الإدمان بين الأبعاد الطبية والنفسية ودور الأسرة في الوقاية والعلاج
يصادف اليوم العالمي لمكافحة المخدرات مناسبة سنوية تهدف إلى رفع مستوى الوعي بخطورة تعاطي المواد المخدرة، وتسليط الضوء على آثارها الصحية والنفسية والاجتماعية، إضافة إلى تعزيز الجهود الرامية إلى الوقاية والعلاج والحد من انتشار هذه الظاهرة التي تمس الأفراد والمجتمعات على حد سواء.
ويأتي تخصيص هذا اليوم في إطار التأكيد على أهمية التوعية المبكرة، وتشجيع الأسر والمؤسسات على لعب دور أكثر فاعلية في الحماية والدعم، وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن مفهوم الإدمان بوصفه اضطراباً معقداً يصيب الدماغ والسلوك، وما يرتبط به من أسباب متعددة قد تتداخل فيها العوامل الجينية والبيولوجية مع العوامل النفسية والاجتماعية.
كما تبرز أهمية فهم المؤشرات المبكرة التي قد تنبه الأسرة إلى وجود مشكلة، إلى جانب الدور المحوري الذي تلعبه في الوقاية والدعم والمتابعة، سواء من خلال تعزيز الوعي داخل المنزل أو المساندة خلال مراحل العلاج والتعافي.
قالت د. إيمان تللو، طب بشري خريجة جامعة حلب واختصاص طب نفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن إدمان المخدرات هو اضطراب مزمن ومعقد يصيب الدماغ ويتسم بالرغبة القهرية في تعاطي المادة المخدرة رغم العواقب الوخيمة.
وأضافت أنه من الناحية الطبية يُصنف الإدمان كمرض دماغي انتكاسي، حيث تُحدث المواد المخدرة تغييرات هيكلية ووظيفية في دوائر الدماغ المسؤولة عن المكافأة والتحفيز والتحكم في الدوافع، مما يؤدي إلى ظاهرتي التحمل (الحاجة لجرعات أكبر للوصول للمفعول ذاته) وأعراض الانسحاب عند التوقف.
وأشارت إلى أنه من الناحية النفسية يمثل الإدمان اعتماداً سلوكياً قهرياً وفقداناً للسيطرة، حيث تصبح المادة المخدرة هي المحور الأساسي لاهتمام الشخص وآليته الوحيدة للتأقلم مع الضغوط أو الهروب من الواقع.
ونوهت إلى أن أسباب الوقوع في الإدمان تنتج عن تفاعل معقد بين عدة عوامل رئيسية، منها العوامل البيولوجية والجينية التي تلعب دوراً في تحديد مدى استعداد الشخص للإدمان، بالإضافة إلى الفروق الفردية في كيمياء الدماغ.
وذكرت أن العوامل النفسية تشمل وجود اضطرابات نفسية غير معالجة مثل الاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، حيث تُستخدم المخدرات كنوع من "العلاج الذاتي" الخاطئ، وبينت أن العوامل البيئية والاجتماعية تتمثل في التفكك الأسري، والتعرض للتعنيف الجسدي أو النفسي، وضغط الأقران (رفقاء السوء)، وسهولة الحصول على المادة المخدرة.
وتحدثت عن التأثير على الحالة النفسية والعقلية والسلوك، لافتة إلى أن الإدمان يحدث تدهوراً شاملاً في شخصية المتعاطي، ويتجلى ذلك في الحالة النفسية والعقلية عبر تقلبات مزاجية حادة، وزيادة مستويات القلق والعدوانية، والإصابة بالاضطرابات الذهانية مثل الهلاوس والضلالات، وضعف شديد في التركيز والذاكرة والقدرة على اتخاذ القرارات.
وشددت على أن السلوك العام يتمثل في الميل إلى العزلة والانسحاب الاجتماعي، وإهمال المسؤوليات الدراسية أو المهنية، واللجوء إلى الكذب والسرقة أو السلوكيات غير القانونية لتأمين المادة المخدرة.
