الطفل في مواجهة الصدمة النفسية: الأعراض والتداعيات وسبل الاحتواء
في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها الأطفال، تبرز الصدمة النفسية كأحد أخطر التحديات التي قد تؤثر على نموهم وسلوكهم وحياتهم اليومية، إذ لا تقتصر آثارها على الجانب النفسي فقط، بل تمتد لتشمل الجوانب الجسدية والاجتماعية والتعليمية، ما يجعل فهمها والتعامل معها بشكل صحيح أمراً بالغ الأهمية.
في هذا السياق، قالت الاخصائية النفسية فاطمة الزهراء حبيب، ماجستير في الإرشاد النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الصدمة النفسية لدى الطفل تُعد استجابة نفسية أو رد فعل ينتج عن تعرضه لحادث أو موقف يفوق قدرة جهازه العصبي على الاستيعاب والتكيف.
وأوضحت أن أسباب الصدمة قد تكون مباشرة، مثل التعرض للتحرش أو الاختطاف أو الحروب أو الجرائم أو الإهمال أو الضرب العنيف، وقد تكون غير مباشرة، كالتعرض لمشاهد عنيفة أو مشاهدة أحداث صادمة، أو المرور بتجارب مثل الانفصال، دون أن يكون الطفل طرفاً مباشراً فيها.
وأضافت أن الصدمة النفسية تنعكس على الطفل بمجموعة من الأعراض، أبرزها الخوف وتجنب كل ما يرتبط بالحدث الصادم، إضافة إلى استرجاع الذكريات المؤلمة بصورة متكررة، فيما يُعرف بـ"الفلاش باك".
وأشارت إلى أن الطفل قد يرفض العودة إلى المكان الذي تعرض فيه للأذى، كمدرسة شهد فيها حادثة عنف، أو يشعر بالخوف عند المرور بالمكان المرتبط بالحادثة، كما أن الطفل الذي يتعرض للتحرش أو الاختطاف قد يرفض اقتراب الآخرين من مساحته الشخصية، ويميل إلى الانعزال، مؤكدة أن هذه من الآثار النفسية الخطيرة للصدمة.
وبيّنت أن من أبرز هذه العلامات حدوث تغيرات في نمط النوم أو الشهية، إضافة إلى ظهور بعض السلوكيات الجسدية التي لم تكن موجودة سابقاً، وأفادت أن الطفل قد يتعرض لما يعرف بالنكوص أو الانتكاس إلى مراحل نمو سابقة، فتظهر لديه سلوكيات مثل مص الإصبع أو الحبو أو التأتأة، رغم تجاوزه هذه المراحل العمرية.
ولفتت إلى أن اضطرابات النوم قد تتخذ أشكالاً مختلفة، مثل النوم لساعات طويلة أو الإصابة بالأرق وقلة النوم، كما قد تطرأ تغيرات واضحة على الشهية، مؤكدة أن جميع هذه المظاهر قد تكون مؤشرات جسدية تدل على تأثر الطفل بالصدمة النفسية.
وذكرت فاطمة حبيب أن الطفل قد يُظهر أيضاً أعراضاً جسدية لا ترتبط بسبب عضوي واضح، وإنما تكون ذات منشأ نفسي، موضحة أن من أبرزها آلام المعدة والصداع، إضافة إلى التعرق والرعشة، مؤكدة أن هذه الأعراض تعد من العلامات الجسدية التي قد ترافق الصدمة النفسية.
ونوهت إلى أن الطفل قد يعيش حالة من فرط اليقظة، فيصبح شديد الانتباه لأي حركة أو صوت يدور حوله، نتيجة شعوره المستمر بالخطر، وأكدت أن الصدمة النفسية قد تؤثر أيضاً على الأداء الدراسي، إذ قد يظهر تراجع في التحصيل والسلوك داخل المدرسة، وهو ما يعد من أبرز المؤشرات السلوكية التي تستدعي الانتباه والتعامل معها بشكل مناسب.
وتحدثت حبيب عن أن الصدمة النفسية قد تظهر أيضاً من خلال أعراض وانفعالات عاطفية، تتمثل في نوبات غضب شديدة أو خوف مفرط، وقد يشعر الطفل بتأنيب الذات، فيحمّل نفسه مسؤولية ما تعرض له من حدث صادم، مشيرة إلى أن طبيعة هذه المشاعر تختلف باختلاف عمر الطفل ومرحلته العمرية.
وأوضحت أن بعض الأطفال قد يعانون ما يُعرف بالخدر العاطفي، وهو فقدان القدرة على إظهار ردود الفعل الطبيعية تجاه المواقف المختلفة، بحيث لا يبدي الطفل مشاعر الحزن أو الغضب أو الفرح، ويبدو متبلد المشاعر تجاه ما يحدث حوله.
