التنقيب عن الآثار… بين وهم الثراء السريع والمسؤولية القانونية
شهدت ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار في سوريا تصاعداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، لتتحول إلى نشاط يمارسه بعض الأفراد بشكل غير قانوني، مدفوعين بأوهام الثراء السريع وإمكانية العثور على دفائن تاريخية، في ظل ظروف معيشية صعبة وتراجع مستويات الرقابة على العديد من المواقع الأثرية.
وتعود أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، أبرزها الضائقة الاقتصادية التي دفعت البعض للبحث عن مصادر دخل غير تقليدية، إلى جانب انتشار المعتقدات الشعبية حول وجود كنوز مدفونة، فضلاً عن سهولة الحصول على أجهزة كشف المعادن التي شجعت على خوض هذه المغامرة، إضافة إلى ضعف الحماية الميدانية للمواقع الأثرية واتساع رقعتها.
تداعيات التنقيب العشوائي عن الٱثار
أما التداعيات السلبية، فتتجلى في الأضرار الجسيمة التي تلحق بالمواقع الأثرية نتيجة الحفر العشوائي، ما يؤدي إلى تدمير طبقات أثرية مهمة وفقدان معلومات تاريخية لا يمكن تعويضها، فضلاً عن سرقة القطع وتهريبها إلى خارج البلاد، الأمر الذي يشكل خسارة كبيرة للتراث الثقافي ويقوض الجهود المبذولة للحفاظ عليه.
ولا تقتصر التداعيات على الأضرار التي تلحق بالمواقع الأثرية أو فقدان قيمتها التاريخية، بل تمتد لتشمل تبعات قانونية يتحملها الأفراد المنخرطون في هذا النوع من الأنشطة، إذ يواجه المنقبون عن الآثار مساءلة قانونية قد تصل إلى عقوبات مشددة، وهو ما يسلط الضوء على الإطار القانوني الناظم لهذه الممارسات.
عقوبات قانونية بحق المنقبين غير الشرعيين
في هذا السياق، قال المحامي باسل محمد موسى، الأستاذ لدى نقابة دمشق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التشريع السوري، وفق المرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 وتعديلاته ولا سيما بالقانون رقم 1 لعام 1999، ينظر إلى التنقيب العشوائي بصفته جريمة جنائية واعتداءً على أملاك الدولة والتراث الوطني، وأوضح أن القانون ينص على أن جميع الآثار الثابتة والمنقولة الموجودة في باطن الأرض أو على سطحها هي ملكية عامة للدولة حصراً.
وأضاف أن ملكية الشخص للأرض أو العقار لا تعطيه أي حق في التصرف بما يوجد في باطنها من آثار أو دفائن، ولا تمنحه حق الحفر دون ترخيص رسمي من المديرية العامة للآثار والمتاحف، وأشار إلى أن العقوبات الجزائية بحق المنقبين غير الشرعيين تصل إلى الجناية المشددة، وبين أن المادة 57 (فقرة ب) تعاقب بالاعتقال من 10 سنوات إلى 15 سنة، وبغرامة مالية تتراوح بين 100 ألف و500 ألف ليرة سورية، كل من أجرى التنقيب عن الآثار خلافاً لأحكام القانون.
ونوه إلى أنه يُعاقب المنقب بالحد الأقصى للعقوبة، أي 15 سنة، إذا ترتب على عملية الحفر إلحاق ضرر جسيم بالأثر أو الموقع الأثري، وبيّن أن المادة 68 تنص على تغريم الفاعل بقيمة الأثر المالي والفني الذي تقدره لجنة خبراء الآثار، وذلك في حال تعذر استرداد الأثر أو إتلافه أثناء الحفر، بالإضافة إلى عقوبة السجن.
ولفت موسى إلى التمييز بين البحث الفردي عن الذهب والدفائن وبين الاتجار المنظم، وأشار إلى أن التنقيب والبحث الفردي يُكيف كجريمة تنقيب غير مشروع عن الآثار وفق المادة 57، ويكون دافعه غالباً البحث عن الربح السريع أو توهم وجود دفائن، ويتم باستخدام أدوات بسيطة أو أجهزة كشف المعادن.
وذكر أن العقوبة في هذه الحالة هي الاعتقال من 10 إلى 15 سنة، وشدد على أن القانون لا يعفي من يبحث عن الذهب بحجة جهله بوجود آثار، إذ إن الذهب والعملات المدفونة تاريخياً تُعد أثراً بحكم القانون، وفيما يتعلق بالاتجار المنظم والتهريب، أشار إلى أنه يُكيف كجناية اتجار بالآثار وفق المادة 57-ج أو تهريب آثار وفق المادة 56، ويكون بدافع تشكيل عصابي أو شبكي يهدف إلى التكسب المستمر وتسويق الآثار داخل وخارج البلاد.
