ما بين الإنكار والمواجهة.. كيف تُدار الصدمة النفسية؟
ما بين الإنكار والمواجهة.. كيف تُدار الصدمة النفسية؟
● مجتمع ٩ أغسطس ٢٠٢٦

ما بين الإنكار والمواجهة.. كيف تُدار الصدمة النفسية؟

في ظل تزايد الضغوط الحياتية وتسارع الأزمات التي يواجهها الأفراد، تبرز أهمية فهم كيفية التكيف مع الصدمات النفسية وبناء القدرة على التحمل كركائز أساسية للصحة النفسية، فالتعرض للمواقف الصعبة أصبح جزءاً من واقع يومي يفرض على الإنسان البحث عن أدوات فعالة تساعده على الاستمرار والحفاظ على توازنه.

استراتيجيات لبناء المرونة والقدرة على التحمل
وفي هذا السياق، قال أحمد عرفات، باحث دكتوراه في الصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العديد من الباحثين والرابطة النفسية الأمريكية وضعوا مجموعة من الخطوات والاستراتيجيات لبناء المرونة والقدرة على التحمل، يمكن إجمالها في عدد من النقاط، من أبرزها إقامة العلاقات الإيجابية، إذ تعزز العلاقات الإيجابية بين الشخص وأفراد أسرته والمقربين والأصدقاء قابلية مشاركته بالأنشطة الاجتماعية والدينية.

وأضاف أن تقبل المساعدة والدعم من الأشخاص الذين نحبهم يقوي المرونة النفسية لدينا، ويساعد الشخص كذلك مساعدة ودعم الآخرين وتقديم المساندة لهم أيضاً مما يعزز المرونة لديه ويزيد من جوانب قوته، كما أن طريقة تفسير الأحداث تعد عاملاً مهماً، فمن المفيد النظر إلى أن رغم وجود أحداث مرهقة في حياة الأفراد هو جزء من واقع الحياة، إلا أن طريقة النظر وتفسير هذه الأحداث تساعد في التغلب عليها والتعامل معها، مع الإيمان بأن المستقبل أفضل ومحاولة تجاوز الموقف الضاغط والتطلع للمستقبل.

وأشار إلى أهمية أن تكون أهداف الفرد واقعية وقابلة للتحقق، ومتناغمة مع مهاراته وقدراته وظروفه المحيطة، بما يساعده على وضع خطط تدريجية تبدأ بالأهداف قصيرة المدى وصولاً إلى أهدافه بعيدة المدى بشكل متوازن وفعّال، ونوه إلى أن بعض الظروف تكون خارج سيطرة الفرد وقدرته على تغييرها؛ لذلك من المناسب التركيز بالعمل على الظروف الممكنة التغيير للوصول للهدف، ولفت إلى أن المواجهة والتعامل مع المواقف السلبية بأفضل ما يمكن، وتجنب خيارات الهروب وتمني اختفاء الحدث بعيداً عن التعامل معه، يعد أمراً ضرورياً.

وذكر عرفات أن التقدير الإيجابي للذات، المتمثل في الثقة بالنفس وفي قدرة الفرد على التعامل مع المشكلات والمواقف السلبية، يعد عاملاً مهماً في نجاح التعامل وبناء التجربة الإيجابية التي تدعم مرونة الفرد، وتحدث عن أن مواجهة الأحداث والصراع والعمل على تجاوزها يعلم الناس اكتشاف جوانب عديدة في ذواتهم، والتعرف على جوانب نمت وتطورت نتيجة مجاهدتهم وتصديهم وتأقلمهم الإيجابي مع خبرات الفقدان أو الأحداث الضاغطة، مما يزيد من رفع تقدير الذات والرضا عن النفس والإحساس بقوتها وفعاليتها. 

وأوضح أن التقدير الطبيعي للأحداث يقصد به تجنب تضخيم الأحداث، ومحاولة التفكير طويل الأمد بالموقف المجهد، إلى جانب تبني النظرة المتفائلة مقابل المتشائمة، حيث يمكن التفاؤل الفرد من توقع أحداث جديدة في حياته تتسم بالإيجابية بدلاً من القلق بشأن الأحداث القادمة، وأكد أن العناية الذاتية بالنفس، من خلال الاهتمام بالحاجات الخاصة والمشاعر، والانخراط في أنشطة ممتعة كالاسترخاء والرياضة والكتابة وممارسة الشعائر والعبادات، تساعد في المحافظة على العقل والجسم، والاستعداد للتعامل مع المواقف الصعبة. 

أخطاء شائعة ترتكب خلال التعامل مع الصحة النفسية 
وشدد أحمد عرفات في تصريح خاص لـ شام على أن أكثر الأخطاء شيوعاً في التعامل مع الصدمة النفسية هي الإنكار، وكبت المشاعر، والعزلة، واللوم الذاتي، ومحاولة التعافي بسرعة، وتأخير طلب المساعدة المهنية، وأوضح أن التعامل الصحي مع الصدمة يكون من خلال الاعتراف بالمشاعر، والاستفادة من الدعم الاجتماعي، وممارسة العناية الذاتية، واللجوء إلى المختصين عند استمرار الأعراض أو تأثيرها على الحياة اليومية.