وشددت على أن شدة هذه الأعراض وتكرارها تختلف من طفل إلى آخر، تبعاً لطبيعة الصدمة التي تعرض لها ومدى قسوتها، وأردفت أن آثار الصدمة النفسية لا تقتصر على الأعراض الظاهرة، وإنما قد تمتد لتؤثر في وظائف الدماغ، ولا سيما الانتباه والتركيز والذاكرة، مشيرة إلى أن الطفل قد يعاني اضطرابات نفسية وسلوكية مختلفة.
وأضافت أن هذه الاضطرابات قد تظهر على شكل سلوك عدواني أو انسحابي، أو خجل شديد، أو رهاب اجتماعي، كما قد تتطور إلى مشكلات نفسية، حتى وإن كانت لفترات قصيرة، ولفتت إلى أن الصدمة النفسية تنعكس أيضاً على العلاقات الاجتماعية للطفل، فتؤثر في علاقاته مع أقرانه ومعلميه، كما تمتد آثارها إلى الجانب الأكاديمي، فتنعكس على تحصيله الدراسي وأنشطته اليومية وقدرته على اللعب والتفاعل.
وشددت على أن الطفل قد يشهد تراجعاً في مختلف جوانب حياته، سواء على الصعيد الأسري أو الأكاديمي أو الذهني أو النفسي، وقد يكون هذا التراجع شاملاً أو يتركز في جانب معين أكثر من غيره، إلا أن الصدمة تؤثر في مجمل جوانب حياته.
وأوضحت حبيب أن من أكثر الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الأهل عند التعامل مع الطفل بعد تعرضه لصدمة نفسية هو لومه وتحميله مسؤولية ما حدث، مشيرة إلى أن بعض الأهالي قد يوجهون للطفل عبارات مثل: لماذا ذهبت إلى هذا المكان؟ ولماذا لم تخبرنا؟ ولماذا لم تخبرنا في وقت سابق؟
وأضافت أن بعض الأسر قد تلجأ إلى أساليب خاطئة أخرى، مثل الضرب أو التعامل مع الطفل بعنف، لافتة إلى أن هذه التصرفات تزيد من معاناته بدلاً من مساعدته، وبيّنت أن بعض الحالات، وخصوصاً عند تعرض الأطفال للتحرش، قد تواجه ردود فعل اجتماعية خاطئة، مثل عزل الطفل عن المدرسة أو إبقائه في المنزل، أو اتخاذ قرارات قاسية بحقه، مشددة على أن هذه الأساليب لا تعالج المشكلة بل قد تزيد آثارها النفسية.
وأكدت أن من الأخطاء أيضاً التسرع في اتخاذ حلول غير مناسبة للتعامل مع آثار الصدمة، موضحة أن بعض الأسر قد تلجأ إلى قرارات خاطئة، مثل تزويج الطفلة في سن صغيرة أو حرمانها من التعليم، بدلاً من تقديم الدعم النفسي المناسب لها ومساعدتها على تجاوز التجربة التي مرت بها.
وأشارت حبيب إلى أن الأسرة السليمة تلعب دوراً أساسياً في دعم الطفل عند تعرضه لصدمة نفسية أو مشكلة معينة، موضحة ضرورة احتواء الطفل بكل مشاعره ومساعدته على استعادة الشعور بالأمان والطمأنينة من خلال أساليب سلوكية وكلامية فعالة.
وبيّنت أن من المهم وجود تواصل فعّال بين الطفل وأسرته، عبر الاستماع إليه وعدم الحكم عليه أو توبيخه، ومنحه مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره، إضافة إلى احتضانه وتقديم الدعم النفسي المناسب له، وأضافت أن الأسرة يجب أن تعمل على توفير بيئة متوازنة للطفل، من خلال الحوار الآمن، ومشاركته اللعب بطريقة مناسبة، وفهم احتياجاته والاستماع إليه، مع الحفاظ على روتينه اليومي.
ولفتت إلى أهمية متابعة الجوانب الأساسية في حياة الطفل، مثل نظامه الغذائي، وشربه، ونومه، وطريقة لعبه وسلوكه، والانتباه إلى أي تغيرات تطرأ عليه، إضافة إلى دعم علاقاته مع أصدقائه وجيرانه ومدرسته، وأكدت في ختام حديثها أن الهدف من ذلك هو خلق بيئة مستقرة تساعد الطفل على تجاوز آثار الصدمة النفسية وتمنحه الشعور بالاحتواء والأمان.