وأوضحت أن علامات ومؤشرات تنبيه الأسرة يمكن رصدها من خلال تغيرات سلوكية ونفسية تشمل سرية مفاجئة، وتقلباً مزاجياً حاداً وغير مبرر، ونوبات غضب، وتغيراً في دائرة الأصدقاء، وأفادت بأن التغيرات الجسدية تشمل احمرار العينين، وتغيراً ملحوظاً في الوزن وشهية الطعام، واضطرابات النوم، وإهمال النظافة الشخصية.
ولفتت إلى أن المؤشرات المادية تتمثل في تدهور الأداء الدراسي أو الوظيفي، واختفاء الأموال أو المقتنيات الثمينة من المنزل، وطلب مبالغ مالية متكررة دون مبرر.
وأكدت أن المخاطر الصحية تتعدى الفرد لتشمل تدمير الأعضاء الحيوية مثل الكبد والكلى والقلب، وخطر الجرعات الزائدة القاتلة، والإصابة بالأمراض المعدية الناتجة عن مشاركة الأدوات مثل التهاب الكبد الوبائي وفيروس نقص المناعة البشري، بينما بينت أن المخاطر الاجتماعية تشمل تفكك الروابط الأسرية وارتفاع معدلات الطلاق، وفقدان الوظائف والفقر، وزيادة معدلات الجريمة والحوادث المرورية.
وتحدثت عن التعامل النفسي خلال مراحل العلاج، موضحة أن مرحلة سحب السموم (Detox) تركز على الدعم النفسي الأولي والتهدئة لمساعدة المريض على تحمل أعراض الانسحاب الجسدية والنفسية الحادة.
وأضافت أن مرحلة التأهيل النفسي تعتمد على استخدام العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لتعديل أفكار المريض وسلوكياته تجاه المخدر، وتدريبه على مهارات مواجهة الضغوط دون اللجوء للتعاطي، وشددت على أن مرحلة منع الانتكاس تقوم على بناء دافعية مستمرة، وتحديد المحفزات التي تدفعه للشوق للمخدر، وتطوير خطط طوارئ للتعامل معها.
ونوّهت إلى أن دور الأسرة والمحيط الاجتماعي يشكل الركيزة الأساسية لثبات المتعاطي في رحلة التعافي، حيث يتم تقديم الدعم غير المشروط عبر تجنب اللوم أو الوصم أو العقاب، واستبدال ذلك بالاحتواء وإشعاره بالأمان وقبول مرضه كحالة تستدعي العلاج.
وأشارت إلى أهمية المشاركة في العلاج الأسري من خلال حضور الجلسات النفسية المخصصة للأسر لفهم طبيعة المرض وكيفية التعامل مع المتعافي بشكل صحي، وذكرت أن إعادة الإدماج وتغيير البيئة يتم عبر بناء روتين يومي إيجابي، والابتعاد التام عن الأماكن أو الأشخاص المرتبطين بفترة التعاطي.
وأفادت أن نصائح الوقاية (خاصة للشباب) تبدأ من بناء الحصانة الذاتية والتوعية الفعالة، عبر تعزيز الوعي وبناء المهارات وتثقيف الشباب بأضرار المخدرات دون تهويل أو تهوين، وتدريبهم على مهارة الرفض "قول لا" لضغط الأقران.
وأضافت أن الملء الإيجابي للوقت يتم من خلال تشجيع ممارسة الرياضة والانخراط في الأنشطة الثقافية والتطوعية التي تبني شعوراً بالإنجاز والقيمة، كما لفتت إلى أن التواصل الأسري الفعال يمثل ركناً أساسياً عبر بناء جسور الحوار والصداقة داخل الأسرة، والاستماع لمشكلات الشباب دون إطلاق أحكام، لضمان لجوئهم للأهل عند مواجهة الأزمات النفسية.
يتداخل في ملف الإدمان البعد الطبي مع النفسي والاجتماعي، ويشمل مراحل متعددة تبدأ من فهم طبيعة الاضطراب وأسبابه، مروراً برصد المؤشرات المبكرة داخل الأسرة، وصولاً إلى التعامل مع الحالات وخطوات العلاج وإعادة التأهيل، وما يرتبط بذلك من إجراءات تهدف إلى الحد من انتشاره داخل المجتمع.