موسم استثنائي يعزز الأمن الغذائي.. سوريا تحقق اكتفاء ذاتي من القمح
موسم استثنائي يعزز الأمن الغذائي.. سوريا تحقق اكتفاء ذاتي من القمح
● اقتصاد ٨ أغسطس ٢٠٢٦

موسم استثنائي يعزز الأمن الغذائي.. سوريا تحقق اكتفاء ذاتي من القمح

أعلنت جهات رسمية تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول القمح خلال موسم 2026، بعد وصول الكميات المستلمة من مختلف المحافظات إلى نحو 2.7 مليون طن، متجاوزة الاحتياجات السنوية المقدرة بنحو 2.55 مليون طن، في تطور وصفته وزارة الاقتصاد والصناعة بأنه محطة مهمة على طريق التعافي الاقتصادي وتعزيز الأمن الغذائي في البلاد.

ويأتي الإعلان بعد موسم زراعي شهد تحسناً ملحوظاً في إنتاج القمح مقارنة بالسنوات الماضية، مدفوعاً بتحسن الظروف المناخية، ولا سيما الهطولات المطرية التي تزامنت مع المراحل الأساسية لنمو المحصول، إلى جانب الإجراءات الحكومية الهادفة إلى دعم المزارعين وتأهيل البنية التحتية الخاصة باستلام وتخزين الحبوب.

2.7 مليون طن تتجاوز الاحتياجات المحلية

وقال نائب وزير الاقتصاد والصناعة، المهندس ماهر خليل الحسن، يوم السبت 8 آب/ أغسطس إن وصول سوريا إلى الاكتفاء الذاتي من القمح لا يمثل مجرد رقم في سجل الإنتاج، وإنما يحمل دلالة اقتصادية واستراتيجية على قدرة البلاد على الاعتماد على مواردها الوطنية وكفاءات مزارعيها في مواجهة التحديات.

وأشار الحسن إلى أن المؤسسة السورية للحبوب بات لها دور في مسار التعافي الاقتصادي، معتبراً أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول أساسي كالقمح يعكس قدرة القطاع الزراعي على المساهمة في بناء اقتصاد منتج وتقليل الاعتماد على الخارج.

وبحسب الأرقام الرسمية، بلغت كميات القمح المستلمة خلال الموسم الحالي نحو 2.7 مليون طن، في حين تقدر حاجة سوريا السنوية بنحو 2.55 مليون طن، ما يعني وجود فائض أولي يقدر بنحو 150 ألف طن فوق الاحتياجات السنوية المقدرة.

وأكد رئيس لجنة تسويق القمح في سوريا، عبدالوهاب السفر، أن إنتاج الموسم الحالي يقدر بنحو 2.7 مليون طن، معتبراً أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يمثل محطة وطنية تؤكد قدرة القطاع الزراعي على تعزيز الأمن الغذائي من خلال تكامل جهود المزارعين والمؤسسات الحكومية.

دعم حكومي للمزارعين وإعادة تأهيل الصوامع

وربط نائب وزير الاقتصاد والصناعة هذا الإنجاز بحزمة من الإجراءات الحكومية التي سبقت موسم الحصاد، وفي مقدمتها تخصيص ميزانية لإعادة ترميم وتأهيل الصوامع، إضافة إلى تقديم مكافأة مالية للمزارعين، بما ساهم في تشجيعهم على زراعة القمح وتسويق إنتاجهم عبر المراكز الرسمية.

كما أثنى الحسن على جهود كوادر الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك والمؤسسة السورية للحبوب، إلى جانب الجهات التي شاركت في إدارة الموسم، ومن بينها وزارات الزراعة والداخلية والنقل والمالية، ومصرف سوريا المركزي، والمحافظات، واتحاد الفلاحين.

وأكد أن نجاح الموسم لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تنسيق بين الجهات الحكومية والفنية والقطاع الزراعي، إلى جانب جهود المزارعين الذين حافظوا على زراعة أراضيهم رغم الظروف الصعبة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.

84 مركزاً لاستلام القمح في 11 محافظة

وكان مدير عام المؤسسة السورية للحبوب، حسن العثمان، قد أكد أن المؤسسة رفعت جاهزيتها لاستقبال محصول 2026، رغم حالة التهالك التي أصابت جزءاً من البنية التحتية للحبوب نتيجة سنوات الإهمال.

