القنيطرة تحت وطأة التصعيد الإسرائيلي.. اعتقالات وهدم منازل وتوسّع عسكري يفاقم معاناة السكان
تعيش القرى والبلدات الحدودية في محافظة القنيطرة حالة متواصلة من التوتر والترقب، في ظل تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية التي تشهدها المنطقة منذ أواخر عام 2024، والتي امتدت لتشمل مختلف جوانب الحياة المدنية والمعيشية.
وتؤكد مصادر محلية وأهالٍ إن هذه الانتهاكات لم تعد تقتصر على التحركات العسكرية والتوغلات الميدانية، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة طالت السكان وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية، وسط مخاوف متزايدة من تكريس واقع جديد في المنطقة الحدودية.
وتشمل هذه الممارسات عمليات توغل متكررة داخل الأراضي السورية، واعتقالات لمدنيين، واستهدافاً مباشراً للسكان، إلى جانب هدم منازل وتجريف أراضٍ زراعية وإقامة مواقع عسكرية جديدة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الأوضاع الإنسانية والاقتصادية لسكان ريف القنيطرة.
وأكد مدير مديرية الإعلام في القنيطرة محمد السعيد في تصريح رسمي أن الأهالي يعيشون تحت ضغط نفسي وأمني مستمر نتيجة الاعتداءات المتكررة، مشيراً إلى أن تداعيات التصعيد العسكري طالت البنية التحتية الأساسية في المحافظة، بما في ذلك الطرق الحيوية وشبكات المياه والممتلكات الخاصة، ما زاد من الأعباء التي تواجهها المجتمعات المحلية في المنطقة.
وبحسب معطيات مديرية الإعلام في القنيطرة، فقد جرى توثيق عشرات حالات الاعتقال التعسفي التي طالت مدنيين من أبناء المحافظة منذ نهاية عام 2024، إضافة إلى عمليات هدم واسعة للمنازل، ولا سيما في قرية الحميدية التي تعرضت لعمليات تهجير قسري للسكان قبل تنفيذ عمليات الهدم.
ويؤكد ذوو المعتقلين استمرار حالة القلق والغموض بشأن مصير أبنائهم، في ظل محدودية المعلومات المتوافرة حول أماكن احتجازهم. ويقول حسن سعد الدين أحمد، والد أحد المعتقلين، إن العائلات لا تزال تفتقر إلى أي معلومات موثوقة عن أوضاع أبنائها، مشيراً إلى أن منظمة الصليب الأحمر الدولي أبلغت بعض الأهالي بأن السلطات الإسرائيلية لا تعترف رسمياً بوجود عدد من المحتجزين لديها.
كما تحدث عن مخاوف متزايدة تتعلق بالأوضاع الصحية للمعتقلين، في ظل تقارير غير مؤكدة عن انتشار أمراض جلدية معدية داخل أماكن الاحتجاز وغياب الرعاية الطبية المناسبة.
وأمام استمرار الغموض، نظم أهالي المعتقلين وعدد من سكان المحافظة وقفات احتجاجية أمام مقر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "الأندوف"، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل للكشف عن مصير المحتجزين والعمل على الإفراج عنهم.
ولم تتوقف الانتهاكات عند حدود الاعتقال، إذ شهدت المنطقة حوادث استهداف مباشر للمدنيين. ففي تشرين الثاني 2025 سقط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح جراء قصف استهدف بلدة بيت جن بريف دمشق، فيما أُصيب ثلاثة مدنيين في كانون الأول من العام ذاته بعد إطلاق النار عليهم قرب بلدة خان أرنبة.
وفي نيسان 2026 قُتل الشاب أسامة الفهد إثر استهداف سيارته بقذيفة دبابة في ريف القنيطرة الجنوبي وفي الجانب الزراعي، يواجه المزارعون والرعاة تحديات متزايدة نتيجة القيود المفروضة على حركة التنقل والعمل في الأراضي القريبة من خط الفصل.
وأوضح رئيس اتحاد الفلاحين في القنيطرة عبد الرحمن خلف أن الانتهاكات طالت القطاع الزراعي عبر ملاحقة الرعاة والتضييق عليهم، فضلاً عن الإضرار بالمحاصيل الزراعية.
فيما كشف مختار بلدة جباتا الخشب محمد مريود عن اقتطاع مساحات واسعة من أراضي البلدة تُقدّر بنحو عشرة آلاف دونم، تشمل أراضي حراجية ومراعٍ طبيعية وأراضي زراعية كانت مستصلحة في السابق.
وتزامناً مع ذلك، شهدت المنطقة توسعاً في الوجود العسكري الإسرائيلي وتشير معطيات ميدانية إلى إنشاء تسع نقاط عسكرية متقدمة داخل الأراضي السورية في مواقع مختلفة من محافظتي القنيطرة ودرعا، شملت مناطق جبل الشيخ وقرص النفل والتلول الحمر وحرش جباتا الخشب والحميدية والعدنانية وتل الأحمر الغربي وقاعدة القنيطرة المهدمة، إضافة إلى نقطة الجزيرة في ريف درعا.
كما أنشأت القوات الإسرائيلية ما يعرف بخط "صوفا 53"، وهو خندق عسكري يمتد على طول أجزاء من خط الفصل، ما أدى إلى عزل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وحرمان أصحابها من الوصول إليها، فضلاً عن تقييد حركة السكان بين القرى والمناطق المجاورة.
وفي أيار 2026 أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً اعتبرت فيه أن عمليات تدمير المنازل والممتلكات المدنية في عدد من قرى القنيطرة قد ترقى إلى جرائم حرب وأشارت المنظمة إلى أنها وثقت تدمير أو إلحاق أضرار بما لا يقل عن 23 مبنى مدنياً في قرى الحميدية ورسم الرواضي والرفيد، استناداً إلى صور أقمار صناعية وشهادات ميدانية ومقاطع مصورة.
وذكرت أن عمليات الهدم جرت في مناطق لم تشهد أعمالاً قتالية نشطة تبرر هذا النوع من التدمير، معتبرة أن الوقائع المسجلة قد تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة.
وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، تواصلت الإدانات الدولية للتحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري وخلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في حزيران 2026، أعرب عدد من ممثلي الدول والمنظمات الدولية عن قلقهم من التوغلات العسكرية والانتهاكات المتكررة لاتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974.
وأكدت عدة وفود دولية أن استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة يقوض جهود الاستقرار ويشكل انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
ورغم انتشار قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في المنطقة، يرى سكان القنيطرة أن طبيعة مهام هذه القوات، التي تقتصر على المراقبة والتوثيق، لا توفر الحماية الكافية للمدنيين في مواجهة الانتهاكات المستمرة.
وبينما تتواصل مناشدات الأهالي للجهات الدولية من أجل تأمين حماية فعلية للسكان وممتلكاتهم، تبقى القرى الحدودية في القنيطرة أمام واقع أمني وإنساني معقد، يتسم باستمرار التوتر وتصاعد المخاوف من تداعيات التوسع العسكري وتكرار الاعتداءات على حياة المدنيين ومصادر رزقهم.