من الغذاء إلى العلاج.. لماذا تلجأ الأسر إلى الشراء بالدَّين؟
تلجأ بعض الأسر إلى الاستدانة أو شراء احتياجاتها بالدَّين عندما لا يغطي الدخل المتاح النفقات الشهرية، وقد تشمل هذه الالتزامات الغذاء والدواء والتعليم والإيجار والنقل، إلى جانب نفقات طارئة يصعب التخطيط لها مسبقاً.
وتختلف آثار الاستدانة باختلاف حجم الدين ودخل الأسرة وقدرتها على السداد، فيما قد يؤدي تكرارها دون وجود موارد كافية إلى تراكم الالتزامات واقتطاع جزء متزايد من الدخل اللاحق لتسديد نفقات سابقة.
لماذا تستدين الأسر؟
قال المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الاستدانة في كثير من الحالات لا ترتبط بالرغبة في الإنفاق الزائد، وإنما تمثل وسيلة للتعامل مع الفجوة بين الدخل والنفقات، إذ قد تلجأ الأسرة إلى الأقارب أو الأصدقاء أو المحال التجارية لتأجيل الدفع عندما لا يكفي دخلها الشهري.
وأوضح أن الأسباب تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة مقارنة بالدخل، وعدم انتظام بعض مصادر الدخل أو تراجع القدرة الشرائية، إلى جانب المصاريف المفاجئة وغياب المدخرات أو انخفاضها.
وأضاف أن تكاليف التعليم والنقل والعلاج وإصلاح المنزل قد تدفع أيضاً إلى الاستدانة، فضلاً عن شراء بعض المواد الأساسية بالدَّين من المحال، ولا سيما مع اقتراب نهاية الشهر.
ضروريات أم نفقات قابلة للتأجيل؟
قسّم الدبس الاحتياجات التي تدفع الأسر إلى الاستدانة إلى نوعين، الأول يتعلق بالنفقات الأساسية، ومنها الغذاء والدواء والعلاج والتعليم والإيجار والكهرباء والتدفئة والنقل، والثاني يرتبط بالنفقات الطارئة أو الكبيرة، مثل العمليات والحالات الصحية المفاجئة وإصلاح المنزل وشراء جهاز أساسي أو تحمل مصاريف مرتبطة بحدث عائلي.
وأشار إلى وجود فرق بين الاستدانة لتأمين الغذاء والدواء وبين شراء سلعة غير ضرورية بالدَّين، موضحاً أن الحالة الأولى قد تعكس فجوة في قدرة الأسرة على تغطية احتياجاتها الأساسية، بينما ترتبط الثانية بدرجة أكبر بقرارات الإنفاق وإدارته.
متى تبدأ دوامة الدين؟
أوضح الدبس أن المشكلة لا تبدأ بالضرورة بمجرد وجود دين، وإنما عندما تضطر الأسرة إلى الحصول على دين جديد لسداد دين سابق، فتدخل في حلقة متكررة يصعب الخروج منها.
وحدد مجموعة من المؤشرات على ذلك، منها تجاوز الأقساط قدرة الأسرة الشهرية، وتأجيل السداد بصورة متكررة، والاقتراض من جهة جديدة لسداد جهة سابقة، وتراكم الديون لدى أكثر من شخص أو محل، وعدم بقاء مبلغ كافٍ للنفقات الأساسية بعد دفع الأقساط.
وأضاف أن غياب تصور واضح لموعد انتهاء الديون يمثل مؤشراً إضافياً، إذ تتحول الاستدانة عندها من وسيلة مؤقتة لمواجهة ظرف معين إلى نمط مستمر لتمويل احتياجات الأسرة.
ولخص الدبس هذه الحلقة بتراجع الدخل الحقيقي الذي يقود إلى الاستدانة، ثم إلى أقساط شهرية تقلل الدخل المتاح، ما قد يدفع إلى استدانة جديدة وتراكم أكبر للالتزامات.
