هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي يشعل موجة غضب واسعة ويثير جدلاً حول مصير ذاكرة المدينة
هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي يشعل موجة غضب واسعة ويثير جدلاً حول مصير ذاكرة المدينة
● مجتمع ٥ يوليو ٢٠٢٦

هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي يشعل موجة غضب واسعة ويثير جدلاً حول مصير ذاكرة المدينة

تحول مبنى بلدية القامشلي التاريخي في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، إلى محور جدل واسع بعد مباشرة الآليات الهندسية التابعة لميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" "قسد"، أعمال هدم المبنى الذي يعد من أقدم المعالم الإدارية والعمرانية في المدينة، وسط اعتراضات شعبية وحقوقية وسياسية اعتبرت الخطوة استهدافاً لذاكرة القامشلي وتراثها التاريخي.

وبدأت أعمال الهدم مطلع شهر تموز/ يوليو الجاري، بعد معلومات متداولة تحدثت عن بيع الموقع لمستثمر مقرب من قيادات ميليشيا "قسد" بهدف إقامة مشروع تجاري في مكانه، الأمر الذي أثار استياءً واسعاً بين الأهالي والناشطين والمهتمين بالتراث العمراني.

ويعود تاريخ المبنى إلى عام 1935، حيث شيد خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا، وشكل على مدى عقود أحد أبرز رموز الإدارة المحلية في المدينة، كما ارتبط بمراحل تأسيس القامشلي وتطورها العمراني والخدمي.

من لوحة تاريخية إلى جرافات الهدم

قبل أيام قليلة من بدء أعمال الإزالة التي بدأت بها "قسد" أعادت أعمال ترميم وتجديد واجهة المبنى تسليط الضوء على تاريخه، بعدما كشف عن لوحة حجرية قديمة كانت مخفية خلف واجهة حديثة أضيفت في سنوات لاحقة.

وتحمل اللوحة عبارة "دار بلدية القامشلية 1935" باللغة العربية، فيما تعلوها كلمة "MAIRIE" باللغة الفرنسية، في إشارة إلى فترة الانتداب الفرنسي وأثار ظهور اللوحة اهتماماً واسعاً بين أبناء المدينة والباحثين في تاريخ المنطقة، باعتبارها شاهداً مادياً على المراحل الأولى من نشأة القامشلي وتطور مؤسساتها الإدارية.

كما اعتبر كثيرون أن اللوحة توثق التسمية التاريخية للمدينة بصيغة "القامشلية"، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً واسعاً حول هوية المدينة وتاريخها العمراني، لكن الاحتفاء الشعبي باللوحة لم يدم طويلاً، إذ تحولت القضية خلال أيام إلى ملف ساخن بعد بدء عمليات هدم المبنى بالكامل.

معلومات عن بيع المبنى واستثماره

بحسب معلومات متداولة بين ناشطين في المنطقة الشرقية جرى بيع المبنى مقابل نحو 1.3 مليون دولار لمستثمر مقرب من قيادات ميليشيا "قسد"، تمهيداً لإقامة برج تجاري أو مشروع استثماري في الموقع.

وأثارت هذه المعلومات موجة انتقادات واسعة، خاصة في ظل اعتبار المبنى جزءاً من الممتلكات العامة المرتبطة بتاريخ المدينة، فضلاً عن ارتباطه بذاكرة أجيال متعاقبة من أبناء القامشلي.

كما تداول ناشطون معلومات تفيد بأن أعمال الهدم جاءت بعد فترة وجيزة من إعادة اكتشاف اللوحة التاريخية، وهو ما دفع بعضهم إلى الربط بين الحدثين واعتبار الهدم محاولة لإزالة أحد أبرز الشواهد التاريخية المرتبطة بهوية المدينة.

اتهامات بنقل محتويات البلدية

بالتزامن مع الجدل الدائر حول المبنى، أفادت مصادر محلية بقيام عناصر تابعة لما يعرف بـ"الشبيبة الثورية" المرتبطة بميليشيا "قسد" بنقل محتويات مبنى البلدية ومرآب الشاحنات الواقع قرب دوار الفلاح في حي الكورنيش بالقامشلي.