وأفاد بأنه إذا كان التعامل مع الصدمة النفسية يتطلب وعياً وصبراً، إلا أن كثيراً من الأشخاص يقعون في ممارسات قد تؤخر التعافي أو تزيد من حدة الأعراض النفسية، ومن أبرز هذه الأخطاء إنكار الصدمة أو التقليل من تأثيرها، وكبت المشاعر وعدم التعبير عنها، واللجوء إلى أساليب هروب غير صحية كالكحول وساعات العمل المفرطة، والعزلة الاجتماعية، ولوم الذات وتحميل النفس المسؤولية وتعزيز مشاعر الذنب، إضافة إلى التعرض المستمر للمثيرات المرتبطة بالصدمة كمتابعة متكررة لمقاطع فيديو عن الحدث أو تجنبها بالكامل.

وبين أن تجاوز الصدمة لا يعني محو الحدث من الذاكرة، بل الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الشخص تذكر ما حدث دون أن يسيطر عليه الألم أو يعطل حياته اليومية، فتجاوز الصدمة النفسية بشكل صحيح لا يكفي فيه تجاهلها أو محاولة نسيانها بسرعة، بل يحتاج الشخص إلى التعامل معها بطريقة صحية ومتدرجة. 

ولفت عرفات إلى أن من أهم الخطوات العملية الاعتراف بالصدمة ومشاعرها وتقبل أن ما حدث كان مؤلماً، وأن مشاعر الحزن أو الخوف أو الغضب أو الارتباك هي ردود فعل طبيعية، إلى جانب التحدث مع شخص موثوق ومشاركة المشاعر مع أحد أفراد الأسرة أو صديق مقرب أو مستشار نفسي لتخفيف العبء النفسي ومنع العزلة.

وأشار إلى أهمية تجنب كبت المشاعر، حيث إن البكاء أو التعبير عن المشاعر بالكتابة أو الحوار أفضل من إنكارها أو تجاهلها، وكذلك الحفاظ على الروتين اليومي والالتزام بالنوم المنتظم والتغذية الصحية والنشاط البدني لاستعادة الشعور بالاستقرار والسيطرة، ونوه إلى ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق والتأمل وتمارين الاسترخاء العضلي، لما لها من دور في تخفيف التوتر والقلق المرتبطين بالصدمة، إضافة إلى تجنب القرارات المصيرية المتسرعة بعد الصدمات القوية، إذ قد تتأثر القدرة على الحكم السليم، لذلك يفضل تأجيل القرارات المهمة حتى تستقر الحالة النفسية.

وذكر ضرورة الابتعاد عن وسائل الهروب الضارة مثل الإفراط في العزلة أو اللجوء إلى التدخين أو الكحول أو أي سلوكيات مؤذية للتخفيف المؤقت من الألم، وإعطاء النفس الوقت الكافي للتعافي، حيث إن التعافي من الصدمة عملية تدريجية تختلف من شخص لآخر ولا ينبغي الضغط على النفس للتعافي بسرعة، وتحدث عن أهمية طلب المساعدة المهنية عند الحاجة، خاصة إذا استمرت الأعراض لفترة طويلة مثل الكوابيس المتكررة أو القلق الشديد أو استرجاع الحدث بشكل مؤلم أو تأثير الصدمة على الدراسة أو العمل والعلاقات.

وأوضح أحمد عرفات أن طلب المساعدة من المختص لا يكون ضرورياً في جميع الحالات، إذ يمتلك بعض الأفراد القدرة على التكيف واستعادة توازنهم النفسي من خلال الدعم الاجتماعي واستراتيجيات المواجهة الطبيعية، لكنه يصبح ضرورياً عندما تتجاوز استجابة الشخص حدود رد الفعل الطبيعي وتتحول إلى معاناة مستمرة أو معيقة للحياة اليومية، وأشار إلى أن من أبرز المؤشرات على ذلك استمرار أعراض الصدمة لفترة طويلة دون تحسن أو ازدياد شدتها، وتأثيرها الواضح في حياة الفرد وعلاقاته وعمله أو دراسته.

وأضاف أن الحاجة للتدخل المتخصص تزداد عند ظهور أعراض مثل القلق الشديد، والكوابيس المتكررة، واسترجاع الحدث الصادم بشكل مؤلم، وصعوبات النوم والتركيز، إلى جانب التغيرات السلوكية أو اللجوء إلى أساليب غير صحية للتكيف كالسلوك العدواني أو الانسحاب الاجتماعي أو استخدام المواد المخدرة. 

وأشار عرفات إلى أن التدخل يصبح عاجلاً عند ظهور أفكار بإيذاء النفس أو الآخرين أو الشعور بالعجز عن ممارسة الأنشطة اليومية، وأكد في ختام حديثه أن هذه المؤشرات تتطلب دعماً متخصصاً فورياً، خاصة عندما تؤثر الصدمة في مسار النمو النفسي لدى الأطفال والمراهقين وما قد تتركه من آثار على تكوين الهوية وتنظيم الانفعالات والعلاقات مع الآخرين.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