الدين يستهلك جزءاً من دخل المستقبل
بيّن الدبس أن الاستدانة تعني عملياً استخدام جزء من الدخل المستقبلي لتمويل احتياجات حالية، وبالتالي فإن الأسرة التي تنفق كامل دخلها شهرياً تصبح أمام خيارات أصعب عندما يضاف إليها قسط دين جديد.
وقد تضطر الأسرة عندها إلى تقليص نفقاتها على الغذاء أو التعليم أو الصحة، أو العودة إلى الاستدانة لتغطية الاحتياجات التي لم يعد الدخل المتبقي كافياً لها.
آثار تتجاوز ميزانية الأسرة
لفت الدبس إلى أن آثار الديون لا تقتصر على الجانب المالي، إذ يمكن أن ترافقها ضغوط نفسية وخلافات بين الزوجين حول إدارة الإنفاق، وتوتر في العلاقات مع الأقارب والأصدقاء عند تأخر السداد أو تكرار الوعود دون القدرة على الوفاء بها.
وأضاف أن تخصيص جزء كبير من الدخل لسداد ديون سابقة قد يفرض على أفراد الأسرة تقليص احتياجات أخرى، بينما قد يدفع الضغط المالي رب الأسرة إلى زيادة ساعات العمل وما يرافق ذلك من إجهاد جسدي ونفسي.
وحذر من أن الضغوط الاقتصادية قد تدفع بعض الأسر إلى تشغيل أطفالها بعد المدرسة أو إخراجهم منها للعمل بهدف زيادة الدخل وتقليل النفقات، وهو ما اعتبره مشكلة تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى آثار اجتماعية وتعليمية أوسع.
كيف يمكن تنظيم الديون؟
أشار الدبس، في تصريح خاص لـ«شام»، إلى أهمية البدء بحصر جميع الديون وتسجيل قيمة كل منها واسم الدائن وموعد السداد والقسط الشهري، بما يمنح الأسرة صورة واضحة عن حجم التزاماتها.
ودعا إلى وقف الاستدانة للنفقات غير الضرورية قدر الإمكان، وترتيب الديون وفق درجة الإلحاح والتكلفة، إلى جانب التفاوض مع الدائنين على أقساط يمكن الالتزام بها بدلاً من تقديم وعود بسداد مبالغ تفوق قدرة الأسرة.
وأكد أهمية تخصيص مبلغ ثابت للسداد، حتى إن كان محدوداً، على أن يكون منتظماً وقابلاً للاستمرار، والعمل بعد السيطرة على الديون على تكوين صندوق طوارئ صغير يساعد في مواجهة النفقات المفاجئة دون العودة مباشرة إلى الاستدانة.
الدخل مقابل تكلفة المعيشة
رأى الدبس أن انتشار الشراء بالدَّين لا يمكن تفسيره دائماً باعتباره مشكلة في السلوك الاستهلاكي، خصوصاً عندما تتعلق الاستدانة بالغذاء والدواء والتعليم، إذ قد تكون مؤشراً على فجوة بين الدخل الحقيقي وتكاليف المعيشة.
وأضاف أن التعامل مع الظاهرة لا يقتصر على دعوة الأسر إلى تجنب الاستدانة، وإنما يرتبط أيضاً بتحسين القدرة على الادخار وتوسيع أدوات التمويل الاجتماعي الآمن ودعم الأسر الأكثر هشاشة وزيادة فرص العمل والدخل.
وأكد أن حجم الدين وحده لا يكفي لقياس العبء الواقع على الأسرة، مشيراً إلى أهمية النظر إلى نسبة المبالغ المخصصة لخدمة الدين مقارنة بالدخل، إذ يمكن لدين محدود أن يشكل ضغطاً كبيراً على أسرة ذات دخل منخفض، بينما تستطيع أسرة ذات موارد أكبر التعامل مع التزام مالي أعلى.
وتبقى آثار الاستدانة مرتبطة بظروف كل أسرة وحجم دخلها والتزاماتها وقدرتها على السداد، فيما يشكل تنظيم الديون وتحديد الأولويات عاملاً أساسياً في الحد من تحول الالتزامات المؤقتة إلى عبء مستمر على ميزانية الأسرة واستقرارها.