من القرداحة إلى قفص الاتهام.. كيف تحول وسيم الأسد إلى أحد أبرز رموز النظام البائد؟
من القرداحة إلى قفص الاتهام.. كيف تحول وسيم الأسد إلى أحد أبرز رموز النظام البائد؟
● مجتمع ٢٤ يونيو ٢٠٢٦

من القرداحة إلى قفص الاتهام.. كيف تحول وسيم الأسد إلى أحد أبرز رموز النظام البائد؟

لم يكن اسم وسيم بديع الأسد مجرد اسم عابر داخل نظام الأسد البائد بل تحول إلى واحد من أكثر الأسماء إثارة للجدل فمنذ ظهوره الإعلامي الأول بوصفه رجل أعمال منحدراً من مدينة القرداحة في محافظة اللاذقية، وصولاً إلى مثوله اليوم أمام القضاء السوري، رسم وسيم الأسد مساراً استثنائياً جمع بين المال والنفوذ والسلاح والاستعراض الإعلامي.

من هو وسيم الأسد؟

ولد وسيم الأسد عام 1980 في القرداحة، المعقل التقليدي لعائلة الأسد، ونشأ ضمن البيئة الاجتماعية والسياسية التي وفرت له امتيازات استثنائية بحكم قرابته من الهارب بشار الأسد وخلال السنوات التي سبقت اندلاع الثورة السورية عام 2011، اتجه إلى النشاط الاقتصادي وأسس عدداً من الشركات العاملة في قطاعات النقل البري والبحري والجوي والاستيراد والتصدير.

وكان أبرزها شركة "أسد الساحل" التي توسعت أعمالها عبر المعابر والطرق التجارية بين سوريا ولبنان ومع مرور الوقت بدأت تتصاعد اتهامات محلية ودولية للشركة بأنها لم تكن مجرد مؤسسة تجارية تقليدية، بل غطاءً لعمليات تهريب واسعة النطاق شملت مواد ممنوعة وعلى رأسها الكبتاغون.

مع اندلاع الثورة السورية انتقل وسيم الأسد من عالم الأعمال إلى فضاء النفوذ الأمني والعسكري وخلافاً لشخصيات اقتصادية قامت بالتمويل أو الدعم السياسي، انخرط بشكل مباشر في تشكيل مجموعات مسلحة محلية رديفة لقوات النظام، خاصة في محافظة اللاذقية وريفها، وارتبط اسمه لاحقاً بالفرقة الرابعة التي كان يقودها الهارب ماهر الأسد.

وخلال سنوات الثورة السورية برز بوصفه أحد ممولي المجموعات الرديفة للنظام، فيما توسعت شبكات نفوذه داخل الساحل السوري ومناطق أخرى إعلامياً، لم يكتف وسيم الأسد بالعمل خلف الكواليس، بل سعى باستمرار إلى صناعة صورة عامة لنفسه فظهر مراراً عبر حساباته الشخصية ومنصات التواصل الاجتماعي مستعرضاً مواكب السيارات الفارهة والممتلكات الباذخة في وقت كانت البلاد تعيش أسوأ أزماتها الاقتصادية والمعيشية.

وتحولت صوره ومقاطع الفيديو التي ينشرها إلى مادة جدلية حتى داخل البيئة الموالية للنظام البائد، خصوصاً مع ظهور السوريين حينها في طوابير الوقود والخبز والمواد الأساسية، بينما كان هو يستعرض سيارات حديثة ومظاهر رفاهية غير مسبوقة.

في عام 2020 أثار الجدل بعد ظهوره في تصريحات تناولت جائحة كورونا والواقع الاقتصادي، حيث قدم معلومات مضللة، واعتبر أن الإمكانيات الاقتصادية السورية لا تكفي إلا لدعم جيش النظام البائد، في وقت كانت البلاد تواجه انهياراً اقتصادياً متسارعاً.

وخلال عام 2021 تصاعد حضوره الإعلامي بصورة أكبر ففي 31 كانون الثاني من ذلك العام ظهرت مشاهد مصورة جمعت وسيم الأسد بتاجر المخدرات اللبناني نوح زعيتر خلال زيارات متبادلة بين الطرفين امتدت لسنوات وأظهرت المقاطع سهرات ولقاءات باذخة بدأت من بلودان في ريف دمشق وانتهت في القرداحة.

في الفترة نفسها حاول وسيم الأسد الظهور بمظهر المدافع عن سياسات النظام الاقتصادية، وخرج في تصريحات برر خلالها طوابير المحروقات والأزمات المعيشية التي كانت تضرب مناطق سيطرة النظام، ما أثار موجة غضب شعبية واسعة، خصوصاً أن أسطول السيارات الذي كان يستعرضه بصورة متكررة شكّل بالنسبة لكثيرين رمزاً للفجوة الهائلة بين طبقة النافذين وبقية السوريين.

ومع تصاعد الاتهامات الدولية بشأن تجارة المخدرات، أصبح اسم وسيم الأسد حاضراً بقوة في تقارير العقوبات الغربية ففي عام 2023 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه إلى جانب سامر كمال الأسد واعتبرت واشنطن أن وسيم الأسد لعب أدواراً متعددة في دعم جيش النظام وقيادة تشكيلات شبه عسكرية، إضافة إلى كونه شخصية محورية في شبكات تهريب الكبتاغون والمواد المخدرة على مستوى المنطقة.

وفي تموز 2023 عاد للظهور عبر تسجيل مصور انتقد فيه السوريين الذين يشتكون من تدهور الأوضاع الاقتصادية، معتبراً أن البلاد تفتقر إلى الموارد وأن على المواطنين استثمار أراضيهم والعمل بدلاً من توجيه الانتقادات كما دافع عن حزب البعث المنحل وهاجم الأصوات المنتقدة للنظام البائد.

