من الأعراض إلى العلاج… قراءة شاملة في الاكتئاب النفسي
من الأعراض إلى العلاج… قراءة شاملة في الاكتئاب النفسي
● مجتمع ١٢ يونيو ٢٠٢٦

من الأعراض إلى العلاج… قراءة شاملة في الاكتئاب النفسي

لا يبدو الاكتئاب دائماً واضحاً كما يعتقد كثيرون، فقد يمرّ به بعض الأشخاص بصمت، دون أن يلفت انتباه المحيطين بهم، أو يتم تفسيره على أنه مجرد حالة حزن عابرة، رغم أن الاكتئاب يختلف عن الحزن الطبيعي من حيث الاستمرارية التي قد تتجاوز أسبوعين، والشدة، وتأثيره على حياة الفرد اليومية مثل اضطراب النوم أو الشهية أو التركيز.

وبين هذا الفهم الشائع وحقيقة كونه اضطراباً نفسياً قد تتطلب بعض حالاته، خاصة المتوسطة والشديدة، متابعة وعلاجاً متخصصاً، تتداخل المفاهيم وتُساء قراءة الأعراض، ما يؤخر التعامل مع الحالة بالشكل الصحيح، في هذا السياق، يسلّط مختصون الضوء على طبيعة الاكتئاب، أسبابه، وأبرز مؤشرات ظهوره، إلى جانب مضاعفاته وسبل التعامل معه.

ولا تظهر مضاعفات الاكتئاب دائماً بشكل مفاجئ أو واضح، إذ يمرّ كثير من المصابين بمراحل متدرجة من التراجع النفسي دون أن يتم الانتباه لها في وقت مبكر، وفي بعض الحالات، قد يؤدي تجاهل الأعراض أو التقليل من شأنها، إضافة إلى غياب الدعم أو عدم اللجوء إلى العلاج، إلى تفاقم الحالة مع مرور الوقت، بما قد ينعكس بشكل خطير على حياة الفرد وسلامته.

كيف يظهر الاكتئاب؟

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة إيمان تللو، طبيبة بشرية خريجة جامعة حلب واختصاصية في الطب النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الاكتئاب النفسي (Clinical Depression) يُعد اضطراباً مزاجياً واعتلالاً طبياً ونفسياً جسيماً، يؤثر سلباً على طريقة التفكير والشعور والسلوك، ولا يقتصر على مجرد هبوط مؤقت في المعنويات، بل هو حالة من العجز الوجداني والوظيفي المستمر.

وأضافت أن الفارق بين الاكتئاب والحزن أو الضيق العابر يتمثل في عدة جوانب، مشيرة إلى أن الحزن يُعد عاطفة طبيعية ومؤقتة تتبدد تدريجياً وتستمر لأيام، بينما يتطلب تشخيص الاكتئاب استمرار الأعراض لمدة أسبوعين متتاليين على الأقل معظم اليوم وكل يوم تقريباً، كما أوضحت أن الحزن غالباً ما يكون له سبب واضح (خسارة، وفاء، خيبة أمل)، في حين قد يظهر الاكتئاب دون سبب خارجي واضح أو يستمر ويتضخم ليتجاوز حجم الحدث المحفز بكثير.

ونوّهت إلى أن القدرة على الاستمتاع تختلف بين الحالتين، حيث يظل الشخص في الحزن قادراً على اختبار بعض اللحظات الإيجابية كالضحك والاستمتاع ببعض اللحظات أو التشتت عن حزنه، بينما تختفي هذه القدرة في الاكتئاب تماماً، وبيّنت أن التأثير الوظيفي للحزن يكون محدوداً ولا يعطل الإنسان عن روتينه، في حين أن الاكتئاب قد يشل القدرة على العمل والدراسة والتواصل الاجتماعي.

وتحدثت عن أسباب الاكتئاب، مؤكدةً أنه محصلة تداخل معقد بين عدة عوامل، ولا يمكن إرجاعه لسبب واحد منفرد، وذكرت أن العوامل البيولوجية والكيمياء الحيوية تلعب دوراً مهماً من خلال خلل في توازن النواقل العصبية في الدماغ مثل السيروتونين والدوبامين والنورأدرينالين.

ولفتت إلى أن العوامل الوراثية الجينية تسهم في رفع احتمالية الإصابة، خاصة عند وجود تاريخ عائلي لاضطرابات المزاج، وأفادت بأن العوامل البيئية والحياتية مثل التعرض لضغوط مزمنة أو صدمات نفسية كالفقد والحروب أو الإساءة في الطفولة والتغيرات الحياتية الكبرى والصعوبات الاقتصادية تُعد من العوامل المؤثرة.