وبحسب المصادر، شملت العملية معدات وتجهيزات وأثاثاً ومحتويات مختلفة موجودة داخل المبنى والمرافق التابعة له، وسط استياء من الأهالي الذين اعتبروا أن هذه الممتلكات تعود للمصلحة العامة وتخدم سكان المدينة.

وأشارت المصادر إلى أن عمليات النقل جرت خلال ساعات النهار دون صدور توضيحات رسمية بشأن طبيعة المواد المنقولة أو مصيرها، الأمر الذي دفع ناشطين إلى المطالبة بفتح تحقيق للكشف عن ملابسات الحادثة.

منظمات المجتمع المدني تدخل على الخط

مع اتساع الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، أصدرت 21 منظمة من منظمات المجتمع المدني بيان موقف طالبت فيه بوقف إزالة المبنى التاريخي والحفاظ عليه بوصفه جزءاً من الذاكرة العمرانية والهوية البصرية للقامشلي.

وأكد البيان أن الحفاظ على اللوحة التاريخية وحدها لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحفاظ على المبنى نفسه، مشيراً إلى أن البلدية تُعد أحد المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة إلى جانب الأسواق القديمة ومحطة تل زيوان ودور العبادة والمباني التراثية الأخرى، ورأت المنظمات أن أي مشروع تطوير عمراني يجب أن ينطلق من مبدأ حماية المعالم التاريخية وصونها وإعادة تأهيلها دون المساس بطابعها التراثي.

ودعت الجهات المعنية إلى وقف أي إجراءات قد تؤدي إلى إزالة المبنى أو تغيير طابعه التاريخي، وإشراك المختصين في التراث العمراني والمؤرخين ومنظمات المجتمع المدني وأهالي المدينة في القرارات المتعلقة بالمعالم التاريخية، كما طالبت بإعداد سجل رسمي للمباني والمعالم التراثية في القامشلي ووضع آليات قانونية تضمن حمايتها مستقبلاً.

وأشار البيان إلى أن اقتراب الذكرى المئوية لتأسيس القامشلي في 20 آب 2026 يجعل من الحفاظ على معالمها التاريخية مسؤولية مضاعفة، مؤكداً أن مئوية المدينة تمثل فرصة لتعزيز التمسك بذاكرتها وتراثها المتنوع.

وضمت قائمة الموقعين على البيان كلاً من: بيل – الأمواج المدنية، مبادرات نسائية، تاء مربوطة، هيز لمساندة مرضى السرطان، مؤسسة جيان لحقوق الإنسان، سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، منظمة Artist للثقافة والتنمية، منظمة روني بيوند، منظمة أحلام صغيرة لدعم وتمكين المرأة، شبكة قائدات السلام، جمعية شاوشكا للمرأة، مؤسسة الصليب السرياني، مؤسسة شار للتنمية، جمعية Yekpar للثقافة والفن، منظمة روز للدعم والتمكين، مؤسسة آشتي، مؤسسة التعاون الإنساني والإنمائي HDC، منظمة مالفا للفنون والثقافة، مؤسسة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة، منظمة وايت هوب، ومؤسسة سمارت للتنمية المجتمعية.

المنظمة الآثورية الديمقراطية: هدم المبنى خسارة للإرث الحضاري

وفي موقف منفصل، أعربت المنظمة الآثورية الديمقراطية في سوريا عن قلقها الشديد من قرار هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي، مؤكدة أنه يمثل أحد أبرز المعالم العمرانية والثقافية في المدينة، واعتبرت المنظمة أن أهمية القضية تتضاعف لكونها تأتي بالتزامن مع الذكرى المئوية الأولى لتأسيس القامشلي، وهي مناسبة كان من المفترض أن تشكل فرصة للحفاظ على المعالم التاريخية والاحتفاء بالإرث الثقافي للمدينة.

وأكدت أن هدم المبنى يمثل خطوة مؤسفة تلحق الضرر بالهوية المعمارية والتاريخية للقامشلي، مشددة على أن حماية المعالم التراثية والثقافية مسؤولية جماعية تقع على عاتق المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي.

