرئيسية، إذ يقوم على فكرة أن أي انتهاك يجب أن يتبعه جبر للضرر وإصلاحه، ويستند هذا المفهوم إلى مجموعة من المراجع القانونية، منها القانون الدولي العرفي، وكذلك لجنة القانون الدولي من خلال مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة لعام 2001، ولا سيما المواد (31/34/37)، وأشار إلى أن الأمم المتحدة اعتمدت في عام 2005 المبادئ الأساسية والتوجيهية بشأن الحق في الانصاف وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الجسيمة.
تنظيم جبر الضرر في القانون الدولي وعلاقته بمسؤولية الدولة
نوّه المحامي علي في تصريح خاص لـ شام إلى أن حق الضحايا في جبر الضرر يُنظم ضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان من خلال كفالة معظم الاتفاقيات الدولية لحق الضحايا في الإنصاف العادل، ومن أهم هذه الاتفاقيات: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المواد (2/3)، واتفاقية مناهضة التعذيب في المادة (14)، وبعض الاتفاقيات الإقليمية كالاتفاقية الأوروبية والأمريكية لحقوق الإنسان.
وبيّن أن جبر الضرر والإنصاف يشملان مجموعة من القواعد، وهي: إعادة الحقوق، والتعويض المادي، وإعادة التأهيل، والاعتذار وكشف الحقيقة، وضمان عدم التكرار، كما أن جبر الضرر في القانون الدولي الإنساني يكون من خلال اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي الأول، التي تنص على مسؤولية أطراف النزاع عن الانتهاكات وضمان التعويض في حالات مخالفة قواعده.
وذكر أن العلاقة بين جبر الضرر ومبدأ مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة علاقة مباشرة، إذ تعد مسؤولية الدولة والحكومات مسؤولية رئيسية عن هذه الأفعال، مع إلزامية جبر الضرر عنها، وتحدث اسكان عن أن الدول والحكومات، في حال ارتكابها أو ارتكاب أي جماعات أخرى ضمن حدودها لانتهاكات، تعد مسؤولة عن وقف هذه الانتهاكات فوراً، وتقديم الجناة للمحاكم، وتقديم ضمانات لعدم التكرار، وجبر ضرر المتضررين والضحايا.
وأوضح أنه لا يجوز للدول أن تقصر في هذه السياقات، كونها المسؤول الأول عن ضمان الأمن والسلام، ومنع الانتهاكات سواء من قبل أجهزتها أو أي مجموعات أخرى، حيث أن جبر الضرر هو مسؤولية قانونية لا يمكن التنصل منها لأي سبب، وأكد أن مسؤولية الدولة تشكل الضمان الرئيسي لمنع حدوث الانتهاكات، وكذلك لضمان جبر الضرر للضحايا، انطلاقاً من دورها في رعاية المجتمع وضمان كافة حقوقه، ولا سيما في مجالي الأمن والسلام.
التطبيقات الدولية والفروقات مع المقاربة الوطنية والتحديات في الحالة السورية
شدد علي محمد اسكان على أن المحاكم الدولية عالجت مسألة جبر الضرر من خلال آليات قضائية متخصصة تهدف إلى تعويض الضحايا بطريقة عادلة ومناسبة، ومن أبرز السوابق: محكمة العدل الدولية في قضية مصنع خورو، والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان التي أسهمت في تطوير قانون منح التعويض، إضافة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تمنح الرضا العادل للضحايا.
وأفاد بأن الفروقات بين المقاربة الدولية والوطنية في جبر الضرر تظهر بوضوح، إذ إن المقاربة الوطنية تستند إلى الدستور والقوانين المحلية، وغالباً ما تركز على التعويض المالي، وترتبط بالمسؤولية المدنية والجزائية، ولا تشمل إصلاحات مؤسسية إلا بشكل نادر أو متأخر.
وبين أن المقاربة الدولية ترتكز على مسؤولية الدول والتزاماتها الدولية، وتشمل مختلف أشكال التعويض، وترتبط بمبادئ حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، وغالباً ما تتضمن إصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار، ولفت إلى أنه من حيث المبدأ لا يوجد مانع من تطبيق هذه الأطر القانونية على الحالة السورية، إذا توفرت الإرادة السياسية والجدية في التنفيذ، بما يضمن جبر ضرر عادل لجميع الضحايا.
وذكر اسكان أن أبرز التحديات تتمثل في الكم الهائل من الضحايا والانتهاكات نتيجة طول فترة النزاع وتعدد الجهات، وعدم توثيق جميع الانتهاكات بشكل مهني أو غياب التوثيق في بعض الحالات، إضافة إلى حجم الدمار الكبير في معظم المحافظات.
وأشار إلى أن من التحديات أيضاً الإرادة السياسية والتدخل الدولي، ومدى قدرة القوانين المحلية على مواجهة الانتهاكات وتحقيق المحاسبة العادلة، إلى جانب الحاجة إلى إصلاح القضاء والمؤسسات القانونية والقوانين، وأكد على أن تطبيق جبر الضرر في الحالة السورية يتطلب تمويلاً ضخماً وطويل الأمد.
يظل جبر الضرر مساراً يرتبط بتوافر شروط قانونية ومؤسساتية، تتداخل فيها الاعتبارات الوطنية والدولية، ويعتمد تقدّم هذا المسار على القدرة على تحويل المبادئ القانونية إلى إجراءات عملية قابلة للتطبيق، بما يراعي خصوصية الواقع وتحدياته، ضمن إطار يسعى إلى تحقيق قدر من الاستقرار على المدى الطويل.