وأكدت أن البنية الشخصية تلعب دوراً كذلك، حيث إن بعض السمات مثل تدني تقدير الذات والحساسية المفرطة تجاه النقد والنزعة التشاؤمية أو الكمالية تزيد من قابلية الإصابة، وشددت على أن بعض الأمراض الجسدية والعضوية مثل خمول الغدة الدرقية أو الأمراض المزمنة قد تحفز ظهور الاكتئاب كعرض متزامن.

وأوضحت أن الاكتئاب يتجلى عبر مجموعة من الأعراض النفسية والجسدية، حيث يتمثل على الصعيد النفسي بمزاج حزين أو فارغ مستمر، وفقدان الشغف والاهتمام، والشعور بالذنب غير المبرر، إلى جانب نظرة سوداوية للمستقبل وصعوبة في التركيز واتخاذ القرار، وقد تصل الأعراض إلى أفكار متكررة حول الموت أو إيذاء الذات.

وبيّنت أن الأعراض الجسدية تشمل اضطرابات النوم سواء الأرق المستمر أو النوم المفرط، وتغيرات في الشهية والوزن، إضافة إلى الشعور بالخمول والإعياء واضطرابات في الحركة النفسية، فضلاً عن آلام جسدية مبهمة مثل الصداع وآلام الظهر واضطرابات هضمية لا تستجيب للعلاج التقليدي.

وأضافت أن إهمال الاكتئاب وعدم تلقي العلاج المناسب قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، وأشارت إلى احتمال تحوله إلى اضطراب مزمن يصعب علاجه، كما أوضحت أن ذلك قد ينعكس على الحياة الوظيفية والاجتماعية من خلال خسارة العمل أو الفشل الأكاديمي وتفكك العلاقات.

ونوّهت الدكتورة في تصريح خاص لـ شام، إلى أن بعض المرضى قد يلجؤون إلى سلوكيات خاطئة مثل استخدام المهدئات أو الكحول للتخفيف من الألم النفسي، ما قد يؤدي إلى الإدمان، وبيّنت أن الاكتئاب المزمن قد يفاقم الأمراض الجسدية ويضعف جهاز المناعة، ويرفع من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بسبب ارتفاع هرمونات التوتر كالكورتيزول.

وتحدثت عن أن أخطر التداعيات تتمثل في خطر الانتحار، حيث قد يرى المريض في الموت مخرجاً من معاناته النفسية، ولفتت إلى أن التعامل مع الاكتئاب يتطلب اتباع خيارات علاجية متعددة بحسب شدة الحالة.

وذكرت أن العلاج الدوائي يعتمد على استخدام مضادات الاكتئاب تحت إشراف طبي دقيق، والتي تعمل على إعادة التوازن الكيميائي للنواقل العصبية، وأفادت بأن هذه الأدوية تحتاج إلى فترة زمنية لبدء مفعولها ولا تسبب الإدمان عند استخدامها بشكل صحيح.

وأكدت أن العلاج النفسي الكلامي، خاصة العلاج المعرفي السلوكي، يُعد من أهم الأساليب العلاجية، حيث يركز على تعديل أنماط التفكير السلبية، وشددت على أهمية العلاجات الطبية المتقدمة في الحالات المقاومة مثل العلاج بالتخليج الكهربائي أو التحفيز المغناطيسي.

وأوضحت أن تعديل نمط الحياة يُعد عاملاً مساعداً مهماً، من خلال ممارسة الرياضة وتنظيم النوم والتغذية المتوازنة، وبيّنت أن للأسرة دوراً أساسياً في الاكتشاف المبكر من خلال ملاحظة التغيرات السلوكية مثل العزلة أو تراجع الأداء أو التقلبات المزاجية، أو العدوانية وحدة الطباع وغيرها.

وأضافت أن التعامل الصحيح يتطلب الإنصات دون إطلاق أحكام وتجنب اللوم، وأشارت إلى ضرورة التوجه إلى المختصين عند الاشتباه بالحالة، كما نوّهت إلى أهمية تقديم الدعم والمساندة وتشجيع المريض على الالتزام بالعلاج.

وتتعدد أوجه الاكتئاب بين أسبابه وأعراضه وتداعياته، ما يجعله حالة معقدة تتطلب قراءة دقيقة لمؤشراته النفسية والجسدية، خاصة مع احتمالية انعكاسه على الأداء اليومي والعلاقات الاجتماعية، كما تبرز أهمية التعامل معه ضمن مسار واضح يشمل التشخيص والمتابعة، إلى جانب دور الأسرة في ملاحظة التغيرات والتوجه نحو المختصين عند الحاجة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