الفضاء الرقمي أمام القانون: متى تتحول الأفعال الإلكترونية إلى جرائم؟
الفضاء الرقمي أمام القانون: متى تتحول الأفعال الإلكترونية إلى جرائم؟
● مجتمع ٢٩ يونيو ٢٠٢٦

الفضاء الرقمي أمام القانون: متى تتحول الأفعال الإلكترونية إلى جرائم؟

مع التوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، برزت الجرائم الإلكترونية كواحدة من أبرز التحديات القانونية المعاصرة، لما تنطوي عليه من تهديد لأمن المعلومات وخصوصية الأفراد، فضلاً عن تأثيرها على الثقة في التعاملات الرقمية. 

وفي ظل هذا الواقع، جاء القانون السوري رقم 20 لعام 2022 ليضع إطاراً قانونياً ينظم هذه الجرائم ويحدد الأفعال المجرّمة والعقوبات المترتبة عليها، في محاولة لمواكبة التطورات التقنية المتسارعة والحد من الانتهاكات المرتكبة عبر الفضاء الإلكتروني.

قال المحامي محمد هيثم فريجة، محامي أستاذ لدى فرع دمشق باختصاص كامل شرعي مدني جزائي شركات، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون رقم 20 لعام 2022، لم يضع تعريفاً واحداً جامعاً للجريمة المعلوماتية، وإنما عرّف عدداً من المصطلحات مثل النظام المعلوماتي، والشبكة، والبيانات المعلوماتية، والموقع الإلكتروني، والحساب الإلكتروني، ثم جرّم كل فعل يُرتكب باستخدام هذه الوسائل أو يستهدفها.

وأضاف أن من أبرز الجرائم التي نص عليها القانون: الدخول غير المشروع إلى نظام معلوماتي أو موقع إلكتروني، واختراق الحسابات الإلكترونية، واعتراض البيانات أو الاتصالات الإلكترونية، وحذف أو تعديل أو إتلاف البيانات، وتعطيل المواقع والأنظمة، وانتحال الشخصية الإلكترونية، والاحتيال الإلكتروني، والابتزاز الإلكتروني، ونشر المحتوى المخالف للقانون، والاعتداء على الخصوصية، والتشهير والذم والقدح عبر الوسائل الإلكترونية.

وأشار إلى أن القانون يقوم على حماية أمن المعلومات، والحياة الخاصة، والثقة بالتعامل الإلكتروني، والحقوق الشخصية والمالية.
ونوّه إلى أن العقوبات التي يمكن أن تطال مرتكبي الجرائم الإلكترونية تختلف بحسب طبيعة الجريمة، مبيناً أن القانون رقم 20 لعام 2022 يقرر عقوبات قد تشمل الحبس، والأشغال المؤقتة في بعض الجرائم الجسيمة، والغرامات المالية التي قد تصل إلى عشرات الملايين من الليرات السورية بحسب نوع الجريمة، إضافة إلى مصادرة الأجهزة المستخدمة، وإزالة المحتوى المخالف، والتعويض المدني للمتضرر.

وبيّن أنه فيما يتعلق باختراق الحسابات، يعاقب مرتكب الدخول غير المشروع إلى الحساب أو النظام المعلوماتي بالحبس والغرامة، وتشدد العقوبة في حال تم تغيير البيانات أو حذفها أو نشرها أو تحققت منفعة مالية أو ترتب ضرر على المجني عليه.

ولفت إلى أن انتحال الشخصية يُعد جريمة معلوماتية مستقلة، حيث إن إنشاء حساب باسم شخص آخر أو استخدام بياناته بقصد الإضرار أو الاحتيال يعاقب عليه بالحبس والغرامة، مع تشديد العقوبة إذا ترتب عليه ابتزاز أو احتيال أو إساءة للسمعة.

وذكر أن التشهير الإلكتروني، في حال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو المواقع الإلكترونية للمساس بسمعة شخص أو كرامته أو اعتباره، يعرّض الفاعل للعقوبات المنصوص عليها في القانون رقم 20 لعام 2022، إضافة إلى التعويض المدني عند الاقتضاء.

وتحدث عن جرائم القدح والذم والتحقير الإلكتروني، موضحاً أن القانون السوري يعتبرها جرائم معاقباً عليها إذا ارتكبت عبر فيسبوك، وواتساب، وتلغرام، وإنستغرام، وإكس (تويتر سابقاً)، أو عبر المواقع الإلكترونية أو أي وسيلة معلوماتية، ويكفي أن يتضمن المنشور أو الرسالة عبارات تمس شرف المجني عليه أو اعتباره.

