الإدمان وانعكاساته على زوجة المدمن: معاناة نفسية واجتماعية
يصادف السادس والعشرون من حزيران/يونيو اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، وهو مناسبة لتسليط الضوء على واحدة من أخطر القضايا التي تهدد الفرد والمجتمع على حد سواء، فالمخدرات لا تقتصر آثارها على الشخص الذي يتعاطاها ويقع في دائرة الإدمان، بل تمتد لتطال محيطه الأسري والاجتماعي، مسببةً اضطرابات عميقة في العلاقات والاستقرار النفسي والاقتصادي
ويُعدّ الإدمان من القضايا المعقدة التي تتطلب تضافر الجهود على مختلف المستويات، لما له من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على بنية الأسرة، وفي هذا السياق، تبرز معاناة زوجة المدمن كواحدة من أكثر الجوانب تأثراً، بحكم احتكاكها اليومي والمباشر معه، وما تتحمله من أعباء نفسية واجتماعية قد تفوق قدرتها على التحمّل.
قالت سُميّة محمد عبد الفتّاح، اختصاصية نفسية ومحاضِرة في قسم الإرشاد النفسي بجامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن وجود شخص مدمن في الأسرة يحمّل أفرادها مسؤولية تقديم الرعاية اللازمة له، مما يسبب ضغطاً إضافياً على الزوجة على وجه الخصوص، حيث ترافق زوجة المدمن تحديداً حالة من الاستنفار النفسي، فنلاحظها في حالة طوارئ شبه دائمة، وخوف مستمر، وتوتر متزايد.
قد يكون نتيجة الخوف من العنف الزوجي المفاجئ تجاهها عند عدم الحصول على المواد المخدرة، أو خوفاً من الوصمة الاجتماعية التي تنظر إلى الإدمان على أنه جُرم، أو التوتر بسبب تدهور الحالة المادية للأسرة نتيجة غياب دور الرجل عن تقديم الرعاية المادية لأسرته، وينعكس ذلك كله على تشكّل حالة من القلق التي تؤدي بدورها عند بعض السيدات إلى نوبات من الهلع واضطرابات مرتبطة بالنوم والأكل، وما إلى ذلك.
وأضافت أن غياب المساندة والإنهاك الوجداني والنفسي المستمر لزوجة المدمن يُدخلها في دوامة من الوحدة، ويترافق مع شعور بالإحباط والعجز والإفراط في تحمّل المسؤولية تجاه سلوكيات زوجها، فتصل إلى حالة من ضعف القدرة على أداء الأنشطة ومتابعة الاهتمامات، والوصول عند البعض إلى اضطرابات اكتئابية، كالاكتئاب الجسيم على سبيل المثال.
ونوهت إلى تحمّلها العبء الأكبر في إدارة شؤون المنزل وتقديم الرعاية اللازمة للأولاد والزوج، وإخفاء الإدمان عن الآخرين خوفاً من وصمة المجتمع، والتفكير في كيفية رسم خطة حماية لنفسها وللأولاد وللزوج، وكيفية السيطرة على شؤون الأسرة بمفردها، وأن هذا الضغط المتراكم ينسج عدة أعراض جسدية ونفسية، كالصداع، والقولون العصبي، وارتفاع ضغط الدم، والتفكير المفرط، ونوبات البكاء، والأفكار السلبية حول الحياة، وبالتالي يؤدي إلى حالة من الضغط النفسي الحرج.
وبيّنت أن أبرز ما تعايشه زوجات المدمنين على مستوى الواقع اليومي هو تحوّل الحياة إلى دائرة من الضغط المتكرر، ناتجة عن تقلبات سلوك الزوج وغياب الاستقرار المادي والعاطفي وتحمّل مسؤولية مبالغ بها، وكلها عوامل تُنهك الزوجة تدريجياً، ومع ذلك يبقى الجانب الأكثر ألماً بالنسبة لها هو العزلة، حين تُجبر المرأة على إخفاء معاناتها خوفاً من الحكم الاجتماعي أو الوصمة.
وتحدثت عن أن الإدمان لا يؤثر على المدمن أو على علاقته بزوجته فحسب، بل يمتد أثره ليصل إلى الأطفال أيضاً، حيث يتأثر الجو الأسري ويسوده التوتر، كما يؤثر على تربية الأطفال، حيث يكون الاعتماد الكلّي على الأم، مما يحرمهم من حاجاتهم العاطفية التي تُعزَّز بوجود الأب الذي يمثل الدعم والسند والقوة لهم، مما ينعكس عليهم، فيقيّد الأطفال في حدود الخجل من وضع أسرته الاجتماعي، ويميلون إلى الانطواء والعزلة، وبالتالي تتراجع علاقاتهم الاجتماعية ويتأثر تحصيلهم الدراسي، كما قد تتفجّر بعض المشكلات عند الأطفال على شكل اضطرابات التحكم والسلوك، متمثلة بالعدوان والضرب والسرقة، وكثير من المشكلات السلوكية الأخرى.
وذكرت أن كل هذه الآثار تنعكس على المنظومة الاجتماعية الأولى للفرد، وهي الأسرة، فتبدأ دائرة العنف المتسلسل، وتمتد إلى حالة من التفكك الأسري، وقد يُجبر الأطفال على تحمّل أدوار أكبر من أعمارهم.
