نقص الخدمات الصحية في جبل الزاوية يرهق الأهالي.. مطالب بمركز إسعافي يعمل على مدار الساعة
يعاني سكان قرى جبل الزاوية في ريف إدلب من محدودية الخدمات الصحية والطبية، في ظل غياب مشفى أو مركز إسعافي مجهز يعمل على مدار الساعة، ما يضع المرضى أمام رحلة طويلة للوصول إلى الرعاية، ويزيد المخاطر في الحالات الطارئة التي تتطلب تدخلاً طبياً سريعاً.
وتزداد معاناة الأهالي مع اتساع المنطقة وتوزع القرى والبلدات على مسافات متباعدة، فيما تتحمل الأسر محدودة الدخل أعباء إضافية ناجمة عن تكاليف النقل والعلاج خارج المنطقة، وسط مطالب بتوفير مركز قادر على الاستجابة للحالات الإسعافية وتأمين الخدمات الطبية الأساسية.
قرى واسعة وخدمات لا تغطي الحاجة
قال أحمد الفارس، وهو من سكان جبل الزاوية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المنطقة تعاني نقصاً كبيراً في الخدمات الصحية، موضحاً أن غياب المشافي لا يتناسب مع الامتداد الجغرافي لجبل الزاوية والكثافة السكانية الموجودة فيه، الأمر الذي يصعّب حصول المرضى على العلاج بالقرب من أماكن سكنهم.
وأوضح أن السكان يضطرون في كثير من الحالات إلى التوجه نحو أريحا أو معرة النعمان، فيما تستدعي بعض الفحوصات والاختصاصات متابعة الرحلة إلى مدينة إدلب، ولا سيما مع عدم توفر خدمات مثل التصوير الطبقي والرنين المغناطيسي في المراكز الأقرب إلى عدد من قرى المنطقة.
وأشار الفارس إلى وجود بعض المراكز الصحية في جبل الزاوية، إلا أن الخدمات التي تقدمها تبقى محدودة مقارنة بالحاجة، لافتاً إلى أن المنطقة تضم، بحسب تقديراته، 36 قرية وبلدة ويتجاوز عدد سكانها 550 ألف نسمة، في حين تفتقر 33 قرية إلى خدمات طبية كافية.
وأكد أن إنشاء مشفى يخدم قرى جبل الزاوية أصبح من أبرز احتياجات السكان، ولا سيما أن الفئات محدودة الدخل تتحمل العبء الأكبر، بعد سنوات من الحرب في سوريا والتهجير والظروف الاقتصادية الصعبة، ما يجعل الانتقال المتكرر إلى مدن أخرى للحصول على العلاج عبئاً إضافياً عليها.
وبيّن أن غياب المشفى يدفع كثيراً من السكان إلى مراجعة الصيدليات للحصول على ما يحتاجونه من أدوية أو مساعدة صحية أولية، بينما تصبح أريحا أو إدلب الوجهة الرئيسية عندما تكون الحالة أكثر تعقيداً وتحتاج إلى خدمات لا تتوفر محلياً.
ولفت إلى أن المشكلة تصبح أكثر خطورة عند حالات الولادة والحوادث المفاجئة وغيرها من الحالات الإسعافية، إذ يضطر سكان بعض القرى الواقعة وسط جبل الزاوية إلى قطع نحو 26 كيلومتراً للوصول إلى أريحا، ما يعني خسارة وقت قد يكون مهماً في الحالات الحرجة.
الطوارئ تكشف حجم النقص
قال الصيدلاني أحمد عبد الكريم العيسى، من قرية كفر عويد في جبل الزاوية، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن طبيعة عمله اليومي تضعه بصورة مباشرة أمام حجم حاجة السكان إلى خدمات طبية وإسعافية قريبة، مشيراً إلى أن الصيدليات تحاول تقديم ما تستطيع من خدمات دوائية ضمن الإمكانات المتوفرة.
وأوضح أن المشكلة الأكثر إلحاحاً تتمثل في غياب خدمات إسعافية قادرة على الاستجابة على مدار 24 ساعة، إذ لا ترتبط الحوادث والحالات الطارئة بتوقيت محدد، بينما قد يضطر المريض أو أفراد أسرته إلى قطع مسافات تصل في بعض الحالات إلى نحو 50 كيلومتراً للوصول إلى مركز طبي أو مشفى قادر على التعامل مع حالته.
وذكر أن الحالات التي تواجه السكان تشمل لدغات الأفاعي ولسعات العقارب وعضات الكلاب، إضافة إلى النزوف والجروح والكسور والحروق المنزلية وإصابات العمل وحوادث السير والمشاجرات، وهي حالات قد يحتاج بعضها إلى تدخل طبي خلال وقت قصير.
وأضاف أن الصيدليات تواجه أيضاً حالات اختناق لدى الأطفال والبالغين، وحوادث تسمم ناجمة عن استخدام مواد التنظيف، ودخول أجسام غريبة إلى الأذن أو الأنف، إلى جانب إصابات العين وغيرها من الحالات التي تحتاج إلى تقييم طبي وتدخل متخصص.