وطالبت المنظمة بفتح تحقيق شفاف ومستقل لكشف ملابسات قرار الهدم وآليات تنفيذه، ومحاسبة الجهات المسؤولة عنه وفق الأطر القانونية، داعية القوى المجتمعية والمنظمات الحقوقية وأهالي القامشلي إلى العمل من أجل حماية ما تبقى من المعالم التاريخية والحفاظ على الإرث الثقافي والعمراني للمدينة.

وأكدت في ختام بيانها أن الحفاظ على التراث التاريخي والعمراني هو حفاظ على هوية الشعوب وذاكرتها، وأن القامشلي ستبقى مدينة للتنوع والإرث الحضاري المشترك مهما واجهت من تحديات.

بلدية القامشلي تبرر: المبنى استنفد عمره الافتراضي والهدم جزء من مشروع تطويري

في مواجهة موجة الانتقادات المتصاعدة، أصدرت الرئاسة المشتركة لبلدية قامشلي التابعة لميليشيا "قسد"، بياناً مطولاً ذكرت فيه إن القرار لم يكن آنياً أو غير مدروس، بل جاء نتيجة سنوات من الدراسات والتقييمات الفنية والإدارية، واستند إلى الواقع الإنشائي للمبنى والاحتياجات المتزايدة للمدينة ومبادئ التخطيط العمراني والمصلحة العامة.

وأوضحت أن المبنى شيد عام 1935 خلال فترة الانتداب الفرنسي، عندما كان عدد سكان القامشلي يقارب خمسة آلاف نسمة فقط، في حين يقترب عدد سكان المدينة اليوم من مليون نسمة، الأمر الذي جعل المبنى غير قادر على تلبية الاحتياجات الخدمية والإدارية الحالية.

وحسب البلدية فإن الشركة الفرنسية التي نفذت المبنى أبلغت الحكومة السورية رسمياً عام 2008 بأن المبنى بلغ نهاية عمره الافتراضي من الناحيتين التقنية والاقتصادية، وأكدت أنها لا تتحمل أي مسؤولية عن استمرار استخدامه.

وبحسب البيان، كانت الحكومة السورية قد اتخذت آنذاك قراراً بإنشاء مبنى جديد للخدمات البلدية في موقع آخر، وتم تخصيص أرض للمشروع، إلا أنه لم ينفذ لأسباب مختلفة، ما أدى إلى استمرار الاعتماد على المبنى القديم وإضافة حاويات ومنشآت مؤقتة لتغطية النقص في المساحات الخدمية.

وأشارت البلدية إلى أنها بدأت منذ نيسان 2025 إعداد دراسة شاملة لمشروع مبنى خدمات بلدي جديد، تضمنت استطلاع آراء الجهات الفنية المختصة ودراسة البدائل من منظور التخطيط العمراني وتقييم الاحتياجات الفعلية للمدينة.

وأكدت أن الموقع الحالي لا يسمح بإقامة مجمع بلدي حديث يتناسب مع احتياجات المدينة بسبب محدودية المساحة والكثافة السكانية العالية والازدحام المروري والحاجة المتزايدة إلى مواقف السيارات.

وفيما يتعلق بالمعلومات المتداولة حول بيع العقار، شددت البلدية على أن المشروع لا يعني نقل ملكية أصول البلدية أو بيع العقار، موضحة أن الاتفاقية المبرمة تنص على إنشاء مبنى خدمي حديث للبلدية مع الإبقاء على ملكية العقار والمشروع التجاري للبلدية، وتحويل إيرادات إيجار المشروع إلى البلدية سنوياً بما يوفر مورداً مالياً دائماً لتحسين الخدمات.

الجدل حول الصفة التاريخية للمبنى

ورداً على المطالبات باعتبار المبنى معلماً أثرياً، قالت البلدية إن عمر المبنى وحده لا يمنحه صفة المعلم التاريخي أو الأثري وذكرت أن المعايير الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي تتطلب وجود قيمة تاريخية أو معمارية أو فنية أو اجتماعية استثنائية، إضافة إلى صدور قرارات رسمية تمنحه الحماية القانونية اللازمة.

وأكدت أنه لم يصدر حتى الآن أي قرار رسمي بتسجيل مبنى بلدية قامشلو القديم كمعلم تاريخي أو وضعه تحت الحماية القانونية كما أشارت إلى أنها خاطبت وزارة الثقافة ومديرية حماية الآثار التاريخية في الإدارة الذاتية للاستفسار عن وجود أي مانع قانوني أو أثري يمنع إزالة المبنى، مؤكدة أن الردود الرسمية لم تتضمن أي اعتراض على تنفيذ المشروع.