وأوضح أن العقوبة في عمليات الاتجار تكون الاعتقال من 10 إلى 15 سنة، وترتفع إلى الاعتقال من 15 إلى 25 سنة مع غرامة تصل إلى مليون ليرة في حال ثبوت تهمة التهريب أو الشروع فيه، وأكد أنه عند ضبط شخص بحوزته لقى أثرية ناتجة عن حفر غير شرعي، تُصادر القطع المضبوطة فوراً ويتم تسليمها عبر القضاء إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف لتوصيفها وتأطيرها علمياً.
تحديات تطبيق القوانين وآليات تعزيز الحماية
وشدد المحامي باسل في تصريح خاص لـ شام على أن الشخص يُحال إلى القضاء الجزائي بتهم حيازة آثار غير مسجلة أو التنقيب غير المشروع أو محاولة المتاجرة، وأفاد أن من يعثر على أثر مصادفة أثناء البناء أو الفلاحة ويُبلغ أقرب سلطة خلال 24 ساعة لا يُحاكم، بل يُمنح مكافأة مالية تُقدرها سلطات الآثار، في حين أن من يكتم الأثر أو يحتفظ به دون تسجيل يُعاقب بالحبس وتُصادر القطعة فوراً.
وبيّن أن تطبيق القوانين على أرض الواقع يواجه تحديات عدة، من أبرزها اتساع الرقعة الأثرية في سوريا ووجود آلاف التلال والمواقع الممتدة على مساحات شاسعة، ما يجعل حراستها أمراً معقداً، ولفت إلى ضعف الإمكانيات اللوجستية، من حيث نقص أعداد الحراس وآليات المراقبة مقارنة بحجم المواقع، إلى جانب التطور التقني لدى المنقبين وانتشار أجهزة كشف المعادن التي تسهل الحفر السري وإخفاء الآثار.
وأشار إلى أن العوامل الاقتصادية تدفع بعض الأفراد إلى اللجوء للتنقيب بدافع الضائقة المادية والانسياق وراء الشائعات، وأكد أن التشريعات الحالية، رغم قسوة عقوبات السجن، تحتاج إلى تطوير وتحديث، ولا سيما فيما يتعلق بالغرامات المالية التي فقدت قيمتها الرادعة بسبب التصخم، مشيراً إلى ضرورة ربطها بالقيمة الفعلية للأثر أو اعتماد حدود أدنى متغيرة.
وشدد على أهمية ضبط تقنيات الكشف من خلال سن قوانين تجرم استيراد أو حيازة أو بيع أجهزة كشف المعادن دون ترخيص أمني وٱثاري مسبق، ونوّه إلى ضرورة سد الثغرة بين الذهب الخام والأثري عبر تنظيم لوائح تفرق بوضوح بين التعدين الحرفي لمعادن الطبيعة والتنقيب الأثري، وأكد أن تفعيل الشرطة الأثرية وتأسيس جهاز متخصص مزود بتقنيات المراقبة والإنذار المبكر يُعد من الخطوات المهمة لحماية الآثار.
وفي سياق متصل، يشير خبراء الآثار إلى أن حماية المواقع الأثرية تتطلب تكثيف الجهود الميدانية، من خلال تعزيز الحراسة على المواقع المنتشرة في مختلف المناطق، وتفعيل آليات المراقبة المستمرة، إضافة إلى الحد من استخدام أدوات الكشف غير المرخصة، والعمل على توثيق المواقع بشكل علمي يحول دون العبث بها أو استهدافها بعمليات الحفر غير الشرعي.
ويلفت الخبراء إلى أن مواجهة هذه الظاهرة لا تنفصل عن دور الوعي المجتمعي، إذ يشكل نشر الثقافة المرتبطة بأهمية التراث والحفاظ عليه عاملاً أساسياً في الحد من التنقيب العشوائي، إلى جانب معالجة الظروف الاقتصادية التي تدفع بعض الأفراد إلى الانخراط في هذه الممارسات بدافع الحاجة أو السعي وراء مكاسب سريعة.
تُعد ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار قضية متشابكة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ما يجعل الحد منها تحدياً يتطلب تضافر الجهود على أكثر من مستوى، وبين الحاجة إلى تشديد الرقابة وتفعيل القوانين، يبرز دور الوعي المجتمعي في حماية هذا الإرث، كجزء من الذاكرة التاريخية التي لا يمكن تعويضها في حال فقدانها.