وبعد أيام قليلة فقط، وتحديداً في آب 2023، حاول التنصل من الاتهامات المتعلقة بعلاقته مع نوح زعيتر، مؤكداً أن العلاقة بينهما لا تتجاوز حدود المعرفة الشخصية منذ معركة القصير عام 2013 ونفى بشكل قاطع أي صلة له بتجارة الكبتاغون، معتبراً أن العقوبات المفروضة عليه "ظالمة وكاذبة"، وأن نشاطه يقتصر على التخليص الجمركي والاستيراد والتصدير وفق زعمه.

وفي موازاة ذلك، استمر وسيم الأسد في الترويج لنفسه عبر فعاليات ولقاءات وصفت بأنها ذات طابع دعائي أكثر من كونها رسمية وظهر خلال تكريمات وشهادات تقدير غير أكاديمية أو علمية، من بينها مشاركته في مؤتمر للتوعية القانونية بدمشق حصل خلاله على درع تكريمي من محافظ دمشق ومسؤولين في مؤسسات محلية. 

كما اشتهر خلال تلك المرحلة بظهوره المتكرر في حفلات وسهرات باذخة، أظهرت بعض المقاطع المصورة حالة من التباهي المفرط بالنفوذ والثروة، ووثق بعضها ظهوره في أوضاع أثارت انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي وتحول تدريجياً إلى رمز لما اعتبره كثير من السوريين نموذجاً للثراء غير المشروع.

ومع اقتراب نهاية النظام البائد دخل وسيم الأسد مرحلة جديدة من النشاط العلنية ومع الانهيارات المتسارعة التي أصابت قوات النظام خلال معركة تحرير سوريا، وفي الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2024، رصدت شبكة شام الإخبارية ظهوراً مصوراً لوسيم الأسد وأعدّت تقريراً بعنوان: "إعلانات تطوع مع انهيار الجيش.. وسيم الأسد يعلن تجهيز مجموعات لحماية اللاذقية".

وخلال التسجيل أعلن عن تشكيل "مجموعات إسناد وحماية" في محافظة اللاذقية وريفها وقدم عروض تطوع تضمنت راتباً شهرياً يبلغ ثلاثة ملايين ليرة سورية إضافة إلى تسويات للمطلوبين والفارين من الخدمة العسكرية، في خطوة فسرت آنذاك كمحاولة لتعويض الانهيار المتسارع في صفوف قوات النظام.
وبعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، أعلن عبر صفحته الشخصية استمرار تشكيل مجموعات رديفة للجيش في الساحل السوري، في موقف عد من آخر محاولات الحفاظ على شبكات النفوذ المسلحة التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
لكن المشهد تغير بالكامل في 21 حزيران 2025 عندما أعلنت الدولة السورية الجديدة إلقاء القبض عليه في عملية أمنية محكمة قرب الحدود السورية اللبنانية في منطقة تلكلخ ونفذت العملية عبر كمين دقيق بالتعاون بين جهاز الاستخبارات العامة ووزارة الداخلية بعد أشهر طويلة من المتابعة والرصد.

وأثار اعتقاله اهتماماً واسعاً باعتباره أول شخصية بارزة من عائلة الأسد تقع رسمياً في قبضة العدالة بعد سقوط النظام البائد وأكد وزير الداخلية أنس خطاب أن توقيفه يأتي في إطار ملاحقة المتورطين في جرائم النظام البائد، بينما شدد وزير العدل مظهر الويس على أن العدالة ستطال كل من تلطخت أيديهم بدماء السوريين أما متحدث الداخلية نور الدين بابا أكد أن وسيم الأسد قد يكون أول المقبوض عليهم من آل الأسد لكنه لن يكون الأخير.

ومع انتقال الملف إلى القضاء، أعلنت النيابة العامة السورية تحريك دعوى جنائية بحقه شملت اتهامات بالقتل العمد والتحريض وتشكيل مجموعات مسلحة خارج القانون وتمويل ميليشيات رديفة للفرقة الرابعة وإدارة شبكات تهريب مخدرات وإشعال الفتنة وإثارة النعرات الطائفية واستغلال النفوذ والتدخل في مؤسسات الدولة مقابل منافع مالية.

وفي 30 أيلول 2025 نشرت وزارة العدل تسجيلاً مصوراً أظهر قاضي التحقيق وهو يباشر استجوابه، في أول ظهور رسمي له داخل مسار المحاسبة القضائية وكشفت التحقيقات الأولية، بحسب ما أعلنته الجهات القضائية والأمنية، عن اتهامات تتعلق بتمويل مجموعات مسلحة كاملة من ماله الخاص وتأمين السلاح والذخيرة لها، إلى جانب الاشتباه بدوره في شبكات تهريب المخدرات وعلاقاته مع كبار المتورطين في هذا الملف داخل سوريا وخارجها.

واليوم، وبينما تنعقد أولى جلسات محاكمته في دمشق ضمن مسار العدالة الانتقالية، يتحول وسيم الأسد من أحد أكثر الوجوه نفوذاً واستعراضاً في عهد النظام البائد إلى أحد أبرز رموز المرحلة التي تسعى الدولة السورية الجديدة إلى محاسبتها فالمجرم الذي بنى صورته لسنوات على المال والسلاح والقرابة العائلية والنفوذ الأمني، يقف الآن أمام القضاء في قضية يرى كثير من السوريين أنها اختبار حقيقي لقدرة العدالة على ملاحقة شخصيات مجرمة كانت حتى وقت قريب تعد فوق المساءلة والقانون.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