مصير اللوحة التاريخية

وتطرقت البلدية إلى الجدل الذي أثارته اللوحة التاريخية المكتشفة خلال أعمال الترميم، مؤكدة أنها لم تتعرض لأي ضرر وأنها فُككت وحُفظت بعناية في مكان آمن بإشراف فريق مختص وقالت إن اللوحة ستعاد إلى مكان يليق بها عند الانتهاء من إنشاء مبنى البلدية الجديد، سواء على واجهته الخارجية أو ضمن مرافقه الداخلية، بما يحافظ على قيمتها الرمزية والتاريخية.

اتفاق 29 كانون الثاني والجدل القانوني

كما ردت البلدية على الانتقادات التي اعتبرت أن المشروع يتعارض مع اتفاق 29 كانون الثاني، مؤكدة أن مدينة قامشلو تُدار ضمن إطار الإدارة الذاتية وأن البلديات تعمل وفق القوانين واللوائح النافذة لديها وقالت إن المشروع أعد واعتمد وفق الأصول القانونية المعمول بها، بعد استطلاع آراء الجهات المختصة وموافقة المجلس البلدي.

وأضافت أن اتفاق 29 كانون الثاني ينص على استمرار العقود والمعاملات القانونية الصادرة خلال فترة الإدارة الذاتية، وأن القرارات والعقود المتعلقة بالمشروع دخلت حيز التنفيذ خلال عام 2025، وبالتالي لا يوجد أي التزام قانوني بالحصول على موافقات إضافية من الحكومة السورية الحالية.

واعتبرت البلدية أن إزالة المبنى لا تمثل تجاهلاً للتراث، بل تأتي ضمن مشروع تطويري يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الذاكرة التاريخية وتطوير البنية الخدمية للمدينة.

القامشلي والبلدية.. قرن من التحولات

تعيد قضية مبنى البلدية إلى الواجهة تاريخ القامشلي الحديث، الذي بدأ عام 1926 مع تأسيس النواة الأولى للمدينة بعد إنشاء الثكنة العسكرية الفرنسية فوق تلة البدن.

وفي 24 أيلول 1926 بدأ تخطيط المدينة الحديثة على الضفة اليمنى لنهر جغجغ وفق مخطط عمراني منتظم وخلال عام 1927 ارتفع عدد سكان القامشلية إلى نحو ثلاثة آلاف نسمة، وفي 25 تموز من العام نفسه صدر القرار رقم 698 القاضي بإحداث بلدية القامشلية إلى جانب بلديتي رأس العين وعامودا.

وتولى عبد الرزاق آغا آل كوزي رئاسة البلدية الأولى، حيث شهدت المدينة أعمال ردم المستنقعات وتعبيد بعض الطرق وإنشاء حديقة عامة وتحسين الخدمات الأساسية وفي عام 1928 توسعت الحركة التجارية في المدينة ووصل عدد المحال التجارية إلى نحو 450 محلاً، بالتزامن مع إنشاء أول مدرسة وأول محكمة وأول مسجد وأول كنيسة.

وخلال الفترة الممتدة بين 1930 و1940 تولى ميشيل دوم رئاسة البلدية، وشهدت المدينة مزيداً من التوسع العمراني والإداري وفي عام 1935 أُعيد بناء مبنى البلدية الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز معالم القامشلي، بالتزامن مع توسع شبكة الخدمات وربط المدينة بخطوط السكك الحديدية.

وبحلول عام 1937 صُنفت القامشلي رسمياً ضمن المدن الكبرى بعد تجاوز عدد سكانها عشرة آلاف نسمة، قبل أن تدخل الكهرباء إليها عام 1939 وبقي مبنى البلدية طوال العقود التالية شاهداً على التحولات السياسية والاجتماعية والعمرانية التي مرت بها المدينة، إلى أن بدأت عمليات هدمه مطلع تموز 2026.