وأوضح العثمان أن المؤسسة اعتمدت 84 مركزاً لاستلام القمح في 11 محافظة، بهدف تخفيف الازدحام وتسهيل عمليات التسليم وتقليل الأعباء على المزارعين، إلى جانب اتخاذ إجراءات إسعافية في محافظتي الرقة والحسكة، حيث تتركز مساحات واسعة من زراعة القمح.

وشملت خطة المؤسسة تأهيل وصيانة وإعادة تشغيل عدد من الصوامع والصويمعات والمستودعات، إضافة إلى تجهيز العراءات وأماكن التخزين المتاحة لرفع القدرة الاستيعابية أمام الكميات الكبيرة التي جرى تسويقها خلال الموسم.

كما أطلقت المؤسسة منصة إلكترونية لحجز أدوار استلام القمح مسبقاً، في خطوة تهدف إلى تنظيم عمليات التسليم والحد من الازدحام، إلى جانب تحمل أجور نقل المحصول بالنسبة لمزارعي المناطق البعيدة، بما يخفف التكاليف التي يتحملها المنتجون.

تحسن الإنتاج نتيجة الأمطار وتراجع تكاليف الري

ويرى الخبير الزراعي أكرم عفيف أن تحسن إنتاج الموسم الحالي ارتبط بصورة رئيسية بالظروف المطرية الملائمة، إذ تزامنت الهطولات مع مراحل حاجة المحصول للمياه، الأمر الذي خفف تكاليف الري بالنسبة للمزارعين وساهم في رفع إنتاجية القمح البعل في عدد من المناطق.

وأكد عفيف أهمية استمرار تحسين السياسة السعرية لمحصول القمح، باعتبار السعر المجزي أحد أبرز العوامل التي تشجع المزارعين على الاستمرار في زراعته، إلى جانب توفير الأسمدة والبذار وبقية مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة.

ولفت إلى أن تطوير أصناف القمح وإنتاج وإكثار البذار المحسن يمثلان عاملاً أساسياً في رفع الإنتاجية، مشيراً إلى أن بعض المشكلات المرتبطة بعمليات تعقيم البذار خلال الموسم أثرت في نسب الإنبات، ما يتطلب تشديد الرقابة والدقة في مراحل تجهيز البذار للمواسم المقبلة.

وأشار إلى أن استقرار إنتاج القمح على المدى الطويل يتطلب تكامل عدة عوامل، تشمل تحسين استخدام الموارد المائية، وإعادة استثمار السدود في المناطق القابلة للتوسع في زراعة القمح، وتطوير الأصناف الزراعية، وتحسين الخدمات المقدمة للمزارعين.

زيادة الإنتاج تنشط قطاعات اقتصادية متعددة

اقتصادياً، لا يقتصر أثر زيادة إنتاج القمح على تأمين الخبز والدقيق، بل يمتد إلى مجموعة واسعة من القطاعات المرتبطة بسلسلة إنتاج وتسويق الحبوب.

وأوضح الخبير الاقتصادي عبد العظيم المغربل أن زيادة الإنتاج تؤدي إلى رفع دخل المزارعين وتنشيط قطاعات النقل والطحن والتخزين والخدمات الزراعية، فضلاً عن دعم الحركة الاقتصادية في المناطق الريفية التي تعتمد بصورة كبيرة على النشاط الزراعي.

وأشار إلى أن ارتفاع الإنتاج المحلي يمنح الدولة قدرة أكبر على تأمين احتياجات المطاحن والمخابز، ويقلل من تأثر السوق السورية بتقلبات أسعار القمح العالمية، ولا سيما في ظل الاضطرابات التي تشهدها الأسواق الدولية.

وفي المقابل، أوضح المغربل أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح لا يعني بالضرورة انخفاض سعر الخبز بشكل مباشر، لأن تكلفة إنتاجه وتسويقه ترتبط بعوامل أخرى، من بينها أسعار الطاقة والنقل والطحن وسياسات الدعم.

تخفيف فاتورة الاستيراد بالقطع الأجنبي

ومن أبرز الآثار الاقتصادية المتوقعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي تقليل حاجة سوريا إلى استيراد القمح، وبالتالي تخفيف الطلب على القطع الأجنبي المستخدم في تمويل الواردات.

ويرى المغربل أن زيادة الإنتاج المحلي تساعد الدولة على توجيه جزء من الموارد المالية التي كانت ستخصص لاستيراد القمح نحو قطاعات أخرى، معتبراً أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول استراتيجي يمثل عنصراً مهماً في الأمن الاقتصادي، إلى جانب دوره المباشر في الأمن الغذائي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة لسوريا، التي واجهت خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة في تأمين احتياجاتها من القمح نتيجة تراجع الإنتاج المحلي، وتضرر البنية التحتية الزراعية، وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، إضافة إلى تقلبات الأسواق العالمية.