وأوضح أن إثبات هذه الجرائم أمام القضاء يعتمد على وسائل الإثبات الرقمية مثل لقطات الشاشة، والروابط الإلكترونية، وبيانات الحساب، وتقارير الخبرة الفنية، واستخراج البيانات من مزود الخدمة، والضبوط المنظمة من الجهات المختصة، إضافة إلى الشهادة والقرائن، مشدداً على ضرورة أن تكون الأدلة قد جُمعت بصورة قانونية حتى تكون منتجة أمام القضاء.

وأكد أن القانون يعاقب على التلاعب بالصور أو التسجيلات الصوتية، بما في ذلك تركيب الصور، وتعديل الفيديوهات، وفبركة التسجيلات، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتغيير المحتوى، ونشر صور خاصة دون موافقة أصحابها، أو نشر التسجيلات بقصد الإساءة أو الابتزاز أو التشهير.

وشدد على أنه قد تتعدد الجرائم في الواقعة الواحدة، فتقوم مثلاً جرائم انتهاك الخصوصية، والتشهير، والابتزاز، وانتحال الشخصية، وإساءة استعمال الوسائل المعلوماتية، ويحق للمتضرر المطالبة بإزالة المحتوى والتعويض عن الضرر.

وأفاد بأن من أبرز أسباب انتشار الجرائم الإلكترونية التوسع الكبير في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وضعف الثقافة القانونية والرقمية، وسهولة إنشاء حسابات وهمية، والظروف الاقتصادية التي دفعت بعض الأشخاص إلى الاحتيال الإلكتروني، وضعف إجراءات الحماية لدى بعض المستخدمين، والاعتقاد الخاطئ بأن الجرائم الإلكترونية يصعب اكتشافها، إضافة إلى التطور السريع للتقنيات مقارنة بسرعة اكتساب الوعي القانوني.

وقال المحامي محمد هيثم فريجة إن الآليات القانونية لملاحقة مرتكبي الجرائم الإلكترونية تبقى ممكنة رغم استخدام الحسابات الوهمية، وذلك من خلال تقديم شكوى إلى النيابة العامة المختصة، وتكليف فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية بإجراء التحريات الفنية، وتتبع عنوان IP، ومخاطبة شركات الاتصالات، وطلب البيانات من مزودي الخدمة وفق الأصول القانونية، والاستعانة بالخبرة الفنية الرقمية، والتعاون القضائي الدولي إذا كان الفاعل خارج سورية، مؤكداً أن استخدام اسم مستعار أو حساب وهمي لا يعني استحالة الوصول إلى الفاعل.

وأضاف أنه ينصح المستخدمين بعدم مشاركة كلمات المرور، وتفعيل المصادقة الثنائية، والاحتفاظ بالأدلة وعدم حذف الرسائل أو المنشورات المسيئة، وتوثيق المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه، وعدم إعادة نشر أي محتوى قد يشكل ذماً أو قدحاً أو انتهاكاً للخصوصية، ومراجعة محامٍ عند التعرض لأي جريمة إلكترونية، والإسراع في تقديم الشكوى لأن سرعة الإجراء تساعد في حفظ الأدلة الرقمية، وعدم الاعتقاد بأن حذف المنشور يمنع المسؤولية الجزائية إذا أمكن إثبات نشره.

يرى مختصون في الأمن الرقمي أن تنامي الجرائم الإلكترونية يرتبط بالتوسع الكبير في استخدام وسائل التواصل والتقنيات الحديثة مقابل ضعف الوعي الرقمي لدى شريحة واسعة من المستخدمين، مشيرين إلى أن كثيراً من هذه الجرائم لا يتطلب مهارات تقنية معقدة بقدر ما يعتمد على استغلال ثغرات سلوكية، مثل مشاركة البيانات الشخصية أو ضعف إجراءات الحماية، وهو ما يفسر انتشار حالات اختراق الحسابات والابتزاز والتشهير.

ويؤكد الخبراء أن وجود تشريعات حديثة، كالقانون السوري رقم 20 لعام 2022، يشكل خطوة أساسية في ضبط هذه الجرائم، إلا أن فعالية تطبيقه ترتبط بتعزيز الثقافة القانونية والرقمية بالتوازي مع تطوير أدوات الحماية التقنية، بما ينسجم مع طبيعة الجرائم التي تتطور بسرعة، ويعزز من قدرة الجهات المختصة على الملاحقة والحد من الإفلات من العقاب.

يضع القانون السوري إطاراً واضحاً للتعامل مع الجرائم الإلكترونية، محدداً الأفعال المجرّمة وآليات الملاحقة والعقوبات المترتبة عليها، في محاولة لضبط الفضاء الرقمي والحد من الانتهاكات المرتكبة عبره، ومع تنوع صور هذه الجرائم، من اختراق الحسابات إلى التشهير والتلاعب بالمحتوى، يبقى تطبيق النصوص القانونية وتفعيل إجراءات التتبع والإثبات عاملاً حاسماً في حماية الحقوق ومحاسبة المرتكبين.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