معركة على الذاكرة والهوية

تحولت قضية مبنى بلدية القامشلي من ملف خدمي وعمراني إلى قضية رأي عام شغلت الأوساط الشعبية والسياسية والحقوقية في محافظة الحسكة وخارجها فبينما تزعم بلدية القامشلي أن قرار الإزالة يستند إلى اعتبارات فنية وقانونية وتخطيطية تهدف إلى تطوير الخدمات العامة، يرى معارضو القرار أن ما جرى يمثل خسارة لأحد أهم الشواهد العمرانية المرتبطة بتاريخ المدينة وذاكرتها الجماعية.

ومع استمرار الجدل، تبرز القضية بوصفها نموذجاً للصراع القائم بين متطلبات التحديث العمراني من جهة، والحفاظ على التراث والهوية التاريخية من جهة أخرى، في مدينة تستعد للاحتفال بمرور مئة عام على تأسيسها، بينما يختفي أحد أبرز معالمها التاريخية تحت أنقاض الجرافات.

الفريق الرئاسي: اعتداء على معلم تاريخي وأي تصرف بالأملاك العامة لا يترتب عليه أثر قانوني

دخلت القضية مرحلة جديدة بعد صدور موقف رسمي من الفريق الرئاسي المكلّف بمتابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني مع ميليشيا "قسد"، حيث أكد المتحدث باسم الفريق أحمد الهلالي أن الفريق يتابع ما جرى من هدم لمبنى البلدية الأثري في القامشلي من قبل ما يسمى بـ"الإدارة الذاتية".

واعتبر الهلالي أن الخطوة تمثل اعتداءً على أحد المعالم التاريخية والعمرانية للمدينة، وإضراراً بالإرث الحضاري الذي يشكل جزءاً من ذاكرة أبناء محافظة الحسكة، وأكد أن الأملاك العامة والأبنية الحكومية هي ملك لجميع السوريين، ولا يجوز التصرف بها أو تغيير واقعها أو توصيفها القانوني والإداري أو إجراء أي تعديلات عليها خارج الأطر القانونية ومؤسسات الدولة المختصة.

وشدد على أن أي إجراءات أو تصرفات تتم بهذا الشأن لا يترتب عليها أي آثار قانونية، وأن جميع هذه الملفات ستخضع للمراجعة والمعالجة وفق القوانين والأنظمة النافذة، ودعا الفريق الرئاسي المؤسسات والجهات التابعة لميليشيا "قسد" التي لم تستكمل إجراءات الاندماج إلى التوقف الفوري عن أي تصرفات تتعلق بالأملاك العامة أو الأبنية الحكومية، وعدم فرض وقائع جديدة على الأرض.

كما دعا المواطنين والمستثمرين إلى عدم الدخول في أي استثمارات أو تعاقدات تتعلق بالأملاك العامة خارج الأطر القانونية، محذراً من التعويل على إجراءات وصفها بغير المشروعة، ومؤكداً أن جميع الملفات ستعود إلى مسارها القانوني الصحيح.

غضب سياسي وبرلماني

أثارت عملية الهدم ردود فعل واسعة بين الشخصيات السياسية والبرلمانية في محافظة الحسكة، وأكد عضو مجلس الشعب إبراهيم الحبش أن قيام ميليشيا "قسد" بهدم مبنى بلدية القامشلي الأثري المشيد عام 1935 بهدف استثماره كمشروع تجاري يشكل انتهاكاً واضحاً للممتلكات العامة واعتداءً على أحد أبرز المعالم التاريخية في المدينة.

وقال إن الحفاظ على إرث المدن هو أساس بنائها واستمرار هويتها، محذراً من أن طمس هذه المعالم لا يمكن تبريره تحت أي ظرف لما له من أثر مباشر على ذاكرة أبناء القامشلي وتاريخ المنطقة، ودعا إلى الوقف الفوري لأعمال الهدم وفتح تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين عنها والعمل على حماية ما تبقى من المواقع التاريخية في المدينة.

كما أدان عضو مجلس الشعب عن محافظة الحسكة الدكتور علوان العلي هدم المبنى التاريخي الذي يعود إلى السنوات الأولى من تأسيس المدينة، معتبراً أن الحفاظ على المعالم التاريخية يمثل جزءاً من الحفاظ على هوية القامشلي وتاريخها.