دعم الفلاح شرط لاستدامة الإنجاز

بدوره، أكد مدير العلاقات العامة في اتحاد الفلاحين، بسام الحسين، أن دعم مزارعي القمح يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثماراً في استقرار الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى الإجراءات التي اتخذت خلال الموسم الحالي، ومنها القروض الحسنة المتعلقة بالبذار والأسمدة، والمكافأة المضافة إلى سعر شراء المحصول.

وأشار الحسين إلى أن هذه الإجراءات ساعدت في تخفيف جزء من تكاليف الإنتاج وتشجيع المزارعين على تسويق محاصيلهم عبر القنوات الرسمية، لكنه لفت في الوقت ذاته إلى وجود صعوبات إجرائية واجهت بعض المزارعين، ولا سيما تأخر وصول التعليمات التنفيذية الخاصة بآلية استلام القمح في بعض المراكز.

وأوضح أن هذه التأخيرات أثرت في استفادة بعض المنتجين من المكافأة المقررة، داعياً إلى معالجة هذه الملاحظات خلال المواسم المقبلة بما يضمن العدالة بين المزارعين.

وشدد على ضرورة تطوير برامج الدعم الزراعي من خلال تأمين مستلزمات الإنتاج، وزيادة القروض الميسرة، وتبسيط إجراءات التسليم، وتطوير مراكز الاستلام، بما يحافظ على قدرة سوريا على إنتاج احتياجاتها من القمح وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

من إنجاز موسمي إلى سياسة غذائية مستدامة

ويطرح تجاوز الإنتاج المحلي للاحتياجات السنوية سؤالاً أساسياً حول قدرة سوريا على الحفاظ على هذا المستوى من الإنتاج خلال المواسم المقبلة، خصوصاً أن إنتاج القمح يتأثر بدرجة كبيرة بالهطولات المطرية وتوفر المياه وأسعار مستلزمات الإنتاج والمساحات المزروعة وجودة البذار.

وبالتالي، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي في موسم واحد يمثل خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى تحويله إلى سياسة زراعية مستدامة تضمن استقرار الإنتاج لسنوات متتالية، عبر استمرار الاستثمار في البنية التحتية للحبوب، وتوسيع برامج البذار المحسن، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتحسين التسعير، وضمان وصول الدعم إلى المزارعين في الوقت المناسب.

كما أن رفع القدرة التخزينية يمثل تحدياً موازياً لزيادة الإنتاج، إذ إن تحقيق فائض في المحصول يحتاج إلى بنية قادرة على تخزينه والحفاظ على جودته إلى حين استخدامه، ما يجعل استمرار تأهيل الصوامع والمستودعات ومراكز الاستلام جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الغذائي.

رسالة اقتصادية تتجاوز موسم الحصاد

ويحمل إعلان الاكتفاء الذاتي من القمح أهمية تتجاوز الأرقام الزراعية، إذ يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على تأمين سلعة أساسية للسكان، وتقليل مخاطر تقلبات الأسواق الخارجية، وتخفيف الحاجة إلى تمويل الاستيراد بالقطع الأجنبي، وتحريك قطاعات اقتصادية واسعة تبدأ من الزراعة ولا تنتهي عند المطاحن والمخابز.

وبالنسبة للمزارعين، يشكل الموسم الحالي مؤشراً على أن استمرار الدعم وتحسين الأسعار وتوفير مستلزمات الإنتاج يمكن أن ينعكس سريعاً على حجم الإنتاج، فيما يبقى التحدي الأساسي أمام الجهات المعنية هو تحويل هذا النجاح إلى مسار طويل الأمد يحافظ على زراعة القمح باعتبارها إحدى ركائز الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

وبهذا المعنى، فإن وصول الاستلام إلى 2.7 مليون طن مقابل حاجة سنوية تقدر بـ2.55 مليون طن لا يمثل فقط تغطية للاستهلاك المحلي، بل يمنح سوريا هامشاً إضافياً في إدارة مخزونها الاستراتيجي، ويؤسس، في حال استمر الإنتاج بالمستويات المرتفعة، لإعادة بناء منظومة الحبوب على أسس أكثر استقراراً واستقلالاً عن الأسواق الخارجية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