«كنت أمزح».. متى يتحول المزاح إلى تهديد يستوجب المساءلة القانونية؟
قد تبدأ بعض العبارات في سياق المزاح، لكنها قد تتجاوز حدود الدعابة عندما تحمل تهديداً بالقتل أو الإيذاء أو التشهير، أو تثير الخوف لدى الطرف الآخر، ما يفتح الباب أمام المساءلة القانونية، ويجعل عبارة «كنت أمزح» غير كافية وحدها لنفي المسؤولية.
ويعتمد التمييز بين المزاح والتهديد على طبيعة العبارة والظروف التي قيلت فيها وطريقة توجيهها ومدى جديتها وأثرها، إلى جانب الأدلة المحيطة بالواقعة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الحالات التي يتحول فيها الكلام من مزاح عابر إلى فعل يمكن أن يشكل جرماً.
متى يصبح المزاح تهديداً؟
قالت المحامية أسماء البرهوم، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التهديد لا يُعد جريمة إذا ثبت أنه صدر في سياق المزاح ولم يتوافر فيه العنصر الجرمي، أما إذا تسبب الكلام بالخوف والجزع، أو استُخدم المزاح غطاءً لإثارة الفزع أو التلويح بإلحاق الضرر، فقد يصبح الفعل موضع مساءلة قانونية.
وأوضحت أن تحديد طبيعة التهديد يرتبط بظروف الواقعة وأسلوب الحديث والسياق الذي وردت فيه العبارات، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالتهديد بجرائم خطيرة، كالقتل أو الإيذاء أو التشهير، إذ تخضع مثل هذه الوقائع لتقدير الجهات المختصة استناداً إلى ملابساتها والأدلة المتوافرة بشأنها.
وبيّنت البرهوم أن العقوبات تختلف بحسب طبيعة الفعل المهدد بارتكابه، وما إذا كان جناية أو جنحة، إضافة إلى الوسيلة التي استُخدمت لإيصال التهديد، سواء جرى بصورة شفهية أو كتابية أو بواسطة شخص آخر.
العقوبة بحسب طبيعة التهديد
ذكرت البرهوم أن التهديد بجناية عقوبتها الإعدام أو الاعتقال المؤبد، إذا وقع كتابة أو بواسطة شخص ثالث واقترن بطلب تنفيذ أمر أو القيام بعمل، كأن يهدد شخص آخر بالقتل ما لم ينفذ طلباً معيناً، يعاقب عليه بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وفق المادة 560 من قانون العقوبات.
وأضافت أن التهديد إذا لم يكن مقترناً بأمر، كالتلويح بقتل شخص من دون مطالبته بتنفيذ شيء معين، يخضع لعقوبات تختلف بحسب ظروف الواقعة وتكييفها القانوني، مشيرة إلى المادة 561 من قانون العقوبات، وإلى أن تقدير المسؤولية والعقوبة يعود في النهاية إلى القضاء.
كيف يُثبت التهديد؟
أشارت المحامية أسماء البرهوم إلى أن إثبات واقعة التهديد يمكن أن يستند إلى شهادة الأشخاص الذين حضروا الواقعة إذا وقع التهديد بصورة مباشرة، إلى جانب الأدلة الأخرى التي تساعد الجهات المختصة على تحديد سياق الكلام ومدى جديته.
ولفتت إلى أن التهديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي يستدعي الاحتفاظ بالرسائل أو المواد التي تتضمنه، وتقديمها إلى الجهات المختصة عند تقديم الشكوى، مع الاحتفاظ بنسخة منها للاستعانة بها خلال الإجراءات القانونية.
وضع حدود للمزاح العدواني
نصحت البرهوم بعدم التعامل باستخفاف مع العبارات العدوانية التي تسبب الخوف حتى عندما يقدمها صاحبها على أنها مزاح، داعية إلى التعبير بوضوح عن رفض هذا النوع من الكلام، وعدم الرد بتهديد مماثل، والابتعاد وقطع التواصل إذا تحول الحديث إلى تهديد جدي.
وأكدت أن الاستمرار في التفاعل مع المزاح العدواني قد يدفع صاحبه إلى التمادي، ما يجعل وضع حدود واضحة منذ البداية وسيلة مهمة لمنع تطور الموقف.
وتبقى عبارة «كنت أمزح» مرتبطة بالسياق الذي قيلت فيه، إذ لا يحسم وصف صاحب الكلام لنيته وحده الطبيعة القانونية للواقعة، وإنما تخضع المسألة لظروفها والأدلة المحيطة بها والتكييف الذي تعتمده الجهات القضائية المختصة، خصوصاً عندما يتجاوز الكلام حدود الدعابة إلى إثارة الخوف أو التهديد بإلحاق أذى حقيقي.