بدوره أكد عضو مجلس الشعب إبراهيم مصطفى العلي أن هدم المبنى الأثري المشيد عام 1935 بهدف إقامة مشروع تجاري يمثل انتهاكاً صارخاً للممتلكات العامة وتعدياً على أحد المعالم التاريخية التي تشكل جزءاً من ذاكرة أبناء القامشلي.

وأضاف أن المدن تُبنى بالحفاظ على إرثها لا بطمس معالمها، داعياً إلى الوقف الفوري لأعمال الهدم وفتح تحقيق ومحاسبة المسؤولين عنها.

عبد الله الفارس: من يملك حق بيع ذاكرة مدينة؟

من جانبه أعرب الدكتور عبد الله الفارس عن استنكاره الشديد لعملية هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي، معتبراً أن القضية لا تتعلق بإزالة بناء قديم فحسب، بل تمس ذاكرة المدينة وإرثها التاريخي، وتساءل الفارس عن الجهة التي منحت حق التصرف بالمبنى التاريخي، ومن وفر الغطاء السياسي والقانوني لاتخاذ مثل هذا القرار.

وأضاف أن القضية تتجاوز الجوانب الإدارية والقانونية لتطرح تساؤلات جوهرية حول المسؤولية عن التفريط بمعلم تاريخي ارتبط بتاريخ المدينة لعقود طويلة، معتبراً أن التصرف بذاكرة مدينة وكأنها سلعة قابلة للبيع والشراء يشكل مساساً بالإرث الحضاري المشترك لأبناء القامشلي.

عبد العزيز الخليفة: لا يمكن القبول ببيع مرافق الدولة

ورأى الناشط عبد العزيز الخليفة أن حادثة الهدم جاءت بعد أيام فقط من احتفاء أبناء الحسكة بظهور اسم "القامشلية" على مبنى البلدية التاريخي، وقال إن من غير المعقول القبول بالنهج الذي تتبعه إدارة "قسد" في بيع أو تأجير مرافق الدولة لمستثمرين مقربين منها دون وجود مسار شفاف وقبل استكمال عملية الاندماج.

نوار رهاوي: محاولة جديدة لاستهداف هوية المكان

أما مدير مديرية إعلام الحسكة نوار رهاوي فاعتبر أن هدم المبنى جاء بعد أيام من انتشار صورة واجهة بلدية القامشلية التاريخية التي أعادت التذكير بجذور المدينة وهويتها، وقال إن الاحتفاء لم يكن بحجر أو بناء فقط، بل بذاكرة مدينة رفضت أن تُقتلع من تاريخها.

وأضاف أن منح المبنى لمستثمر مقرب من "قسد" لا يمكن فصله عن سلسلة استهداف معالم المنطقة، معتبراً أن تغيير العناوين من العمليات العسكرية إلى الاستثمار لا يغيّر الهدف المتمثل في محو الشواهد التاريخية وتغيير هوية المكان، وأكد أن تاريخ القامشلية لا يمكن هدمه بالجرافات وأن هوية أبنائها لا تُمحى بعقود الاستثمار.

مهند الكاطع: رسالة سياسية وثقافية خطيرة

واعتبر الباحث مهند الكاطع أن هدم دار بلدية القامشلية التاريخي يحمل رسالة سياسية وثقافية خطيرة، ويثبت - بحسب وصفه - فشل فكرة الاندماج التي جرى الترويج لها خلال الأشهر الماضية، وتساءل عن دور مؤسسات الدولة في مواجهة ما وصفه بتغوّل الميليشيات على مؤسسات الدولة والاعتداء على اختصاصاتها، مشيراً إلى أن استمرار مثل هذه الممارسات يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الدولة و"قسد".

حسين شعبو: الاعتداء على الذاكرة لا تعالجه بيانات الاستنكار

من جهته قال الصحفي حسين شعبو إن التباكي على الأطلال وبيانات الاستنكار لن تعيد ما هُدم، واعتبر أن ما جرى بحق مبنى بلدية القامشلي التاريخي ليس مجرد هدم لبناء قديم، بل اعتداء على ذاكرة مدينة ومعلم ارتبط بتاريخها وهويتها، وأضاف أن الحل الحقيقي يكمن في عودة مؤسسات الدولة السورية إلى أداء دورها الكامل بما يضمن إدارة المرافق العامة وحمايتها ومنع العبث بالرموز التاريخية للمدن.