ونبه العيسى إلى أن عامل الوقت يصبح حاسماً في عدد من الحالات الطارئة، ولا سيما لدغات الأفاعي والعقارب والنزوف والإصابات الخطيرة، إذ يمكن لوجود مركز إسعافي قريب ومجهز أن يختصر زمن الوصول إلى العلاج ويحد من المضاعفات، بينما قد يؤدي التأخر في الحالات الحرجة إلى عواقب تهدد حياة المريض.
كلفة المسافة وتأخر العلاج
أشار العيسى إلى أن المشكلة لا تقتصر على الطوارئ، إذ يواجه سكان المنطقة صعوبات في الوصول إلى بعض الأدوية والفحوصات والاختصاصات الطبية، ما يفرض عليهم الانتقال إلى مناطق أخرى ويضيف تكاليف جديدة إلى فاتورة العلاج.
وأوضح أن الظروف الاقتصادية الصعبة وبعد المراكز الطبية قد يدفعان بعض المرضى إلى تأجيل زيارة الطبيب أو العلاج، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الحالة وتحول مشكلة صحية قابلة للعلاج في بدايتها إلى حالة أكثر تعقيداً وكلفة.
ولفت إلى أن نقص البدائل يدفع الأهالي أحياناً إلى طلب خدمات إسعافية وتمريضية من الصيدليات، من بينها إعطاء الحقن وتركيب السيرومات، مؤكداً أن المكان الأنسب لتقديم مثل هذه الخدمات هو مركز صحي أو عيادة تمريضية مجهزة وتعمل تحت إشراف كوادر مختصة.
وأكد أن العاملين في الصيدليات يجدون أنفسهم أمام هذه الطلبات نتيجة الحاجة المباشرة للسكان وليس باعتبارها بديلاً عن المراكز الطبية، ما يعكس حجم الفراغ الذي يتركه غياب منشأة صحية قريبة وقادرة على استقبال الحالات المختلفة.
مطالب بمركز إسعافي دائم
شدد العيسى على أن الأولوية بالنسبة إلى جبل الزاوية تتمثل في إنشاء مركز إسعافي مجهز يعمل على مدار الساعة، ويضم أطباء وكوادر تمريضية مؤهلة، مع تأمين الأدوية والمستلزمات الأساسية اللازمة للتعامل مع الحالات الطارئة.
ودعا إلى تزويد المركز المقترح بسيارة إسعاف مجهزة لنقل المرضى الذين تستدعي حالاتهم التحويل إلى المشافي والمراكز التخصصية، بما يختصر الوقت ويخفف العبء عن الأسر التي تضطر حالياً إلى تأمين وسيلة نقل بنفسها للوصول إلى الرعاية.
وأكد أن توفير مركز بهذه المواصفات لا يمثل مجرد توسيع للخدمات الصحية في المنطقة، بل حاجة ترتبط بسلامة السكان والحد من المضاعفات الناجمة عن تأخر العلاج، خصوصاً في حالات النزف والحروق والكسور والاختناق واللدغات وغيرها من الحالات الإسعافية.
وختم العيسى حديثه بالتأكيد على أن مطالب الأهالي تنطلق من واقع فرضه بُعد قرى جبل الزاوية عن المشافي والمراكز الطبية المجهزة، معرباً عن أمله في استجابة الجهات المعنية والعمل على توفير خدمات صحية وإسعافية قريبة، بما يخفف رحلة المرضى الطويلة للحصول على العلاج ويعزز قدرة المنطقة على التعامل مع الحالات الطارئة.
تضم منطقة جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي أكثر من 35 قرية وبلدة موزعة على مساحة جغرافية واسعة، فيما تتوزع التجمعات السكانية بين المرتفعات والوديان والطرق الريفية التي تربط المنطقة بأريحا ومعرة النعمان ومركز محافظة إدلب.
وتعتمد نسبة من سكان المنطقة على الزراعة مصدراً للرزق، إذ تشتهر قرى جبل الزاوية بزراعة الزيتون والتين والعنب والكرز والمحلب وغيرها من المحاصيل، كما تتميز المنطقة بإرث أثري بارز، وتضم عدداً من القرى والمواقع العائدة إلى الحقبتين الرومانية والبيزنطية، من بينها البارة والرويحة ومواقع أخرى مرتبطة بتجمعات القرى الأثرية في شمال سوريا.
وشهدت قرى جبل الزاوية خلال سنوات الحرب في سوريا موجات قصف ونزوح واسعة، ما أثر في استقرار السكان والبنية الخدمية، قبل أن تشهد المنطقة عودة تدريجية لأعداد من الأهالي، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على الحاجة إلى تأهيل الخدمات الأساسية وتوسيع قدرتها على استيعاب السكان.