ولفتت إلى أنه، نفسياً، تظهر على الزوجة علامات واضحة للاستنزاف والإرهاق المزمن، مثل اضطرابات في النوم، وتفكير مفرط، ونوبات بكاء، ونوبات غضب، وتوتر دائم، وانسحاب اجتماعي تدريجي، إضافة إلى إحساسها بالمسؤولية المفرطة تجاه سلوكيات تقع خارج سيطرتها.
وأفادت بأنه، فيما يتعلق بكيفية الحفاظ على التوازن النفسي، فإن الخطوة الأهم في التعامل مع هذا الواقع تبدأ من إدراك حقيقة أساسية مفادها أنه حدث ما حدث، وأن التفكير في طريقة التعامل مع الوضع الراهن يُعد الخطوة الأفضل في رحلة التعافي للفرد والأسرة.
وأكدت أنه من المهم إدراك أن الزوجة ليست مسؤولة عن علاج الإدمان وحدها، وأنه لا بد من فك الارتباط بين مفهوم المساندة ومفهوم الاستنزاف، أي بتقديم الدعم ضمن حدود واضحة تحمي من خلالها صحتها النفسية.
وشددت على أن وضع حدود صحية، وطلب الدعم النفسي المتخصص، والاهتمام بالاحتياجات الأساسية لديها (النوم، الغذاء، الراحة)، وبناء شبكة دعم اجتماعي، وممارسة مهارات تنظيم الانفعالات والتعامل مع الضغوطات، كالاسترخاء التنفسي، والتفريغ بالرياضة، وممارسة الهوايات والأنشطة المحببة، والأهم مراجعة اختصاصي نفسي عند وجود حاجة ملحّة لذلك، كل تلك الخيارات ليست خيارات ثانوية، بل ضرورات للحفاظ على حالة من التوازن والاستقرار النفسي والتعافي.
وأوضحت أن الدعم الأسري والمجتمعي يشكّل فارقاً حاسماً في حياة المدمن وأسرته، فإن وجود بيئة داعمة يساهم في تخفيف العبء النفسي بشكل كبير، بينما توفر المؤسسات العلاجية ومجموعات الدعم مساحة آمنة لفهم التجربة ومواجهتها دون عزلة أو وصمة.
وأضافت أن ذلك يكون من خلال وجود فرق متخصصة طبياً ونفسياً لمساعدة المدمن على التعافي، ووجود ندوات وورشات مستمرة تعمل على رفع الوعي للأفراد والأسر بمفاهيم الإدمان، وإزالة الوصمة، وطرق التعامل مع الشخص المدمن، وكيفية وضع الحدود الصحية لتعزيز الصحة النفسية للمدمن وذويه، ليستطيعوا تقديم العون والدعم اللازم لهم وله.
ونوهت إلى أنها لا تقدّم نصائح، بل تقدّم توصيات تستند إلى فهم نفسي للواقع الذي تعيشه زوجات مدمني المخدرات، بهدف مساعدتهن على التعامل مع الضغوط بطريقة أكثر توازناً وأماناً.
وبيّنت أنه، في البداية، من المهم تعريف الزوجة بدورها في الدعم، بحيث لا يتم تحميلها مسؤولية الإدمان أو علاجه، لأن هذا الأمر يتجاوز قدرتها الفردية، ويقع ضمن إطار علاجي متخصص من فريق مهني كامل.
وتابعت أنه كما عليها أن تميّز بين ما يقع ضمن دائرة سيطرتها وما يقع خارجها، فهي لا تستطيع أن تتخذ قرار التعافي نيابة عن زوجها، ولا أن تتحمّل مسؤولية سلوك معين قام به، لكنها تستطيع أن تهتم بصحتها النفسية، وأن تضع حدوداً صحية، وأن تسعى للحصول على الدعم المناسب عند الحاجة.
وشددت على أن التوازن الحقيقي يبدأ عندما نحمي أنفسنا، دون أن نفقد إنسانيتنا تجاه الآخر، وإن طلب الدعم النفسي المتخصص يُعد خطوة محورية، فالتدخل المهني هو دليل وعي ومسؤولية عالية تجاه الذات والأسرة.
وأكدت أن من المهم التأكيد للقارئ على أن الحديث حول هذا النوع من المواضيع ليس لخلق أو تعزيز الوصمة تجاه الشخص المدمن، إنما ليضيء الطريق أمامه وأمام داعميه للتعامل مع الموضوع بروية ومرونة دون المساس بكرامة الإنسان، فعندما نحلّل الإدمان وشخصية المدمن من وجهة نظر نفسية.
وأشارت في ختام حديثها إلى أنه لا ينظر للمدمن على أنه شخص ضعيف الإرادة أو أنه شخص مجرم أو مخطئ كما يعتقد البعض للأسف، إنما يرى بسياقه الإنساني والعلمي معاً على أنه حالة نفسية سلوكية وعقلية، لما تُحدثه المواد المخدرة من تغيير في كيمياء الدماغ والمزاج، وتشمل هذه التغيرات تنشيطاً أو اضطراباً في مراكز الدماغ المختلفة، فتؤثر على العمليات العقلية كالتفكير والإدراك والتذكر، وما يصاحبها من آثار نفسية وسلوكية، ولمعالجة هذه الحالات بكل سياقاتها وجوانبها الجسدية والنفسية وحتى الاجتماعية.