ناشطون وإعلاميون: جريمة بحق تاريخ القامشلي

ووصف الناشط الإعلامي حمودي الحسكاوي هدم مبنى بلدية القامشلية بأنه جريمة بحق إرث المدينة التاريخي، مؤكداً أن المبنى يمثل أول شاهد عمراني على نشأتها الحديثة في ثلاثينيات القرن الماضي، كما أكد أن أعمال الهدم جاءت بعد بيع المبنى لشخص مقرب من قياديين في "قسد" بهدف تحويله إلى برج تجاري حديث.

أما الناشط الإعلامي أحمد المبرد فاعتبر أن ما حدث يشكل جريمة بحق تاريخ المدينة وتراثها ومحاولة لطمس هويتها ورمزية أحد أبرز معالمها، مطالباً بفتح تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين عن الهدم.

بدوره أكد الناشط الإعلامي إبراهيم حجي الحلبي أن هدم مبنى بلدية القامشلية، الذي يعد من أقدم الأبنية البلدية في سوريا، لا يمثل إزالة بناء قديم فحسب بل مساساً بذاكرة المدينة وتاريخها وإرثها الحضاري.

ووصف الناشط الإعلامي حسام القس عملية الهدم بأنها محاولة لمحو تاريخ القامشلية المشرق وفرض واقع جديد مشوه لا يمت إلى تاريخ المدينة وجمالها بصلة، كما اعتبر متعب الحسين، مدير الإنتاج في مديرية إعلام الحسكة، أن البدء بهدم المبنى يشكل جريمة بحق المدينة وإرثها التاريخي.

وقال الناشط مهند أبو هتون إن متعهداً مقرباً من قيادات ميليشيا "قسد" بدأ بهدم المبنى التاريخي الذي يزيد عمره على مئة عام بعد بيعه بهدف إنشاء برج تجاري مكانه، وأضاف أن أي جهة أمر واقع ليست مخولة قانونياً ببيع أملاك الدولة أو التصرف بها أو هدمها، مطالباً المؤسسات الحكومية والمديرية العامة للآثار والمتاحف بالتدخل لوقف الهدم ومحاسبة المتورطين.

أما الناشط الإعلامي صهيب اليعربي فاعتبر أن هدم مبنى بلدية القامشلية التاريخي يأتي في سياق محاولات طمس هوية المدينة وذاكرتها العمرانية، مؤكداً أن اللوحة الحجرية التي ظهرت مؤخراً وتحمل اسم "القامشلية" ستبقى شاهداً على جذور المكان مهما جرت محاولات إزالة معالمه التاريخية.

وبينما تتواصل أعمال إزالة المبنى الذي رافق نشأة القامشلي الحديثة منذ عام 1935، تتجاوز القضية حدود الخلاف حول مشروع استثماري أو قرار إداري لتتحول إلى نقاش أوسع يتعلق بمصير الذاكرة العمرانية للمدينة وآليات إدارة الممتلكات العامة والمعالم التاريخية في مرحلة تشهد تحولات سياسية وإدارية في شمال شرقي سوريا.

وفي الوقت الذي تتمسك فيه ميليشيا قسد بروايتها القائمة على الاعتبارات الفنية ومتطلبات التطوير العمراني، ترى جهات سياسية وحقوقية ومدنية واسعة أن هدم المبنى يمثل خسارة لأحد أبرز الشواهد التاريخية المرتبطة بذاكرة المدينة وهويتها، ويستدعي مراجعة شاملة لآليات التعامل مع المواقع ذات القيمة التراثية.

ومع اقتراب الذكرى المئوية لتأسيس القامشلي، يبقى مصير مبنى البلدية التاريخي عنواناً لجدل مستمر بين دعاة التحديث العمراني والمدافعين عن الإرث التاريخي، فيما تتصاعد المطالبات بفتح تحقيق شفاف في ملابسات القرار، وتحديد المسؤوليات القانونية المرتبطة به، ووضع رؤية واضحة لحماية ما تبقى من المعالم التاريخية التي توثق مسيرة المدينة وتحفظ ذاكرتها للأجيال القادمة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